هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجل
يشهد المشهد الاقتصادي التونسي تحولاً سريعا وعميق الأثر، إذ يشق الذكاء الاصطناعي طريقه بخطى ثابتة نحو تطوير غير مسبوق لمنظومة الأعمال، حاملاً معه قدراً كبيرا من الفرص الهيكلية، ومثيراً في الآن ذاته جملةً من التحفظات المشروعة التي تعكس واقع بيئة اقتصادية في طور الانتقال الرقمي.
وقد جاءت دراسة حديثة بعنوان “تصوّر استخدام الذكاء الاصطناعي لدى المدراء التونسيين : الدوافع، المعوقات، والفوائد المتوقعة” لترسم بدقة ملامح هذا المشهد المركّب، وتكشف عن المعادلة الدقيقة التي يسعى المسؤولون التونسيون إلى إيجادها بين الطموح التكنولوجي وضرورات التكيف المؤسسي .
تباين في القدرات
يُسجّل الإقبال على الذكاء الاصطناعي في الوسط المؤسساتي التونسي أرقاماً لافتة تكشف عن تحوّل حقيقي في العقلية الإدارية إذ يُفيد 90 بالمائة من المدراء المستجوَبين برغبتهم الصريحة في دمج هذه التقنية ضمن منظومة عمل شركاتهم. وقد شملت الدراسة 70 مديراً يمثلون أربعة قطاعات رئيسية : الخدمات (25 شركة)، وتقنية المعلومات (19 شركة)، والصناعة (12 شركة)، والمالية (10 شركات)، مما يُوفر عيّنة تمثيلية لتنوّع النسيج الاقتصادي الوطني .
غير أن هذا الحماس لا يتوزع بالتساوي على مختلف فئات المؤسسات حيث تمتلك الشركات الكبيرة الكفاءات الداخلية والقدرة التمويلية اللازمتين للمضي قدماً في مسار التحول الرقمي بثقة أكبر، في حين تتعامل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة مع هذا الملف بحذر مردّه القيود المالية والبشرية. وتُجسّد هذه الفجوة الواقع البنيوي لاقتصاد تونسي تبلغ فيه نسبة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة نحو 97 بالمئة من إجمالي النسيج الاقتصادي، مما يجعل معالجة هذه الفجوة شرطاً أساسياً لأي تحوّل رقمي شامل .
في ذات السياق، يُشكّل تحسين الربحية المحرّك الأول في سلّم أولويات المدراء، يليه تعزيز القدرة التنافسية في أسواق تزداد ضراوة، ثم الحدّ من الأخطاء البشرية عبر آليات الأتمتة. وتكشف هذه الأولويات عن رؤية براغماتية تتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه أداةً لتحسين الأداء لا ثورةً تكنولوجية مجرّدة .
وتتوزع الفوائد المنتظرة على ثلاثة محاور: أتمتة المهام ذات القيمة المنخفضة التي تستنزف الموارد البشرية (31 بالمائة)، وتحسين الكفاءة التشغيلية الشاملة ورفع جودة تجربة الحرفاء بنسبة 26 بالمائة لكل منهما، فضلاً عن دعم اتخاذ القرار الاستراتيجي المستند إلى تحليل البيانات في الوقت الفعلي. وفي سياق أوسع، تُشير تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن الذكاء الاصطناعي قادر على رفع إنتاجية الاقتصادات الناشئة بما يتراوح بين 1.2 و2.6 نقطة مئوية سنوياً، مما يُضفي بُعداً استراتيجياً لا يمكن إغفاله على الرهانات التونسية في هذا الملف .
أربعة محاور تُحدّد التطبيق الفوري
يتجنب المدراء التونسيون الخطاب التحويلي الكبير، ويميلون بدلاً من ذلك نحو التطبيقات ذات الجدوى الملموسة والعائد السريع، وتتصدر هذا التوجه أربعة مجالات رئيسية .
يحتل تحسين علاقات الحرفاء والموردين المرتبة الأولى، من خلال أدوات الذكاء التحادثي كالدردشة الآلية القادرة على تقليص أوقات الاستجابة بنسبة تصل إلى 80 بالمائة وفق دراسات متعددة. ويأتي ثانياً توظيف الذكاء الاصطناعي في المحاسبة والمالية، حيث تُسهم الأتمتة في تسريع دورات الإغلاق المالي وتقليص معدلات الخطأ بما يتجاوز 60 بالمائة. وتشمل الأولويات كذلك تحسين إدارة المنتجات والمخزون عبر نماذج التنبؤ بالطلب، إضافةً إلى مركزة أنظمة المعلومات الداخلية وتعزيز أمانها .
ولا يُخفي التقرير الجانب الآخر من المعادلة إذ تُقابل هذه الآفاق جملةٌ من العوائق الموضوعية حيث يتصدر المشهد قلقٌ متصاعد حول أمن البيانات، ولا سيما في القطاعين المالي والصحي بما ان الامتثال التنظيمي يُشكّل متطلباً غير قابل للتفاوض ويُضاف إلى ذلك التوجس المتعلق بالتوظيف، في سياق يُقدّر فيه تقرير منظمة العمل الدولية أن ما بين 14 و23 بالمائة من الوظائف في اقتصادات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا معرّضة لتأثيرات الأتمتة على المدى المتوسط. كما تُمثّل التكلفة الأولية لاقتناء الحلول التقنية وتطبيقها عائقاً فعلياً أمام المؤسسات الصغيرة التي تُشكّل الغالبية العظمى من النسيج الاقتصادي التونسي .
تخلص الدراسة إلى أن النموذج الأمثل للتحول الرقمي في السياق التونسي لا يمكن أن يكون نموذجاً قسرياً أو متسرعاً. وتُوصي بثلاثة محاور استراتيجية متكاملة تهم التدريب المستمر للكوادر البشرية على التقنيات الجديدة بهدف تنمية المهارات وتبديد المخاوف، والتوعية العملية عبر عروض توضيحية تُجسّد الاستخدامات الفعلية للذكاء الاصطناعي وحدوده، وانتهاج مقاربة تدريجية تبدأ بمشاريع تجريبية محدودة التكلفة تُتيح التعلم والتكيف قبل التعميم .
كما يُلخص هذا التقرير بدقة جوهر المعادلة التونسية والت تقوم غلى وجود مدراء مقتنعون بجدوى الذكاء الاصطناعي، لكنهم يطالبون بما هو أعمق من التقنية وحدها، وهو الثقة في المنهجية والوضوح في المردود والإحساس بالمرافقة الحقيقية في كل منعطف. وقد يكون هذا الحذر الاستراتيجي، بدلاً من أن يكون عائقاً، أحكمَ الطرق للوصول إلى اقتصاد رقمي راسخ ومستدام .
هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجل لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية