آخر الأخبار

جيل طموح: ماذا ينقص ريادة الأعمال التونسية لتتحول إلى واقع ؟

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

تكشف متابعة أكاديمية ميدانية امتدت على مدى سنوات، داخل أحد أقدم برامج ماجستير ريادة الأعمال في تونس بإحدى المدارس العليا للتجارة، عن مفارقة تستحق التوقف: برامج صُممت لتكوين رواد أعمال، تنتهي غالبًا إلى تخريج موظفين عموميين وأساتذة جامعيين.

لا تعكس هذه الظاهرة خللًا معزولًا في تجربة تكوينية بعينها، بل تعبّر عن توتر أعمق بين الطموح الرسمي لسياسات التشغيل الذاتي من جهة، وبين ثقافة اجتماعية تونسية ما تزال تمنح الاستقرار الوظيفي مكانة رمزية تفوق مكانة المبادرة الخاصة من جهة أخرى.

التكوين الريادي محطة عبور

تعتمد الدراسة مقاربة تحليلية “من الداخل”، تتابع الحياة اليومية للطلبة وتستمع إلى دوافعهم الحقيقية بعيدًا عن المعطيات الكلية المتاحة. وتفضي هذه المقاربة إلى نتيجة أولى لافتة اذ لا يلتحق أغلب الطلبة بماجستير ريادة الأعمال بنية تأسيس مؤسسة اقتصادية، بل لاعتبارات براغماتية بحتة، فمنهم من لم يُقبل في اختصاصات كان يرغب فيها فعليًا، ومنهم موظفون عموميون يبحثون عن شهادة تضمن ترقية شبه آلية في السلم الإداري، وآخرون يستهدفون التدريس الجامعي بوصفه مسارًا مهنيًا أكثر استقرارًا ومكانة اجتماعية. ويتحول التكوين بذلك إلى جسر نحو وجهة أخرى، لا إلى نقطة انطلاق لمشروع ريادي حقيقي.

ويتقاطع هذا الاستنتاج الميداني مع معطيات وطنية أوسع تكشف عن حجم الفجوة بين النية والفعل حيث أظهر تقرير “المرصد العالمي لريادة الأعمال” للفترة 2022-2023 أن نحو 51% من التونسيين يعتزمون إطلاق مشروع خاص خلال ثلاث سنوات، مقابل 22% فقط سنة 2012، ما يضع تونس في المرتبة الرابعة عالميًا من حيث النية الريادية بين 49 اقتصادًا مشمولًا بالدراسة. غير أن هذا الحماس المعلن يصطدم بواقع مغاير تمامًا حين يتعلق الأمر بجودة البيئة الداعمة للفعل بحكم أن نفس التقرير صنّف تونس في المرتبة 47 من أصل 51 اقتصادًا وفق مؤشر السياق الوطني لريادة الأعمال، بعلامة لم تتجاوز 3.7 من 10، أي دون العتبة الدنيا المعتبرة كافية.

ثقافة “الوظيفة المستقرة”

يعكس هذا التناقض بين النية المعلنة والبيئة الفعلية جذورًا ثقافية عميقة، ففي مجتمع تلعب فيه العائلة والمحيط الاجتماعي دورًا حاسمًا في تقييم الخيارات المهنية، يظل الموظف العمومي أو الأستاذ الجامعي متمتعًا بمكانة اجتماعية أعلى من صاحب المؤسسة الخاصة، بينما يُنظر إلى المخاطرة الريادية بوصفها تعرّضًا محتملًا للحكم الاجتماعي وللفشل العلني. ويؤكد تقرير “المرصد العالمي لريادة الأعمال” هذا الانطباع، إذ يصرّح 42.6% من التونسيين بخوفهم من الفشل كعائق أمام إطلاق مشروعهم الخاص، مقابل 40.3% سنة 2015، أي أن حدة هذا الخوف تتزايد رغم توسع برامج التكوين والدعم.

وتتضاعف حدة هذه المعادلة في ظل سوق شغل يزيد من الضغط النفسي على حاملي الشهائد بدل أن يدفعهم نحو المخاطرة الريادية فقد أظهرت بيانات المعهد الوطني للإحصاء لمؤشرات التشغيل خلال الثلاثي الأول من سنة 2026 تراجعًا طفيفًا في نسبة البطالة العامة إلى 15%، في حين ارتفعت بطالة حاملي الشهادات العليا إلى 24.2% مقابل 22.5% في الثلاثي الأخير من 2025، مع فجوة صارخة بين الجنسين: 14.2% لدى الذكور مقابل 32% لدى الإناث. ويدفع هذا الواقع كثيرًا من خريجي التكوين الريادي، خصوصًا الشابات، إلى البحث عن أي موطئ قدم مستقر بدل خوض مغامرة إحداث مؤسسة.

الاستثناء الذي يصنع الفارق

في المقابل، يكشف البحث الميداني عن فئة محدودة لكنها دالة وهي تتكون من طلبة بلا خلفية عائلية ريادية وبلا رأس مال أولي، ينطلقون رغم ذلك في مشاريع صغيرة كصناعة الجبن التقليدي أو الحلي أو المثلجات، مستفيدين من آليات الدعم المالي الموجهة للشباب. ويشترك هؤلاء في سمة واحدة وهي غياب البدائل المهنية المطمئنة، ما يحوّل التكوين، حتى وإن لم يبلغ هدفه المعلن، إلى مزوّد بأدوات وشبكات علاقات تسمح بالجرأة على البدء الفعلي.

ويتقاطع هذا النمط مع مؤشرات أخرى تكشف محدودية تحول النية الريادية إلى مشاريع فعلية على نطاق وطني واسع. فبرنامج “تونس الناشئة”، الذي استهدفت الاستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي (2021-2025) عبره إحداث مئتي مؤسسة ناشئة سنويًا، لم يبلغ عدد المؤسسات الحاصلة على العلامة الوطنية “ستارت أب” سوى 1133 مؤسسة بحلول نهاية العام قبل الأخير، رغم تقديرات توقعت تجاوز هدف الألفي مؤسسة بنهاية 2025. كما تبقى ريادة الأعمال النسائية هامشية بامتياز، إذ لا تتجاوز نسبة المؤسسات الناشئة المؤسَّسة حصريًا من قبل نساء 4% مقابل 68% للرجال، وهو ما يعكس محدودية الأثر التمكيني لبرامج التكوين على الفئات الأكثر هشاشة في سوق الريادة.

تدعو هذه المعطيات مجتمعة إلى إعادة تفكير جذرية في فلسفة تكوين ريادة الأعمال، لا إلى التخلي عنها ذلك أن تحسين الانتقاء عند الدخول عبر البحث عن ملفات ذات قابلية ريادية حقيقية، ومرافقة الطلبة بشكل فردي يتجاوز التقييم الأكاديمي البحت، وربط التكوين بواقع الميدان عبر حاضنات فعلية وتجارب نجاح وفشل ملموسة، تبقى مداخل ضرورية لكنها غير كافية بمفردها باعتبار أن تعزيز البيئة الحاضنة يبقى الرهان الأكبر، ما دامت تونس تحتل مرتبة متأخرة في مؤشر السياق الريادي رغم تصدرها عالميًا في مستوى النية.

ويبقى التحدي الأعمق ثقافيًا بامتياز إذ يصعب غرس منظومة قيم قائمة على المخاطرة المحسوبة ما دام المكوّنون أنفسهم، والمحيط الاجتماعي، والمسارات المهنية الأكثر تقديرًا، تصبّ جميعها في اتجاه الاستقرار الوظيفي. ولعل الخطوة الأولى نحو تصحيح هذه المعادلة تبدأ بالاعتراف الصريح بما تنتجه برامج التكوين فعليًا، لا بما يُفترض نظريًا أن تنتجه.

احصل على النشرة الإخبارية اليومية لـ تونسي رقمية مجانًا

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

لقد اشتركت بنجاح في نشرتنا الإخبارية.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا