آخر الأخبار

باريس وبروكسل والبحر الأسود: ضغوط ثلاثية على موسكو

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

في غضون ثلاثة أيام، صعّدت أوكرانيا وحلفاؤها الأوروبيون ضغوطهم على موسكو عبر ثلاث جبهات مختلفة.

ففي باريس، أطلقت عشر دول ائتلافًا يهدف إلى تطوير قدرة دفاعية أوروبية للتصدي للصواريخ الباليستية. وفي بروكسل، فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على 15 مسؤولًا روسيًا ومركز احتجاز، على خلفية أعمال تعذيب طالت أسرى أوكرانيين. أما في البحر الأسود، فأعلنت كييف أنها استهدفت 20 سفينة تشارك، وفق الجيش الأوكراني، في دعم الخدمات اللوجستية واقتصاد الحرب الروسي.

ولا تندرج هذه المبادرات ضمن عملية واحدة منسقة بصورة كاملة. لكنها، عند جمعها، ترسم تحولًا واضحًا: فالداعمون لكييف لم يعودوا يكتفون بتزويد أوكرانيا بالأسلحة، بل باتوا يسعون أيضًا إلى بناء قدرات أوروبية مستدامة، وتحديد المسؤوليات الفردية عن الجرائم المرتكبة بحق المحتجزين، وتعطيل المسارات التي تمكّن روسيا من تمويل حربها وإمدادها بالموارد.

في باريس، عشر دول تطلق دفاعًا مشتركًا مضادًا للصواريخ الباليستية

في 13 جويلية 2026، وعلى هامش قمة «ائتلاف الراغبين» المنعقدة في باريس، أعلن قادة تسع دول أوروبية وأوكرانيا إنشاء «الائتلاف المتكامل لمواجهة الصواريخ الباليستية».

وتضم قائمة الأعضاء المؤسسين الدنمارك وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا والنرويج وإسبانيا والسويد والمملكة المتحدة وأوكرانيا. أما القمة الأوسع المخصصة لدعم كييف وبحث الضمانات الأمنية المستقبلية، فقد جمعت نحو 25 قائدًا حول الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.

ويصف البيان المشترك هذا الائتلاف بأنه مبادرة «دفاعية بحتة». ويتمثل هدفه في إنشاء منظومة متكاملة قادرة على رصد الصواريخ الباليستية التي تهدد أوكرانيا والقارة الأوروبية عمومًا، وتعقبها واعتراضها.

ويرغب المشاركون في تحديد متطلبات عملياتية مشتركة، وتشكيل مجموعات عمل تقنية، ووضع خارطة طريق تؤدي إلى امتلاك قدرات عملياتية أولية. ومن المنتظر أن تكمّل المنظومة المستقبلية الأنظمة التي تستخدمها الدول الأعضاء أو تعاقدت على شرائها، من دون أن تهدف إلى استبدالها.

فريا، استجابة أوكرانية لارتفاع تكلفة باتريوت

تحتل مبادرة «فريا» موقعًا محوريًا في المشروع، وهي مبادرة أوكرانية تتمحور حول الصاروخ الاعتراضي «FP-7.X» الذي طورته شركة «فاير بوينت». ويُقدَّم هذا النظام باعتباره حلًا أقل تكلفة وأسهل في الإنتاج بكميات كبيرة من منظومة «باتريوت» الأميركية، إلا أن «فريا» لا تقتصر على صاروخ اعتراضي فقط.

فالمنظومة المتكاملة المضادة للصواريخ الباليستية تحتاج أيضًا إلى رادارات ومنصات إطلاق ووسائل قيادة وتحكم وروابط لنقل البيانات، فضلًا عن معدات قادرة على رصد هدف يتحرك بسرعة فائقة ثم تعقبه. وتسعى أوكرانيا، لذلك، إلى الجمع بين خبرتها العملياتية وصاروخها الاعتراضي من جهة، والقدرات التكنولوجية والصناعية لشركائها الأوروبيين من جهة أخرى.

وقد أطلقت شركة «فاير بوينت» تعاونًا مع مجموعة «هينسولدت» الألمانية في مجال الرادارات، كما أجرت مباحثات مع شركات «تاليس» و«ليوناردو» و«كونغسبيرغ» بشأن مكونات مختلفة للرصد والتعقب والقيادة. وشاركت نحو 12 شركة، من بينها «يوروسام» و«ليوناردو» و«تاليس» و«ساب» و«فاير بوينت»، في مباحثات باريس.

وتستهدف الشركة الأوكرانية خفض تكلفة عملية الاعتراض الواحدة إلى نحو 700 ألف دولار، مقابل قرابة 3.8 ملايين دولار لصاروخ «باتريوت PAC-3»، وفق تقديرات أوردها موقع «ديفنس نيوز». غير أن هذا الرقم يظل هدفًا صناعيًا، ولا يمثل سعرًا مثبتًا لمنظومة دخلت بالفعل مرحلة التشغيل.

ويرى فولوديمير زيلينسكي أن مشروع «فريا» يمكن أن يتيح قدرة عملياتية أولى خلال نحو 12 شهرًا. لكن هذا الموعد لا يزال طموحًا؛ فالصاروخ الاعتراضي خضع لاختبارات طيران، إلا أن المنظومة لم تثبت بعد قدرتها على تدمير هدف باليستي حقيقي والعمل بصورة متكاملة مع الرادارات ووسائل القيادة والتحكم.

وإلى جانب حماية أوكرانيا، يستجيب المشروع لنقطة ضعف أوروبية بات من الصعب تجاهلها، وهي الاعتماد على الصواريخ الاعتراضية الأميركية التي تُنتج بكميات محدودة، وأصبحت ضرورية في مواجهة الاستخدام الروسي المتزايد للصواريخ الباليستية.

وقد أدانت موسكو مجمل نتائج قمة باريس. ووصف المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف «ائتلاف الراغبين» بأنه «ائتلاف دعاة حرب»، متهمًا أعضاءه بالسعي إلى مواصلة الصراع بدل البحث عن السلام.

في بروكسل، الاتحاد الأوروبي يعاقب المسؤولين عن التعذيب

في اليوم ذاته، 13 جويلية، فرض مجلس الاتحاد الأوروبي إجراءات تقييدية على 15 مواطنًا روسيًا وكيان واحد، معتبرًا إياهم مسؤولين عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان استهدفت أسرى حرب ومحتجزين مدنيين أوكرانيين.

وفرضت العقوبات على ثمانية أشخاص وكيان واحد في إطار نظام الاتحاد الأوروبي العالمي للعقوبات المرتبطة بحقوق الإنسان. كما أُدرج سبعة مسؤولين آخرين ضمن نظام منفصل يستهدف الانتهاكات المرتكبة داخل روسيا.

والكيان المشمول بالعقوبات هو مركز الاحتجاز المؤقت «سيزو-2» في مدينة تاغانروغ، بمنطقة روستوف الروسية. ووفقًا لمجلس الاتحاد الأوروبي، تعرض أسرى حرب ومدنيون أوكرانيون ونساء وصحفيون داخله لأعمال تعذيب ممنهجة أدت، في بعض الحالات، إلى الوفاة.

ويُعتقد أن الصحفية الأوكرانية فيكتوريا روشتشينا توفيت داخل هذا المركز بعد نحو عام من الاحتجاز. ووفق المعلومات التي اعتمدها الاتحاد الأوروبي، ظهرت على جثمانها آثار عديدة للتعذيب.

ومن بين الأشخاص المشمولين بالعقوبات دميتري نيلوف، النائب الأول لمدير سجن أولينيفكا، الواقع في الجزء المحتل من منطقة دونيتسك. ويعتبره مجلس الاتحاد الأوروبي مسؤولًا بصورة مباشرة عن سوء معاملة الأسرى الأوكرانيين ووفاة عدد منهم عقب الانفجار الذي وقع داخل المنشأة يومي 28 و29 جويلية 2022، ولا سيما بسبب تعمده تأخير إجلاء المصابين بجروح خطيرة.

أما ضابط جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، يان زانيفسكي، فيُتهم بالمشاركة في عمليات احتجاز غير قانونية وأعمال تعذيب بحق مدنيين في الأراضي المحتلة من مناطق خيرسون وميكولايف وزابوريجيا. وشملت الانتهاكات الموثقة الضرب والخنق والعنف الجنسي.

كما فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على ألكسندر غنوتوف، مدير المستعمرة العقابية رقم 10 في أودارني، وخمسة من نوابه، إضافة إلى غالينا موكشانوفا، المسؤولة عن الوحدة الطبية. وقد أفاد محتجزون سابقون بتعرضهم للضرب والصعق الكهربائي والإعدام الوهمي والعنف الجنسي والحرمان من العلاج.

ويخضع الأشخاص المدرجون على قوائم العقوبات الأوروبية لتجميد أصولهم، كما يُمنعون من دخول أراضي الاتحاد الأوروبي أو العبور عبرها. ويُحظر كذلك على المواطنين والشركات الأوروبية توفير الأموال لهم.

ولا تحل هذه العقوبات محل الإجراءات القضائية. لكنها تمنح أسماء وصفات وظيفية وتحدد مسؤوليات مفترضة للأشخاص الذين يديرون منظومة الاحتجاز الروسية أو يساهمون في تشغيلها. ويطالب الاتحاد الأوروبي، بالتوازي، بمنح اللجنة الدولية للصليب الأحمر وغيرها من المراقبين المستقلين وصولًا غير مقيد إلى جميع المحتجزين الأوكرانيين.

في البحر الأسود، كييف توسع حملتها ضد السفن الروسية

يأخذ الضغط الثالث على موسكو طابعًا عسكريًا وبحريًا. ففي ليلة 14 إلى 15 جويلية، أعلنت قوات الأنظمة غير المأهولة الأوكرانية أنها استهدفت 20 سفينة روسية في البحر الأسود، بينها 17 ناقلة نفط، وسفينتان لنقل الغاز الطبيعي المسال أو الغاز، وقاطرة بحرية واحدة.

وجاء الإعلان على لسان روبرت «ماديار» بروفدي، قائد قوات الطائرات المسيّرة الأوكرانية، في إطار الحملة التي تحمل اسم «MoLoChKa». وكانت هذه الحملة قد استهدفت، حتى ذلك الحين، حركة الملاحة الروسية في بحر آزوف بصورة رئيسية.

ووفق القائد الأوكراني، سبق استهداف 116 سفينة في بحر آزوف بين 6 و14 جويلية. ويقول الجيش الأوكراني إنه يستهدف السفن المشاركة في نقل البضائع وتشغيل الموانئ أو تقديم الدعم اللوجستي للقوات الروسية في الأراضي المحتلة.

غير أنه ينبغي التعامل مع هذه الحصيلة باعتبارها ادعاءات عسكرية. إذ لم تتمكن صحيفة «كييف إندبندنت» من التحقق منها بصورة مستقلة، كما لم يعلق الجيش الروسي على الهجوم الذي استهدف 20 سفينة، ولم تُنشر قائمة مفصلة بالسفن المعنية أو تقديرات دقيقة لحجم الأضرار. وتُظهر الصور التي نشرها روبرت بروفدي وقوع ضربات، لكنها لا تكفي لتأكيد كامل الحصيلة المعلنة.

ومع ذلك، أكدت مصادر في قطاع الملاحة تحدثت إلى وكالة «رويترز» أن عدة سفن تعرضت للإصابة واندلعت فيها حرائق في بحر آزوف. وظلت حركة الملاحة في المنطقة خاضعة لقيود مشددة، ما دفع روسيا إلى التفكير في تحويل جزء من صادراتها عبر موانئ البحر الأسود أو بحر البلطيق. ويؤمّن هذا المسار البحري عادة نحو ربع صادرات الحبوب الروسية.

وبذلك، لا تستهدف الحملة الأوكرانية صادرات النفط أو «أسطول الظل» المستخدم للالتفاف على العقوبات الغربية فقط. فقد تكون سفن شحن حبوب قد تعرضت للاستهداف أيضًا، وفق المعلومات التي حصلت عليها «رويترز»، وهو ما يثير تساؤلات بشأن الوضع الدقيق لبعض السفن المستهدفة.

وتؤكد كييف أنها لا تضرب سوى أهداف عسكرية أو بنى تحتية تساهم في تعزيز القدرة القتالية الروسية. غير أن التوصيف القانوني يجب أن يُدرس لكل سفينة على حدة؛ فمجرد نقل شحنة تجارية روسية لا يحول السفينة المدنية تلقائيًا إلى هدف عسكري. بل ينبغي إثبات مساهمتها الفعلية في العمل العسكري، وتحديد المكسب العسكري المتوقع من تحييدها.

من جانبها، تتهم موسكو أوكرانيا باستهداف الملاحة المدنية. ووصف وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف هذه الضربات بأنها «إرهاب»، معتبرًا أنها «تتجاوز أعمال القرصنة». وفي الوقت نفسه، كثفت روسيا هجماتها على الموانئ الأوكرانية في أوديسا وتشورنومورسك، متهمة إياها باستقبال شحنات عسكرية. كما تضررت منشآت مدنية وسفن تجارية خلال هذه الضربات الروسية.

ضغوط تستهدف أدوات الحرب الروسية

لا يخضع الائتلاف المضاد للصواريخ الباليستية، والعقوبات المفروضة على المسؤولين عن سوء المعاملة، والضربات البحرية لمركز قرار واحد. لكنها تستجيب لمنطق متقارب يتمثل في تقليص قدرة روسيا على إطالة أمد الحرب من دون تحمل تكلفة أكبر.

ويهدف مشروع «فريا» إلى إضعاف إحدى أبرز أدوات الضغط التي تستخدمها موسكو، والمتمثلة في قدرتها على ضرب المدن الأوكرانية ومنشآت الطاقة والمراكز الصناعية بصواريخ يصعب اعتراضها.

أما العقوبات الأوروبية، فتسعى إلى توجيه رسالة للمسؤولين الروس مفادها أن أعمال التعذيب وسوء المعاملة لن تظل مجهولة، حتى عندما يرتكبها المسؤولون خلف جدران سجن أو مركز احتجاز.

وتسعى العمليات في بحر آزوف والبحر الأسود، أخيرًا، إلى تعطيل طرق إمداد الأراضي المحتلة والمسارات التي تتيح للاقتصاد الروسي مواصلة تحقيق الإيرادات رغم العقوبات.

ومع ذلك، قد يكون المشروع الذي أُطلق في باريس هو الأكثر تأثيرًا على المدى البعيد. فمن خلال الجمع بين الخبرة القتالية الأوكرانية والقدرات الصناعية الأوروبية، يبدأ الائتلاف في بناء دفاع أقل اعتمادًا على الولايات المتحدة.

ولا يزال على «فريا» إثبات فعاليته وتكلفته الحقيقية وقدرته على الإنتاج بكميات كبيرة. غير أن التحول السياسي بات واضحًا بالفعل: فأوروبا لم تعد تريد الاكتفاء بشراء الحماية، بل بدأت تسعى إلى تصنيعها بنفسها.

احصل على النشرة الإخبارية اليومية لـ تونسي رقمية مجانًا

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

لقد اشتركت بنجاح في نشرتنا الإخبارية.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة: أوكرانيا , بروكسيل
لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا