آخر الأخبار

النموذج القطري: التخطيط أولًا، ثم الاستثمار، ثم التأثير… درسٌ من دولة صغيرة إلى العالم العربي

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لم تكن هناك خطابات حماسية، ولا مظاهرات، ولا بيانات انتقامية. بل كان قرارًا واحدًا، اتُّخذ بهدوء داخل قاعة مجلس الإشراف في مدينة فولفسبورغ الألمانية، كافيًا لإحداث الأثر.

فمن خلال اعتراض جهاز قطر للاستثمار على مشروع لمجموعة فولكسفاغن يقضي بتصنيع مكونات منظومة «القبة الحديدية» الإسرائيلية داخل الأراضي الألمانية، قدّمت الدوحة درسًا يتجاوز بكثير حدود صناعة السيارات أو قطاع الدفاع.

لقد أثبتت أن الدولة، مهما صغر حجمها، تستطيع أن تمارس نفوذًا حقيقيًا عندما تنجح، بمنهجية، في تحويل ثروتها إلى قوة.

الوقائع: حق النقض جاء من رأس المال

بحسب ما كشفته وكالة «رويترز» في منتصف يونيو، ثم أكدته ووسّعته صحيفة بيلد الألمانية، عارض جهاز قطر للاستثمار (QIA)، ثالث أكبر مساهم في مجموعة فولكسفاغن، خطة تحويل مصنع أوسنابروك المتعثر إلى موقع لإنتاج مكونات منظومة الدفاع الصاروخي الإسرائيلية، في إطار اتفاق مع مجموعة «رافائيل» الحكومية.

وكانت رسالة نوايا قد وُقّعت بالفعل في أواخر أبريل/نيسان 2026، كما حظي المشروع بدعم الحكومة الألمانية.

ولم تستند قوة قطر في هذا الملف إلى التهديد أو التصعيد، بل إلى ملكيتها للأسهم. فجهاز قطر للاستثمار يمتلك 17% من حقوق التصويت في أكبر شركة أوروبية لصناعة السيارات، إضافة إلى مقعدين داخل مجلس الإشراف. وهذه المكانة، التي بُنيت بصبر وعلى مدى سنوات، منحت الدوحة كلمةً مسموعة في قرار استراتيجي، إلى حد تعطيل مشروع تدعمه برلين، من دون الحاجة إلى رفع سقف الخطاب.

وترى الدوحة، التي لا تقيم علاقات دبلوماسية رسمية مع إسرائيل، والتي رسّخت مكانتها وسيطًا في ملف غزة، أنها لا تستطيع السماح بأن تُستخدم استثماراتها في دعم تسليح طرفٍ في نزاع تعترض عليه.

الدرس الحقيقي: رأس المال بوصفه رافعة للسيادة

هنا تكمن الرسالة الأساسية، وهي حقيقة باتت تتكرر من بكين إلى دول الخليج: ففي عالم يتجه نحو مزيد من الانقسام، يصبح الطرف الذي أحسن الادخار والاستثمار وجعل نفسه شريكًا لا غنى عنه، قادرًا على التأثير في مجريات الأحداث من دون إطلاق رصاصة واحدة.

لم تنزل قطر إلى الشوارع، بل اتخذت قرارها داخل مجلس إدارة. إنها صورة من صور القوة الهادئة، لكنها شديدة الفاعلية، وهي قوة لم تكن لتتحقق لولا أن الدولة اختارت، قبل عقود، نهج التخطيط بعيد المدى.

وكثيرًا ما يقتصر الدفاع عن القضايا في العالمين العربي والإسلامي على الخطابات والبيانات والإدانات ومظاهر الغضب.

لكن قطر تذكّر بحقيقة استراتيجية واضحة: فالمبادئ لا تكتسب وزنًا إلا عندما تتوافر الوسائل الكفيلة بحمايتها. فلا يمكن الدفاع عن قضية بفاعلية من موقع التبعية، وإنما من موقع القوة، وهذه القوة تُبنى اليوم، قبل كل شيء، على أساس الاقتصاد.

نموذج من ثلاث مراحل: التخطيط، فالاستثمار، فالدفاع

يمكن قراءة التجربة القطرية باعتبارها منهجًا يقوم على ثلاث مراحل متكاملة.

أولًا: التخطيط. أدركت قطر مبكرًا أن الغاز ثروة ناضبة، فاختارت تحويل عائداته إلى رأسمال دائم عبر إنشاء واحد من أقوى الصناديق السيادية في العالم. ولم تكتفِ بذلك، بل عززت هذه الاستراتيجية المالية بدبلوماسية نفوذ شملت الوساطة في أبرز النزاعات الإقليمية، والاستثمار المكثف في التعليم والبحث العلمي، وتعزيز الحضور الثقافي والرياضي، الذي بلغت ذروته باستضافة كأس العالم 2022. إنها رؤية بعيدة المدى، في وقت اكتفت فيه دول كثيرة بإدارة مواردها وفق منطق الإنفاق اليومي.

ثانيًا: الاستثمار. فبدل ترك فوائضها المالية مجمدة، ضختها قطر في قلب الاقتصادات الغربية، في قطاعات السيارات والتمويل والخدمات اللوجستية والعقارات الاستراتيجية في كبريات العواصم الأوروبية. ولم يكن الهدف مجرد تحقيق الأرباح، بل بناء شبكة نفوذ؛ فامتلاك حصة مؤثرة في شركة صناعية كبرى يمنح صاحبه حق الاطلاع والتأثير في خياراتها.

ثالثًا: الدفاع. وهذه هي النتيجة الطبيعية للمرحلتين السابقتين. فبفضل التخطيط والاستثمار، أصبحت قطر اليوم قادرة على رفض استخدام أموالها في ما تعتبره مخالفًا لقناعاتها. ويبدو هذا الموقف منسجمًا تمامًا مع سياستها التي تربط، منذ عقود، أي تطبيع مع إسرائيل بقيام دولة فلسطينية ذات مصداقية، ومع رأي عام قطري يُظهر تضامنًا واسعًا مع القضية الفلسطينية. فالقناعة في الحالة القطرية ليست مجرد شعار، بل خط أحمر يستند إلى قوة فعلية.

مرآة أمام العالمين العربي والإسلامي

وهنا تكمن الرسالة التي يجدر بالدول العربية والإسلامية أن تتأملها.

فالسيادة على القيم لا تتحقق إلا بسيادة الوسائل. والدولة المعتمدة اقتصاديًا على غيرها تظل ضعيفة سياسيًا؛ تستطيع الاحتجاج، لكنها تعجز عن فرض إرادتها. فكم من دولة في المنطقة تمتلك النفط أو الفوسفات أو الموقع الجغرافي أو الثروة البشرية، لكنها لم تتمكن، كما فعلت قطر، من تحويل هذه المقومات إلى أدوات نفوذ استراتيجية مستدامة؟

وهو الاستنتاج ذاته الذي ينطبق، في سياقات أخرى، على تونس مع ثروتها من الفوسفات التي لم تُستثمر كما ينبغي، أو على اقتصادات ريعية كثيرة بددت مواردها. فالثروة وحدها لا تصنع القوة، وإنما تصنعها الاستراتيجية.

لقد أثبتت قطر أن دولة صغيرة، لا تملك جيشًا ضخمًا ولا مساحة شاسعة، تستطيع التأثير في قرارات صناعية داخل قلب أوروبا، بشرط أن تكون قد خططت، وادخرت، واستثمرت بثبات وعلى مدى طويل.

وليس الدرس هنا: «كونوا أغنياء»، بل: «حوّلوا الثروة إلى نفوذ، والنفوذ إلى قدرة على الدفاع عما تؤمنون به».

وهكذا سيظل الاعتراض القطري على مشروع التعاون بين فولكسفاغن و«رافائيل» مثالًا واضحًا على حقيقة بسيطة لكنها عميقة: ففي عالم اليوم، لا يمكن الدفاع عن قضية بفاعلية إلا إذا امتلكت الوسائل اللازمة لذلك. لقد أدركت قطر، قبل كثيرين، أن السيادة الحقيقية لا تُعلن بالشعارات، بل تُبنى بتراكم رأس المال وتوظيفه. إنه نموذج يمكن لأي دولة أن تستلهمه، إذا امتلكت إرادة التخطيط والانضباط على المدى الطويل.

فالكلمة لا يكون لها وزن إلا إذا استندت إلى وسائل قوة. وهذه الوسائل لا يمنحها أحد، بل تُبنى.

احصل على النشرة الإخبارية اليومية لـ تونسي رقمية مجانًا

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

لقد اشتركت بنجاح في نشرتنا الإخبارية.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة:
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا