هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجللم تعد موجات الحر القياسية في شمال أفريقيا تمثل تحديا مناخيا فحسب، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة شبكات الكهرباء على تلبية الطلب المتزايد على الطاقة. ففي غضون أيام، شهدت تونس وليبيا والجزائر انقطاعات واسعة للكهرباء، في مشهد عكس الضغوط التي تواجهها البنية التحتية للطاقة مع ارتفاع درجات الحرارة، وكشف في الوقت نفسه عن مشكلات هيكلية تتجاوز الطقس إلى الاستثمار و التمويل و أمن الطاقة.
و بحسب تقرير لوكالة بلومبيرغ، تجاوزت درجات الحرارة في أجزاء واسعة من المنطقة 40 درجة مئوية خلال الأسبوع الماضي، مما أدى إلى ارتفاع استهلاك الكهرباء، خاصة لتشغيل أجهزة التكييف، في وقت تعمل فيه شبكات قديمة أو تعاني نقصا في الاستثمارات، الأمر الذي تسبب في انقطاعات امتدت لساعات في بعض المناطق.
تونس.. أزمة كهرباء تعكس أزمة اقتصادية
كانت تونس الأكثر تضررا من موجة الحر، إذ فرضت الشركة التونسية للكهرباء والغاز انقطاعات مبرمجة وصلت في بعض المدن، بما فيها العاصمة تونس، إلى سبع ساعات يوميا، في محاولة لتخفيف الضغط على الشبكة ومنع انهيارها.
و أشارت بلومبيرغ إلى أن هذه الانقطاعات أثارت استياء واسعا بين السكان وأصحاب الأعمال، ولا سيما في القطاعات التي تعتمد بصورة مباشرة على الكهرباء، مثل الفنادق ومحال بيع اللحوم والمواد الغذائية، في وقت يواجه فيه الاقتصاد التونسي تباطؤا في النمو وارتفاعا في البطالة و ضغوطا متزايدة على المالية العامة.
و لا تنفصل أزمة الكهرباء عن المشهد الاقتصادي الأوسع، إذ تواجه تونس صعوبات في تمويل الواردات، بينما زادت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران الضغوط على الموازنة العامة بعد ارتفاع أسعار الطاقة، وهو ما حد من قدرة الدولة على دعم قطاع الكهرباء و الاستثمار في تحديث شبكاته.
و يعكس ذلك، بحسب الوكالة، أن أزمة الكهرباء لم تعد مرتبطة بذروة الاستهلاك الصيفية فقط، بل أصبحت تكشف تحديات أعمق تتعلق بقدرة الدولة على تمويل البنية التحتية ومواكبة الطلب المتزايد على الطاقة.
و في محاولة لاحتواء الغضب الشعبي، وصف الرئيس قيس سعيد الانقطاعات بأنها “حالة استثنائية”، محملا مسؤولين لم يسمهم مسؤولية ما حدث، ومؤكدا أن كل من قصر في أداء واجبه سيتحمل النتائج.
غير أن الضغوط الاجتماعية تبدو أوسع من أزمة الكهرباء. فبحسب استطلاع أوردته بلومبيرغ، يضطر نحو نصف التونسيين إلى الاستغناء عن وجبة واحدة يوميا لأسباب مالية، بينما يعبر نحو ثلثي الشباب عن رغبتهم في الهجرة، في مؤشرات تعكس تراجع مستويات المعيشة واتساع الضغوط الاقتصادية.
ليبيا و الجزائر.. أسباب مختلفة للأزمة نفسها
و لم تقتصر اضطرابات الكهرباء على تونس، إذ شهدت ليبيا والجزائر انقطاعات واسعة خلال الأيام الماضية، وإن اختلفت الأسباب المباشرة للأزمة.
ففي ليبيا، أدى عطل في أحد خطوط نقل الكهرباء إلى انقطاع واسع للتيار شمل معظم أنحاء البلاد خلال عطلة نهاية الأسبوع، قبل أن تتوقف محطات الكهرباء وإمدادات المياه في عدد من المناطق. وتبرز هذه الأزمة مفارقة لافتة، إذ تمتلك ليبيا أحد أكبر احتياطيات النفط في أفريقيا، لكنها تعاني محدودية طاقتها التكريرية، ما يضطرها إلى استيراد جزء من الوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء، في ظل استمرار آثار سنوات الصراع والانقسام السياسي على قطاع الطاقة.
أما في الجزائر، فتسبب عطل في إحدى محطات إنتاج الكهرباء بانقطاع التيار في مناطق عدة، امتد أثره إلى أجزاء من تونس التي تعتمد جزئيا على واردات الكهرباء والغاز من جارتها الغربية، وهو ما أظهر، بحسب بلومبيرغ، مدى الترابط بين شبكات الطاقة في شمال أفريقيا.
أزمة تتجاوز الطقس
و تعكس هذه التطورات تحديا مشتركا يتمثل في اتساع الفجوة بين نمو الطلب على الكهرباء وقدرة البنية التحتية على مواكبته. فمع تكرار موجات الحر وارتفاع استخدام أجهزة التكييف، تسجل الشبكات أحمالا قياسية، بينما تعاني كثير من محطات الإنتاج وشبكات النقل من التقادم وضعف أعمال الصيانة و تأخر الاستثمارات.
و لا تقتصر المشكلة على القدرات الفنية، بل تمتد إلى الأوضاع المالية، إذ تواجه شركات الكهرباء الحكومية ضغوطا متزايدة نتيجة ارتفاع كلفة الوقود واستمرار دعم أسعار الكهرباء وتراجع قدرة الحكومات على تمويل مشروعات التوسعة والتحديث، ما يجعل الشبكات أكثر عرضة للاضطرابات مع كل موجة حر جديدة.
و تأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه اقتصادات المنطقة ضغوطا إضافية نتيجة اضطرابات أسواق الطاقة العالمية. فقد أسهمت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران في رفع أسعار النفط والوقود، وهو ما زاد تكاليف إنتاج الكهرباء، خاصة في الدول المستوردة للطاقة أو التي تعتمد على استيراد مشتقات نفطية لتشغيل محطاتها.
اختبار لمستقبل الطاقة
و ترى بلومبيرغ أن أزمات الكهرباء المتكررة لم تعد أحداثا موسمية مرتبطة بالصيف، بل أصبحت مؤشرا على الحاجة إلى استثمارات واسعة في شبكات النقل والتوزيع، وتنويع مصادر إنتاج الكهرباء، وتعزيز الربط الكهربائي الإقليمي بما يتيح تبادل الإمدادات خلال فترات الذروة و الطوارئ.
كما يفرض الانتقال العالمي نحو اقتصاد منخفض الانبعاثات تحديا إضافيا أمام دول شمال أفريقيا، التي تحتاج إلى توسيع مساهمة الطاقة المتجددة في مزيج الكهرباء، ليس فقط لتحقيق أهدافها المناخية، وإنما أيضا لتقليل الاعتماد على الوقود التقليدي و تعزيز أمن الطاقة.
و تخلص الوكالة إلى أن أزمة هذا الصيف أظهرت أن امتلاك الموارد الطبيعية وحده لا يكفي لضمان استقرار إمدادات الكهرباء. فليبيا، رغم ثروتها النفطية، تعرضت لانقطاع واسع بسبب هشاشة بنيتها التحتية، بينما كشفت أزمة تونس القيود التي تفرضها الأوضاع الاقتصادية على الاستثمار في قطاع الطاقة، وأظهرت الجزائر كيف يمكن لعطل فني محدود أن يمتد أثره إلى ما وراء الحدود.
و بذلك، تبدو موجات الحر الأخيرة أكثر من مجرد اختبار لقدرة شبكات الكهرباء على تحمل الطلب المرتفع، إذ تكشف عن تحديات هيكلية تواجه قطاع الطاقة في شمال أفريقيا، حيث تتقاطع آثار تغير المناخ مع ضعف الاستثمار والضغوط المالية والاعتماد على بنية تحتية تحتاج إلى تحديث، في وقت يتوقع فيه أن تصبح موجات الحر أكثر تكرارا وشدة خلال السنوات المقبلة.
هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجل لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية