آخر الأخبار

سيدي بوسعيد على قائمة التراث العالمي: ما الذي كرّسته اليونسكو، وما الذي بات على تونس حمايته؟

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

غيّر القرية الزرقاء والبيضاء وضعها رسمياً. ففي يوم السبت 25 جويلية 2026، أدرجت لجنة التراث العالمي التابعة لليونسكو، المجتمعة في مدينة بوسان بكوريا الجنوبية، سيدي بوسعيد على قائمة التراث العالمي. وقد اعتُمد القرار بالإجماع، لتصبح القرية الموقع التونسي العاشر الذي يحظى بهذا الاعتراف الدولي.

ويمثل هذا الحدث محطة تاريخية، لكنه يستحق أن يُفهم بما يتجاوز الصور الشهيرة للأبواب الزرقاء، وأزهار الجهنمية، والشرفات المطلة على خليج تونس.

فاليونسكو لم تكافئ مجرد قرية متوسطية جميلة، بل اعترفت بمنظومة تاريخية وثقافية أعمق بكثير: قرية-مزار نشأت حول ضريح أحد شيوخ التصوف، وتطورت عبر القرون من خلال العلاقة بين السلطة الروحية والسلطة السياسية، والعمارة السكنية، والممارسات الدينية التي لا تزال حية حتى اليوم.

ويمنح هذا الإدراج تونس اعترافاً دولياً بالغ الأهمية، لكنه يفرض عليها أيضاً مسؤولية عاجلة تتمثل في حماية القرية من هشاشة منحدراتها الصخرية، ومن المباني غير المتجانسة، ومن التحولات التي تطال مساكنها التقليدية، فضلاً عن آثار النشاط السياحي الذي أصبح في بعض الأحيان مفرطاً.

أهم ما يجب معرفته

أُدرجت سيدي بوسعيد رسمياً على قائمة التراث العالمي لليونسكو تحت اسم «قرية سيدي بوسعيد».

ويمتد الموقع المصنف على مساحة 76.54 هكتاراً، إضافة إلى منطقة عازلة تبلغ 84.44 هكتاراً مخصصة لحماية محيطه المباشر. وقد سُجل وفق المعيار الثقافي (iii)، الذي يخص المواقع التي تقدم شهادة استثنائية على تقليد ثقافي أو حضارة.

وبذلك أصبحت تونس تضم عشرة مواقع مدرجة على قائمة التراث العالمي، منها تسعة مواقع ثقافية وموقع طبيعي واحد هو الحديقة الوطنية بإشكول. وتنضم سيدي بوسعيد إلى كل من قرطاج، ومدينة تونس العتيقة، والقيروان، والجم، ودقة، وكركوان، ومدينة سوسة العتيقة، وجربة.

غير أن هذا الإدراج لا يعني أن جميع العناصر المرتبطة بالقرية، مثل المالوف، والعيساوية، والياسمين، أو خرجة ليلة المولد، قد أُدرجت بصورة منفصلة ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي. فهي تشكل جزءاً من الهوية الحية للمكان، لكنها لم تحصل، كلٌ على حدة، على هذا التصنيف بموجب القرار الصادر في بوسان.

اليونسكو لا تكرّس اللونين الأزرق والأبيض فقط

في المخيال الجماعي، تُختزل سيدي بوسعيد غالباً في صورة جدران بيضاء، وأبواب مزينة بالمسامير، ونوافذ ومشربيات زرقاء، وأزقة منحدرة، وإطلالة مشرقة على البحر الأبيض المتوسط.

ولا شك أن هذه العناصر مهمة. فاليونسكو تشيد بالانسجام بين طبيعة الموقع المرتفع، والعمارة، والتخطيط العمراني، والألوان المميزة، والأجواء الروحية التي تطبع القرية. كما تذكّر بأن هذا المشهد ألهم العديد من الفنانين، ولا يزال يستقطب الزوار الباحثين عن الجمال والسكينة.

لكن إدراج سيدي بوسعيد في قائمة التراث العالمي لم يكن قائماً أساساً على جمالها المعماري.

فالأساس الذي استند إليه القرار هو تاريخها باعتبارها قرية-مزار.

فقد نشأت القرية تدريجياً حول ضريح أبي سعيد خلف بن يحيى التميمي الباجي، الشيخ والولي الصوفي الذي عاش بين القرنين الثاني عشر والثالث عشر، واشتهر باسم سيدي بوسعيد.

ومنذ القرن السادس عشر، ساهمت السلالات الحاكمة في تونس في تكريس قدسية المكان، إذ ربطت شرعيتها السياسية بـالبركة المنسوبة إلى الولي الصالح، بينما ساعد دعم السلطة في المقابل على استمرارية المزار وتطور القرية.

وهذه العلاقة بين السلطة الروحية للولي والسلطة الزمنية للحكام هي التي أقنعت اليونسكو بقيمة الموقع.

عندما حوّل البايات المزار إلى مصيف للنخبة

بين القرنين الثامن عشر والعشرين، عزز البايات الحسينيون وكبرى العائلات التونسية هذا المسار عبر تشييد مساكن للاستجمام في سيدي بوسعيد.

فاحتفظت القرية بمركزها الديني، لكنها أصبحت أيضاً وجهة مفضلة للنخب السياسية والحضرية. وشهدت بناء قصور، ودور أعيان، ونوافير، وساحات عامة، ومساكن صيفية، أضافت جميعها بعداً جديداً إلى نسيجها العمراني الأصلي.

وهكذا اندمج التخطيط العمراني العربي الإسلامي، المتمركز حول المجمع الديني، تدريجياً مع العمارة السكنية التي ازدهرت خلال القرنين التاسع عشر والعشرين.

وترى اليونسكو أن سيدي بوسعيد تمثل شهادة استثنائية على ظاهرة محورية في التاريخ الاجتماعي والسياسي للمغرب العربي، تتمثل في نشوء وازدهار قرية حول المكانة الروحية لولي صالح، بدعم من السلالات الحاكمة.

ومن ثم فإن الإدراج يتجاوز الجانب الجمالي، ليكرّس نموذجاً تاريخياً يجمع بين السلطة والروحانية والفضاء العمراني.

معيار واحد… لكنه بالغ الدلالة

قدمت تونس ملف ترشيحها بالاستناد إلى عدة عناصر، منها التبادل الثقافي، والقيمة المعمارية، وقدرة القرية على إلهام الفنانين والممارسات الروحية.

لكن لجنة التراث العالمي قررت في النهاية إدراج سيدي بوسعيد استناداً إلى المعيار (iii) وحده.

ويكشف هذا الاختيار أن القيمة العالمية الاستثنائية للموقع لا تكمن أساساً في كونه نموذجاً معمارياً أثّر في حوض المتوسط، ولا في ارتباطه بفنانين مشهورين.

بل تتمثل في كونه شاهداً فريداً على تقليد قرى الأولياء في المغرب العربي، وعلى العلاقة العضوية بين الولي الصالح، والسلالة الحاكمة، والمجتمع الذي تشكل حول المكان المقدس.

فاللونان الأزرق والأبيض هما الواجهة الأكثر شهرة لسيدي بوسعيد، أما قيمتها التراثية الحقيقية فتتجسد في التاريخ العريق الكامن خلف تلك الواجهات.

ما الجزء المصنف فعلياً من سيدي بوسعيد؟

يشمل الموقع المدرج كامل القرية التاريخية ضمن الحدود التي حُددت سنة 1915.

وقد استُبعدت بعض المباني الأحدث، التي اعتُبرت غير منسجمة مع الطراز المعماري التقليدي، من النطاق الرئيسي للتصنيف. ورأت اليونسكو أن النسيج العمراني، والأزقة، والكثافة التاريخية للمباني، والمشهد العام، ما تزال محفوظة بصورة جيدة.

إلا أنها سجلت أيضاً عدداً من التغييرات.

فإنشاء المرسى الترفيهي عند سفح المنحدر الجنوبي أدى إلى تعديل طفيف في المشهد التاريخي، كما أثرت تدخلات أخرى في بعض المناظر أو في انسجام النسيج العمراني، وإن كانت المنظمة ترى أن جزءاً كبيراً من هذه التأثيرات لا يزال قابلاً للتدارك.

ويستفيد الموقع أيضاً من منطقة عازلة تبلغ 84.44 هكتاراً، لا تتمتع بنفس الوضع القانوني للمنطقة المصنفة، لكنها تهدف إلى حماية المشاهد الطبيعية، والعلاقة القائمة بين القرية والجرف الصخري والبحر.

التقاليد الصوفية… واقع حي

لا يقتصر حضور التصوف في سيدي بوسعيد على الماضي.

فاليونسكو ترى أن الممارسات الروحية المرتبطة بالموقع لا تزال قائمة، وأن معظم الفضاءات الدينية ما زالت تؤدي وظائفها، وهو ما يعزز أصالة القرية.

فالزاوية، والاحتفالات، وطقوس التعبد، وذاكرة الولي، لا تزال تمنح النسيج العمراني معناه، ولذلك لا تُعد سيدي بوسعيد مجرد ديكور تاريخي فقد وظيفته الروحية.

لكن ينبغي توضيح هذه النقطة بدقة.

فالإدراج يتعلق بموقع ثقافي مادي تعزز قيمته الممارسات الحية، ولا يشكل إدراجاً مستقلاً للعيساوية، أو خرجة ليلة المولد، أو المالوف، أو الحرف المرتبطة بالياسمين ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية.

فهذه التقاليد ترتبط بهوية سيدي بوسعيد، لكنها لم تحصل جميعها، كل على حدة، على تصنيف اليونسكو.

حماية بدأت منذ عام 1915

تكمن إحدى نقاط قوة الملف التونسي في قدم منظومة الحماية القانونية.

فالقرية محمية منذ صدور أمر بايلي سنة 1915، ساهم في الحفاظ على نسيجها العمراني ومظهرها العام، ثم عزز الأمر المتعلق بمنتزه قرطاج–سيدي بوسعيد سنة 1985 هذه الحماية.

ويتولى المعهد الوطني للتراث، تحت إشراف وزارة الشؤون الثقافية، مهمة حماية الموقع وصونه وفقاً لمجلة حماية التراث الأثري والتاريخي والفنون التقليدية لسنة 1994.

كما ينظم مثال التهيئة العمرانية للبلدية استعمالات الأراضي والتدخلات العمرانية.

وأُعدت خطة إدارة للموقع كمرحلة تجريبية تمتد حتى عام 2027، على أن يجري تطويرها وتنفيذها وتقييمها بصورة دورية.

وكانت وزيرة الشؤون الثقافية قد وقعت ملف الترشح الرسمي في 28 جانفي 2025، قبل إحالته إلى هيئات اتفاقية التراث العالمي لتقييمه. وقد شاركت في إعداد الملف عدة مؤسسات تونسية، بدعم من صندوق التراث العالمي الإفريقي.

الإدراج يكشف أيضاً هشاشة الجروف الصخرية

رغم أن قرار بوسان يمثل تتويجاً مهماً، فإنه يتضمن تحذيراً واضحاً.

فالمنظمة تعتبر أن الموقع يواجه مخاطر ناجمة عن طبيعته الجيولوجية والعوامل البيئية المختلفة، وتدعو تونس إلى جمع الوثائق التاريخية المتعلقة بانزلاقات التربة، واستكمال الدراسات التقنية، وتحديث خرائط الشقوق ومناطق عدم الاستقرار.

كما تطالب بتنفيذ خطة لإدارة مخاطر الكوارث الطبيعية، وإعداد آلية للطوارئ استناداً إلى الدراسات الخاصة بالجرف الصخري.

ولا يتعلق الأمر بخطر نظري، إذ تعتمد القيمة الاستثنائية لسيدي بوسعيد على موقعها فوق الرأس الصخري، وعلى ارتباطها بالتضاريس وإطلالتها على البحر المتوسط. وبالتالي فإن أي تدهور في استقرار التربة يهدد المباني والسكان وأحد أهم عناصر القيمة التي بُني عليها التصنيف.

فالإدراج لا يحمي الجرف مادياً، لكنه يُلزم السلطات بالانتقال من مرحلة الدراسات إلى التنفيذ والمتابعة والوقاية.

السياحة… أكبر فرصة وأكبر تحدٍ

من المتوقع أن يعزز هذا الإدراج الحضور الدولي لسيدي بوسعيد.

فشعار اليونسكو قد يسهم في زيادة الإقبال السياحي، وتعزيز الاهتمام بالموقع، ودعم الاقتصاد المحلي إذا ترافق مع إدارة مستدامة. غير أن المنظمة تحذر من أن السياحة المفرطة أصبحت بالفعل من أبرز التهديدات التي تواجه طابع القرية.

فالازدحام يغير تدريجياً طبيعة المكان.

إذ تتحول بعض المساكن إلى استخدامات أخرى، وتتزايد المحال التجارية الموجهة للزوار، فيما تؤثر حركة المرور، والوقوف العشوائي، والضوضاء، والنفايات، وتركز الزوار في عدد محدود من الأزقة، في الحياة اليومية للسكان.

ولذلك تطلب اليونسكو من تونس إجراء دراسة حول القدرة الاستيعابية للقرية، ثم اعتماد استراتيجية وخطة لإدارة النشاط السياحي، بما يحد من مخاطر السياحة المفرطة.

ولن يقاس النجاح بعدد السياح الإضافيين، بل بمدى القدرة على الحفاظ على السكان، والممارسات المحلية، والأماكن الدينية النشطة، واقتصاد لا يحول كل منزل إلى متجر أو منشأة سياحية.

المباني غير المتجانسة تحت المجهر

يتضمن القرار أيضاً توصية لا تحظى عادة بالاهتمام الكافي، وهي إزالة المنشآت غير المتوافقة التي أُقيمت دون ترخيص، مع احترام الإجراءات القضائية الجارية.

كما تطالب اليونسكو بإجراء دراسة لتقييم الأثر على التراث قبل تنفيذ أي مشروع جديد داخل الموقع المصنف أو منطقته العازلة أو محيطه المباشر.

وبذلك لا يقتصر التصنيف على منع هدم المباني القديمة، بل يفرض أيضاً مراقبة أحجام المباني، والمواد المستخدمة، والتجهيزات، وتعديلات الواجهات، والمشاريع العقارية، وكل تهيئة قد تؤثر في المشهد العام أو هوية القرية.

وسيتعين على أي مشروع مستقبلي إثبات أنه لا يمس بالقيمة العالمية الاستثنائية التي بررت إدراج الموقع.

ما الذي تطلبه اليونسكو من تونس؟

من بين أبرز الالتزامات المطلوبة:


* استكمال الدراسات الخاصة بانزلاقات التربة وإعداد خرائط للشقوق.
* تنفيذ خطة للوقاية من المخاطر الطبيعية.
* إعداد جرد شامل للعناصر التراثية.
* تقييم حالة حفظ المباني والفضاءات.
* تطوير خطة الإدارة وتطبيقها.
* مواصلة برنامج الحماية والتثمين.
* إعادة تنظيم إدارة النشاط السياحي.
* إزالة المباني غير المتجانسة المشيدة دون ترخيص وفقاً للإجراءات القانونية.
* جعل دراسات الأثر على التراث إلزامية قبل تنفيذ أي مشروع جديد.

ويتعين على تونس رفع تقرير حول تنفيذ هذه التوصيات إلى مركز التراث العالمي قبل 1 ديسمبر 2027، على أن تنظر فيه اللجنة خلال دورتها الخمسين المقررة عام 2028.

ويؤكد هذا الموعد أن الإدراج ليس شهادة نهائية لا تخضع للمراجعة.

لا تمويل تلقائياً من اليونسكو

لا يعني إدراج الموقع على قائمة التراث العالمي حصوله تلقائياً على تمويل لترميمه.

فبإمكان تونس طلب مساعدات دولية، أو خبرات تقنية، أو دعم عبر آليات التراث العالمي، لكن هذه الطلبات تخضع للتقديم والدراسة والموافقة، كما أن الموارد المتاحة محدودة ولا تعوض الميزانيات الوطنية المخصصة للحفاظ على التراث.

ويبقى الأثر الأول للتصنيف هو الاعتراف الدولي، وزيادة الحضور العالمي للموقع، وتعزيز الالتزامات المتعلقة بحمايته.

أما التمويل الفعلي، فسيتوقف على جهود الدولة، والبلدية، والمعهد الوطني للتراث، والشركاء الدوليين، وربما القطاع الخاص، في إطار يحترم متطلبات صون الموقع.

تتويج… وبداية مرحلة جديدة

يمثل إدراج سيدي بوسعيد على قائمة التراث العالمي انتصاراً لتونس، وللفرق العلمية، وللمؤسسات، وللسكان الذين حافظوا على القرية عبر الأجيال.

كما يأتي هذا الحدث رمزياً في 25 جويلية، الموافق لعيد الجمهورية، ليرفع عدد المواقع التونسية المدرجة على القائمة إلى عشرة.

لكن الاختبار الحقيقي يبدأ الآن.

فسيكون على تونس حماية الجرف الصخري دون تشويه المشهد الطبيعي، واستقبال الزوار دون إقصاء الحياة المحلية، والحفاظ على الممارسات الروحية دون تحويلها إلى عروض سياحية، وترميم البيوت التقليدية دون تحويلها إلى ديكورات مصطنعة.

إن سيدي بوسعيد لا تدخل قائمة التراث العالمي لأنها تشبه بطاقة بريدية جميلة.

بل لأنها، خلف واجهاتها البيضاء والزرقاء، حافظت على مدى قرون على لقاء فريد بين الأرض، والولي الصالح، والمجتمع، والسلالات الحاكمة، وطريقة خاصة في العيش على ضفاف البحر الأبيض المتوسط.

احصل على النشرة الإخبارية اليومية لـ تونسي رقمية مجانًا

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

لقد اشتركت بنجاح في نشرتنا الإخبارية.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة:
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك

الأكثر تداولا أمريكا إيران سوريا دمشق

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا