آخر الأخبار

تونس تراهن على 12 مليون قنطار لكسر التبعية الحبوبية

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

يعكس التقدم الكبير الذي حققه موسم حصاد الحبوب في تونس خلال سنة 2026 تحولا إيجابيا في أداء أحد أكثر القطاعات الاستراتيجية بالنسبة للاقتصاد الوطني، بعد سنوات اتسمت بتذبذب الإنتاج تحت تأثير الجفاف والتغيرات المناخية وارتفاع كلفة المدخلات الزراعية. ولا يقتصر هذا التحسن على الجانب الفلاحي فحسب، حيث يمتد ليشمل التوازنات المالية والتجارية للدولة، باعتبار أن الحبوب تمثل أحد أكبر بنود الواردات الغذائية وأحد أبرز مصادر الضغط على الميزان التجاري والاحتياطي من العملة الأجنبية.

وتؤكد المعطيات الإحصائية الصادرة عن ديوان الحبوب أن نسبة تقدم موسم الحصاد تجاوزت 90 بالمائة على المستوى الوطني إلى غاية 19 جويلية 2026، فيما بلغت الكميات المجمعة حوالي 10.5 مليون قنطار، موزعة بين 9.9 ملايين قنطار من حبوب الاستهلاك بما يمثل 94 بالمائة من الإجمالي، و623 ألف قنطار من البذور الممتازة الخام بنسبة 6 بالمائة، مع توقعات رسمية بتجاوز الكميات المجمعة حاجز 12 مليون قنطار قبل نهاية الموسم.

الإنتاج المحلي يعزز الحد من التبعية الغذائية

يمثل تحسن محصول الحبوب هذا الموسم خطوة مهمة في مسار تقليص التبعية الغذائية للخارج، خاصة أن تونس تظل من البلدان المستوردة الصافية للحبوب، إذ تؤمن الأسواق الخارجية في المعدل ما بين 60 و70 بالمائة من حاجياتها من القمح اللين، ونحو 50 بالمائة من إجمالي استهلاك الحبوب، بينما ترتفع هذه النسبة بشكل لافت في سنوات الجفاف.

ويكتسي هذا الإنجاز أهمية إضافية في ظل استمرار الاضطرابات التي تشهدها الأسواق الدولية منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، وما رافقها من تقلبات حادة في أسعار القمح والشحن البحري والتأمين، فضلا عن تزايد المخاطر المناخية التي تؤثر على الإنتاج العالمي. كما تواصل أسعار الحبوب العالمية تسجيل مستويات أعلى من متوسطاتها التاريخية رغم تراجعها مقارنة بذروة سنة 2022، وهو ما يجعل كل زيادة في الإنتاج المحلي ذات انعكاسات مباشرة على تقليص فاتورة التوريد.

وتستهلك تونس سنويا ما بين 32 و35 مليون قنطار من مختلف أنواع الحبوب، منها حوالي 18 مليون قنطار من القمح اللين الموجه لصناعة الخبز، ونحو 9 ملايين قنطار من القمح الصلب، إضافة إلى الشعير والعلف، لذلك فإن بلوغ محصول يناهز أو يفوق 12 مليون قنطار يمكن أن يرفع نسبة تغطية الإنتاج المحلي للاستهلاك الوطني إلى قرابة الثلث، وهي نسبة تعد من أفضل النتائج المسجلة خلال السنوات الأخيرة.

تركز الإنتاج في الشمال الغربي

تكشف البيانات الجهوية استمرار تمركز الإنتاج الوطني في ولايات الشمال الغربي، التي تستفيد من أفضل الظروف المناخية والتربة الزراعية، فقد تصدرت ولاية باجة ترتيب الولايات من حيث الكميات المجمعة بـ2.35 مليون قنطار، أي ما يعادل 22.39 بالمائة من الإجمالي الوطني، متبوعة ببنزرت بـ1.5 مليون قنطار، ثم سليانة بـ1.44 مليون قنطار، والكاف بـ1.41 مليون قنطار، وجندوبة بـ1.05 مليون قنطار.

وتستأثر هذه الولايات الخمس وحدها بحوالي 76 بالمائة من إجمالي الحبوب المجمعة، وهو ما يؤكد أهميتها باعتبارها الخزان الرئيسي للحبوب في البلاد، ويبرز في المقابل الحاجة إلى توسيع رقعة الزراعات الكبرى بالمناطق الداخلية وتطوير الزراعات السقوية والاعتماد على أصناف أكثر مقاومة للإجهاد المائي.

وتبرز في المقابل مؤشرات إيجابية على مستوى منظومة التجميع، إذ بلغت الكميات التي تم إجلاؤها نحو وحدات ديوان الحبوب أو بيعها مباشرة إلى المطاحن حوالي 4.5 مليون قنطار إلى غاية 19 جويلية، بما يعكس نسقا مقبولا في عمليات النقل والخزن والرسكلة الصناعية، وهي حلقات أساسية لتقليص الفاقد وتحسين جودة المخزون الوطني.

دعم منظومات الإنتاج الاستراتيجية

تؤكد السياسات العمومية خلال السنوات الأخيرة إدراج منظومة الحبوب ضمن أولويات الأمن الغذائي الوطني، من خلال مواصلة دعم أسعار البذور الممتازة والأسمدة، وتحسين أسعار قبول الحبوب لدى المنتجين، إلى جانب توفير التمويل الموسمي والتأمين الزراعي وتعزيز قدرات التخزين والتجميع.

وتكتسي البذور الممتازة أهمية خاصة في هذا السياق، إذ بلغ حجم الكميات المجمعة منها هذا الموسم 623 ألف قنطار، وهو ما يوفر قاعدة مهمة لإعداد الموسم الزراعي المقبل وتحسين الإنتاجية. وتواصل السلطات أيضا تكوين مخزون احتياطي من بذور الشعير المنتقاة بهدف ضمان استدامة الإنتاج والحد من مخاطر نقص البذور خلال المواسم المقبلة.

وتتطلب هذه الجهود مواصلة تحديث منظومات الإنتاج عبر تعميم المكننة الزراعية، وتوسيع استخدام الزراعة الدقيقة، والرفع من كفاءة الري التكميلي، وتحسين الخدمات الإرشادية، خاصة وأن مردودية الهكتار في تونس ما تزال دون المعدلات المسجلة في عدد من بلدان البحر الأبيض المتوسط، إذ تتراوح غالبا بين 20 و30 قنطارا للهكتار، مقابل أكثر من 50 قنطارا في بعض الدول الأوروبية.

يؤكد تحسن صابة الحبوب أن تحقيق الأمن الغذائي يرتبط بعوامل مناخية مواتية، وكذلك بوجود منظومة اقتصادية متكاملة تقوم على الاستثمار والابتكار والتمويل المستدام. ويظل توفير التمويلات الملائمة للفلاحين، خاصة صغار المنتجين، عاملا حاسما لتجديد المعدات، واعتماد التقنيات الحديثة، وتحسين استخدام البذور والأسمدة، بما يرفع الإنتاجية ويحد من كلفة الإنتاج.

كما يفرض تغير المناخ تسريع الاستثمار في البحث العلمي الزراعي واستنباط أصناف مقاومة للجفاف، وتوسيع البنية التحتية للتخزين لتقليص خسائر ما بعد الحصاد، التي تمثل نسبة معتبرة من الإنتاج في العديد من المواسم.

ويؤشر الموسم الحالي إلى أن تونس تمتلك مقومات حقيقية لتعزيز سيادتها الغذائية تدريجيا إذا ما تواصلت الإصلاحات الهيكلية والاستثمارات العمومية والخاصة في قطاع الحبوب. فكل مليون قنطار إضافي من الإنتاج المحلي لا يمثل فقط زيادة في المحصول، بل يترجم أيضا إلى انخفاض في الواردات، وتخفيف للضغط على احتياطي النقد الأجنبي، وتعزيز لقدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة تقلبات الأسواق العالمية، بما يجعل الأمن الغذائي رافعة أساسية للاستقرار الاقتصادي والمالي على المدى الطويل.

احصل على النشرة الإخبارية اليومية لـ تونسي رقمية مجانًا

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

لقد اشتركت بنجاح في نشرتنا الإخبارية.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا