آخر الأخبار

تونس تُشرّع لمكافحة الإقصاء المالي

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

كشفت جلسة الاستماع التي عقدتها لجنة المالية والميزانية بمجلس نواب الشعب خلال الأسبوع المنقضي عن أرقام تُجسّد عمق الفجوة القائمة في منظومة الإدماج المالي إذ أكدت ممثلة وزارة المالية أن دراسةً مرجعيةًخلصت إلى أن 40 بالمائة فقط من التونسيين البالغين يقفون خارج دائرة التعاملات المصرفية والبريدية. وبعبارة إحصائية أكثر دلالة، فإن من أصل نحو 7.5 مليون تونسي تتجاوز أعمارهم 18 سنة، لا يُتعامل مع المؤسسات المالية الرسمية سوى نحو 60 بالمائة منهم، وهو ما يعني أن ما يزيد على 3 ملايين مواطن راشد يعيشون خارج المنظومة المالية الرسمية كلياً أو جزئياً .

تُصبح هذه الأرقام أكثر مدعاةً للقلق حين تُقارَن بالمعدلات الإقليمية والدولية، فبينما يبلغ معدل الشمول المالي في دول مثل المغرب ومصر 29 و33 بالمائة لمستعملي وسائل الدفع الرقمي على التوالي، لا تتجاوز تونس عتبة 17 بالمائة. أما معدل الاستعمال المالي عبر الهاتف الجوال البالغ 3 بالمائة فهو أدنى من معدلات أفريقيا جنوب الصحراء الذي يناهز 33 بالمائة وفق بيانات البنك الدولي، مما يجعل الفجوة بين تونس وسائر الاقتصادات الصاعدة عميقة نسبيا .

أسباب هيكلية وراء استمرار الإقصاء

تتقاطع وزارة المالية في قراءتها للأسباب مع ما أجمع عليه الباحثون الاقتصاديون في أدبيات التمويل الشامل العالمية إذ يحدّد تقرير المجموعة الاستشارية لمساعدة الفقراء أربعة محاور رئيسية تُعيق الشمول المالي في اقتصادات الدخل المتوسط.

وقد أشارت ممثلة الوزارة إلى جملة منها وهي عدم ملاءمة الخدمات لحاجيات المواطنين وارتفاع تكلفتها، وهو عائق يُقدّر الباحثون أنه يُحجم ما بين 15 و20 بالمائة من غير المُندمجين ماليًا في الاقتصادات النامية، فضلاً عن نقص المعلومات وضعف منظومة حماية المستهلك ومحدودية الثقافة المالية. وهذا الأخير وثيق الصلة بمؤشر “بيزا” المالي، الذي يتراجع فيه التلاميذ بصورة لافتة. وكلّها معاً عوامل لا تُقوّض النفاذ إلى الخدمات فحسب، بقدر ما تُضعف كذلك قدرة المنظومة الإنتاجية على استقطاب الادخار غير الرسمي المُقدَّر بنحو 15 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي .

استراتيجية وطنية تتأسّس على ستة محاور

استعرضت ممثلة الوزارة الاستراتيجية الوطنية للإدماج المالي للفترة 2018-2022 التي رسمت معالم النهج التشريعي الراهن. وتُغطّي هذه الاستراتيجية ستة محاور كبرى: تطوير التمويل الرقمي والدفع عبر الهاتف الجوال، ودعم التأمين الصغير، وتعزيز تمويل الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، وتطوير التثقيف المالي وحماية المستهلك، ودعم مؤسسات التمويل الصغير، وإرساء منظومة متابعة وتقييم.

وقد كان من شأن تطبيقها الكامل لو توفّرت الموارد اللازمة أن يرفع معدل الشمول المالي بمقدار 15 إلى 20 نقطة مئوية، وهو هدف يتّسق مع ما حقّقته دول مقارِنة كرواندا والفلبين في أُفق زمني مماثل .

يُعدّ مشروع قانون مكافحة الإقصاء المالي المرتقب أبرز المنجزات التشريعية للاستراتيجية المذكورة، ويتمحور حول أربعة ركائز تتمثل في تعزيز النفاذ إلى الخدمات المالية واستعمالها، وتدعيم الرقابة على القطاع المالي، وحماية المستهلك ونشر الثقافة المالية، وترشيد التداول النقدي وتطوير وسائل الدفع الرقمي. ويستدعي هذا البُعد الأخير اهتماماً خاصاً من زاوية الاقتصاد الكلي حيث تُشير تقارير البنك المركزي التونسي إلى أن حجم السيولة الخارجة عن دائرة الجهاز المصرفي يتجاوز في بعض التقديرات 40 بالمائة من إجمالي الكتلة النقدية المتداولة، مما يُقلّص فاعلية الأدوات النقدية التقليدية في ضبط التضخم وتوجيه الاقتراض .

عموما فانه من الخطأ اختزال مشروع القانون في مجرّد إجراء رعائي لصالح الفئات المهمّشة إذ يمسّ الشمول المالي في جوهره الاقتصادَ الكلي برمّته، فرفعُ نسبة الإدماج المالي بعشر نقاط مئوية يرتبطوفق نتائج صندوق النقد الدولي في دراسات مقارنة أجراها على 95 دولةبارتفاع في الناتج المحلي الإجمالي يتراوح بين 0.3 و1.2 نقطة مئوية على المدى المتوسط.

كما أن توسيع قاعدة الودائع البنكية يُوسّع بدوره حجم الاقراض الممنوح للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وهي أكثر من نصف الكيانات الإنتاجية في تونس حسب إحصاءات المعهد الوطني للإحصاء. ويضاف إلى ذلك أن تطوير الدفع الرقمي سيُسهم حتماً في توسيع الوعاء الضريبي، وتقليص الفجوة بين الاقتصادين الرسمي وغير الرسمي، وتحسين فاعلية السياسة النقدية .

يُصادف هذا المسعى التشريعي سياقاً اقتصادياً كلياً دقيقاً فتونس تُواجه ضغوطاً على الاحتياطيات وعجزاً مزمناً في الميزانية، مما يجعل التعبئة الداخلية للموارد، عبر الإدماج المالي، رافعةً استراتيجية لا بديل عنها. ويبقى رهان النجاح مرتبطاً بالتنفيذ الفعلي ذلك ان دعم استقلالية الرقابة، ورفع كفاءة البنية التحتية الرقمية، وتحقيق الوصول الجغرافي في الأرياف والمناطق الداخلية التي تُسجّل كثافة مصرفية أدنى بنحو 60 بالمائة من التجمعات السكانية الكبرى كلّها شروط لا يُمكن الاستغناء عنها لضمان أن يُحوّل القانون المنتظَر الأرقامَ المُعلَنة إلى مكاسب اقتصادية حقيقية وقابلة للقياس .

احصل على النشرة الإخبارية اليومية لـ تونسي رقمية مجانًا

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

لقد اشتركت بنجاح في نشرتنا الإخبارية.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة: تونس , مكافحة الإقصاء المالي
لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا