آخر الأخبار

تونس تخطط لصناعة إبداعية وثقافية منتجة

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

تراهن السلطات التونسية على تحويل قطاع الصناعات الثقافية والإبداعية من نشاط رمزي هامشي إلى ركيزة اقتصادية منتجة، تُسند إليها مهمة مزدوجة: خلق الثروة والتشغيل من جهة، وترسيخ الهوية الوطنية من جهة أخرى.

ويندرج هذا التوجه ضمن الاستراتيجية الوطنية للسياسة الثقافية التي تستهدف إحداث 100 ألف موطن شغل مباشر وغير مباشر في هذا القطاع خلال الفترة الممتدة بين 2026 و2030، في مقاربة تنظر إلى الثقافة بوصفها قطاعا اقتصاديا قائم الذات، لا مجرد نشاط استهلاكي مموَّل من المال العام.

الثورة الرقمية تدفع التصدير الثقافي

يحتل قطاع الصناعات الثقافية والإبداعية موقعا محوريا ضمن مخطط التنمية 2026-2030، بعدما ظل لعقود يُدار كقطاع خدماتي تقليدي بعيدا عن منطق الإنتاجية والتصدير. وتشمل هذه الصناعات، بحسب التصنيف المعتمد، الموسيقى والسينما والمسرح والفنون التشكيلية والنشر والتصميم والألعاب الرقمية إلى جانب الحرف التقليدية والتراث المادي واللامادي. ويكشف هذا التنوع القطاعي عن حجم الرهان الذي تعقده السلطات على منظومة إنتاجية متشعبة، قادرة نظريا على التقاطع مع قطاعات أكثر نضجا كالسياحة والصناعات التقليدية.

تستفيد الاستراتيجية التونسية من سياق دولي مواتٍ، إذ أتاحت الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي والمنصات الإلكترونية فرصا غير مسبوقة لتسويق المنتوج الثقافي والوصول إلى أسواق خارجية لم تكن متاحة سابقا أمام صناعة محلية محدودة الإمكانيات التصديرية. ويحوّل هذا المعطى الثقافة، في الخطاب الرسمي، إلى قطاع واعد للتشغيل والاستثمار والتصدير في آن واحد، بما يقترب من التجربة العالمية التي تُظهر فيها الاقتصادات الإبداعية نموا يفوق أحيانا وتيرة القطاعات الصناعية التقليدية، وفق تقديرات دولية متكررة حول مساهمة الصناعات الإبداعية في الناتج العالمي وحجم التشغيل الذي توفره على المستوى الكوني.

رفع مساهمة الثقافة إلى 3% من الناتج

تحدد الاستراتيجية سقفا كميا واضحا لهذا الرهان، إذ تسعى إلى رفع مساهمة الثقافة إلى 3 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مؤشر يضع القطاع في مصاف الأنشطة الاقتصادية القابلة للقياس والمساءلة، بعدما كانت مساهمته تُختزل تقليديا في مؤشرات نوعية غير قابلة للمقارنة. ويقترن هذا الهدف بمسعى موازٍ لاستقطاب 30 بالمائة من إجمالي الوافدين ضمن خانة السياحة الثقافية، ما يجعل من القطاع رافدا مباشرا لتنويع العرض السياحي التونسي الذي ظل لعقود متمركزا حول نمط الشمس والبحر.

يقوم منطق تحقيق هدف المائة ألف موطن شغل على تطوير منظومة الصناعات الثقافية عبر تشجيع المبادرة الخاصة ودعم المؤسسات الناشئة والمشاريع الإبداعية، بدل الاكتفاء بالتمويل العمومي المباشر للمؤسسات الثقافية التقليدية. وتضاف إلى ذلك مقاربة تثمّن التراث المادي واللامادي بوصفه أصلا اقتصاديا قابلا للاستثمار، فضلا عن توجيه الاستثمار نحو التكوين والمهارات الرقمية بما يواكب التحولات العالمية في أنماط الإنتاج والاستهلاك الثقافي، وهي تحولات فرضتها المنصات الرقمية وتغيّر سلوك الجمهور المستهلك للمحتوى الثقافي.

وتراهن تونس، في هذا الصدد، على تعزيز التناغم بين الصناعات الثقافية والإبداعية والقطاعات الاقتصادية الصاعدة، وفي مقدمتها الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، باعتبار أن مستقبل الإنتاج الثقافي بات مرتبطا عضويا بالأدوات التكنولوجية الحديثة، من التصميم الرقمي إلى الألعاب التفاعلية ومنصات البث. ويحمل هذا التقاطع القطاعي دلالة استراتيجية أعمق: فتونس لا تسعى إلى تطوير الثقافة والاقتصاد الرقمي كمسارين منفصلين، بل كمنظومة مترابطة تعزز فيها كل حلقة الأخرى، بما يرفع القدرة التنافسية الإجمالية للاقتصاد الوطني.

التحدي التمويلي يفرض نفسه

يبقى السؤال التمويلي محددا رئيسيا لمدى واقعية هذا الرهان، ذلك أن الانتقال من قطاع ثقافي يعتمد تاريخيا على الدعم العمومي المباشر إلى منظومة إنتاجية قادرة على استقطاب 100 ألف موطن شغل خلال خمس سنوات فقط يستلزم منظومة تمويل متعددة المصادر، تجمع بين الاستثمار الخاص المحلي، والتمويل البنكي الموجه للمؤسسات الناشئة الثقافية، وآليات الشراكة مع القطاع الرقمي سريع النمو.

وتواجه هذا المسار عقبات بنيوية معروفة في الاقتصادات النامية، من ضعف تمويل المشاريع الإبداعية عالية المخاطر إلى محدودية أدوات حماية الملكية الفكرية التي تُعد شرطا أساسيا لجذب الاستثمار في الصناعات الإبداعية القائمة على المحتوى.

تعتمد المقاربة التونسية أيضا على إعادة قراءة التراث المادي واللامادي بوصفه رافدا اقتصاديا مباشرا، لا مجرد إرث للحفظ والصون. وتتيح هذه القراءة ربط قطاعات الحرف التقليدية والتصميم بأسواق التصدير الخارجية عبر المنصات الرقمية، بما يعزز حصيلة العملة الصعبة الناتجة عن التصدير غير التقليدي في وقت تحتاج فيه تونس إلى تنويع مصادر مداخيلها الخارجية بعيدا عن القطاعات الاقتصادية الكلاسيكية. ويمنح هذا التوجه بعدا مضافا لهدف رفع مساهمة الثقافة إلى 3 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، باعتباره لا يقتصر على السوق الداخلية بل يمتد إلى ميزان المدفوعات ذاته.

لا يقتصر الأثر المرتقب لهذا الرهان على القطاع الثقافي في حد ذاته، بل يمتد، حسب الاستراتيجية، إلى قطاعات أخرى كالسياحة والاقتصاد الرقمي والصناعات التقليدية، بما يعزز مساهمة الثقافة في التنمية الاقتصادية الشاملة. وتبقى قابلية تحقيق هذه الأهداف الكمية الطموحة، من حيث التشغيل ونسبة المساهمة في الناتج المحلي وحصة السياحة الثقافية، رهينة بمدى قدرة السياسات العمومية على ترجمة هذا الخطاب الاستراتيجي إلى آليات تمويل وحوكمة فعلية تواكب النسق الزمني المحدد بحلول 2030، وسط منافسة إقليمية متصاعدة على استقطاب الاستثمارات الموجهة إلى الاقتصادات الإبداعية.

احصل على النشرة الإخبارية اليومية لـ تونسي رقمية مجانًا

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

لقد اشتركت بنجاح في نشرتنا الإخبارية.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة:
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا