آخر الأخبار

موجات الحر في أوروبا: هل أصبحت المكيّفات ضرورة صحية لا مجرّد رفاهية؟

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

في وقت يعتمد فيه جزء كبير من العالم على أجهزة التكييف لمواجهة موجات الحر، لا تزال أوروبا تتعامل بحذر مع هذا الخيار، رغم الارتفاع القياسي في درجات الحرارة وتزايد الطلب على حلول التبريد.

لكن الواقع يتغير بسرعة، إذ لم تعد مواجهة الحرارة مسألة راحة فقط، بل أصبحت قضية صحية واجتماعية وبيئية ترسم جزءاً من مستقبل القارة، خاصة في ظل مساكن غير مهيأة بشكل كاف لتحمّل درجات الحرارة المرتفعة.

أوروبا لا تزال أقل اعتماداً على التكييف

في دول مثل الولايات المتحدة وأستراليا واليابان، تُعد أجهزة التكييف جزءاً أساسياً من الحياة اليومية خلال فصل الصيف. أما في أجزاء واسعة من أوروبا، فما زالت الحلول التقليدية أكثر حضوراً، مثل إغلاق الستائر، تشغيل المراوح، وشرب المياه الباردة.

ووفقاً لبيانات وزارة الطاقة الأمريكية، يمتلك نحو 90% من سكان الولايات المتحدة أجهزة تكييف في منازلهم، بينما لا تتجاوز النسبة في أوروبا حوالي 20%، مع اختلافات واضحة بين دول القارة.

ففي إسبانيا، تمتلك نحو نصف الأسر أنظمة تبريد مركزية، في حين لا تتجاوز النسبة في ألمانيا حوالي 6% فقط.

ويرجع ذلك إلى أن التكييف لم يكن، حتى وقت قريب، يُنظر إليه كضرورة في كثير من الدول الأوروبية، وخاصة في شمال القارة حيث كانت درجات الحرارة الصيفية أكثر اعتدالاً.

موجات حر أكثر حدة وتكراراً

رغم أن الطقس الحار كان دائماً جزءاً من فصل الصيف في أوروبا، فإن موجات الحر الشديدة أصبحت أكثر تكراراً وخطورة خلال السنوات الأخيرة.

وتشير تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ التابعة للأمم المتحدة إلى أن وتيرة موجات الحر الشديد تتزايد بسرعة أكبر مما توقعته بعض النماذج المناخية، خصوصاً في أوروبا الغربية.

كما كشف تحليل حديث أجرته «ClimaMeter»، وهي شراكة بحثية أوروبية متخصصة في تحليل الظواهر الجوية المتطرفة، أن درجات الحرارة في جوان 2026 كانت أعلى بنحو درجتين إلى أربع درجات مئوية مقارنة بما كان يمكن تسجيله في ظروف مماثلة خلال أواخر القرن العشرين.

وبحسب الباحث الإيطالي توماسو ألبرتي، فإن هذا الوضع يؤدي إلى ارتفاع واضح في الطلب على الكهرباء المخصصة للتبريد.

الطلب على المكيّفات يرتفع في ألمانيا

شهدت ألمانيا ارتفاعاً في الطلب على أجهزة التكييف ووحدات التبريد بنسبة 75% بين عامي 2019 و2024، وهو العام الذي سُجل فيه أعلى متوسط لدرجات الحرارة.

كما رصدت رابطة «Eurovent»، المختصة بقطاعات التدفئة والتهوية والتبريد، نمواً مستقراً في هذا المجال خلال السنوات الأخيرة.

ورغم ذلك، ما زالت هناك مقاومة أو تحفظ تجاه استعمال المكيّفات في أوروبا. ويقول ستين رينيبوغ، نائب الأمين العام لرابطة «Eurovent»، إن التبريد لا يزال يُنظر إليه غالباً باعتباره رفاهية، رغم أن الحرارة المرتفعة تشكل خطراً حقيقياً على الصحة العامة.

وأشار إلى أن أوروبا تسجل سنوياً عشرات الآلاف من الوفيات المرتبطة بموجات الحر.

منازل غير مهيأة لمواجهة الحرارة

تُعد طبيعة المباني الأوروبية من أبرز العقبات أمام مواجهة موجات الحر. ففي ألمانيا وعدة مناطق من شمال أوروبا، صُممت العديد من المنازل والشقق للحفاظ على الحرارة داخل المباني خلال الشتاء، لا لتوفير البرودة خلال الصيف.

ويشعر كثير من الأوروبيين بأن منازلهم لا توفر لهم الراحة الكافية في فترات الحر الشديد.

وكشفت دراسة حديثة أن نحو نصف المشاركين في استطلاع داخل الاتحاد الأوروبي لجؤوا إلى تحسين وسائل التظليل والعزل لحماية منازلهم من الحرارة، بينما بدأ عدد متزايد منهم يفكر في تركيب أجهزة تكييف.

ويرى هيلجه برينكمان، المدير المشارك في «Boston Consulting Group»، أن مرحلة الانتشار المحدود لأنظمة التكييف في أوروبا تقترب من نهايتها.

التكلفة عائق أمام الأسر

يمثل الجانب المالي عائقاً مهماً أمام انتشار التكييف في أوروبا. فتكلفة التركيب، إلى جانب ارتفاع أسعار الطاقة، تجعل تبريد المنازل أمراً صعباً على العديد من الأسر.

وأفاد 38% من المشاركين في استطلاع شمل دول الاتحاد الأوروبي بأنهم لا يملكون الموارد المالية الكافية للحفاظ على برودة منازلهم خلال فترات الحر.

ويطرح هذا الواقع مسألة اجتماعية مهمة، إذ يُنظر إلى التدفئة في الشتاء باعتبارها حاجة أساسية، بينما لم يحظ التبريد في الصيف بالمكانة نفسها بعد، رغم أن ارتفاع درجات الحرارة بات يشكل خطراً مباشراً على الصحة.

وتبقى الأسر ذات الدخل المحدود الأكثر تضرراً، لأنها الأقل قدرة على تجديد مساكنها أو تركيب أجهزة تكييف أو تحمل فواتير طاقة مرتفعة.

مخاوف بيئية من انتشار التكييف

في المقابل، يطرح التوسع في استعمال المكيّفات تحدياً بيئياً واضحاً. فقد ارتفع حجم الطاقة المستخدمة لتبريد المنازل والمساحات الأخرى في الاتحاد الأوروبي بشكل تدريجي خلال العقد الماضي، خاصة منذ عام 2020.

وتُظهر بيانات «Eurostat» أن الطاقة المستخدمة في التبريد ارتفعت بنسبة 15.3% في عام 2024 مقارنة بالعام السابق، في حين سجلت الطاقة المخصصة للتدفئة تراجعاً طفيفاً.

وعالمياً، تمثل عمليات التبريد نحو 10% من الطلب السنوي على الكهرباء. وعندما تكون هذه الطاقة ناتجة عن الوقود الأحفوري، فإنها تساهم في زيادة الانبعاثات وتفاقم الاحتباس الحراري.

وتشير دراسات متعددة إلى أن الاستخدام الواسع للمكيّفات يمكن أن يرفع درجات الحرارة الخارجية محلياً، ما يخلق حلقة مفرغة: كلما ارتفعت الحرارة زاد استعمال التكييف، وكلما زاد استعماله ارتفعت حرارة المدن.

بدائل أكثر استدامة

يدعو الخبراء إلى اعتماد حلول تبريد أكثر استدامة، لا تقتصر على أجهزة التكييف التقليدية.

وتشمل هذه الحلول تصميم مبانٍ جديدة تسمح بتدفق الهواء بشكل أفضل، واستخدام مواد تقلل من امتصاص الحرارة، إضافة إلى تحسين الحماية من الشمس عبر المصاريع والمظلات والبروزات السقفية.

كما يمكن للمضخات الحرارية أن توفر حلاً مزدوجاً للتدفئة في الشتاء والتبريد في الصيف، مع تقليل الانبعاثات عندما تعتمد على مصادر طاقة نظيفة.

وتساعد المساحات الخضراء والمسطحات المائية أيضاً على تبريد المدن والحد من ظاهرة الجزر الحرارية الحضرية. كما تعتمد بعض المدن الأوروبية، مثل باريس وستوكهولم وكوبنهاغن، على أنظمة تبريد مركزية تستخدم المياه المبردة وشبكات أنابيب تحت الأرض لتبريد عدة مبانٍ في وقت واحد.

الذكاء الاصطناعي لتحسين كفاءة التبريد

يمكن للتقنيات الذكية، بما في ذلك أجهزة الاستشعار والذكاء الاصطناعي، أن ترفع كفاءة أنظمة التكييف الجديدة بنسبة قد تصل إلى 40%.

ومن شأن هذه التقنيات أن تساعد على خفض درجات الحرارة داخل المنازل، وتقليل استهلاك الطاقة، والحد من الانبعاثات في الوقت نفسه.

قضية صحية واجتماعية لمستقبل أوروبا

تدفع موجات الحر المتكررة أوروبا إلى إعادة النظر في علاقتها بالتكييف والتبريد. فما كان يُعتبر سابقاً رفاهية بات يتحول تدريجياً إلى ضرورة صحية، خاصة بالنسبة للأطفال وكبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة.

ويتمثل التحدي الأكبر أمام القارة في إيجاد حلول تبريد فعالة لا تزيد من تفاقم الأزمة المناخية. وبين تحديث المباني، وضمان العدالة الاجتماعية، وتطوير التقنيات الذكية، يبدو أن طريقة تعامل أوروبا مع الحرارة ستصبح أحد الملفات الكبرى في السنوات المقبلة.

احصل على النشرة الإخبارية اليومية لـ تونسي رقمية مجانًا

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

لقد اشتركت بنجاح في نشرتنا الإخبارية.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا