هل أعجبك محتوانا؟
أضفه كمصدر مفضل على جوجل
تتحول منطقة البحر الأبيض المتوسط تدريجيا إلى واحدة من أكثر الفضاءات الجيواقتصادية أهمية في العالم، باعتبارها ممرا استراتيجيا للتجارة والطاقة من جهة، وبوصفها أحد أكبر الأحواض العالمية المؤهلة لإنتاج الكهرباء النظيفة والهيدروجين الأخضر، من جهة اخرى. وفي قلب هذا التحول، تعمل تونس على إعادة تموقعها كشريك محوري بين أوروبا وإفريقيا، مستفيدة من موقعها الجغرافي ومواردها الطبيعية وشبكة علاقاتها مع مختلف الشركاء الإقليميين والدوليين .
وتكتسب مشاركة كاتب الدولة المكلف بالانتقال الطاقي، وائل شوشان، في الندوة رفيعة المستوى التي احتضنتها روما هذا الاسبوع حول الربط الطاقي والطاقات المتجددة، أهمية تتجاوز بعدها الدبلوماسي، إذ تعكس رؤية تونس لاعتبار الطاقة مدخلا لتعزيز الشراكة الاقتصادية المتوسطية، ودعامة لتحقيق الأمن الطاقي والتنمية الصناعية والاستثمارية في آن واحد .
وتأتي هذه الرؤية في ظرف دولي يتسم بإعادة تشكيل خرائط الطاقة العالمية، بعدما دفعت الأزمات الجيوسياسية وتقلبات أسواق الغاز والنفط الاتحاد الأوروبي إلى البحث عن نموذج جديد يقوم على تنويع مصادر التزود، وتعزيز الربط الكهربائي، وتسريع الاستثمار في الطاقات المتجددة .
الأمن الطاقي والواقع الاقتصادي الجديد
لم يعد الأمن الطاقي مفهوما يقتصر على ضمان توفر المحروقات، بقدر ما أصبح مرتبطا بقدرة الدول على تنويع مصادر إنتاج الكهرباء، وتأمين استقرار الشبكات، والحد من التعرض لتقلبات الأسواق العالمية .
وتكشف المؤشرات أن الاتحاد الأوروبي ما يزال يستورد أكثر من نصف احتياجاته من الطاقة، في حين تعتمد أغلب دول جنوب المتوسط بدرجات متفاوتة على الوقود الأحفوري، سواء في إنتاج الكهرباء أو في الاستهلاك الصناعي، وهو ما يجعلها أكثر عرضة للصدمات الخارجية وتقلبات الأسعار .
وفي المقابل، تمتلك الضفة الجنوبية للمتوسط فرصة استثنائية لتغيير هذه المعادلة. وتشير أحدث تقديرات الوكالة الدولية للطاقة المتجددة إلى أن الجزائر وتونس والمغرب وليبيا ومصر تمتلك مجتمعة إمكانات تقنية لإنتاج ما يقارب 2300 جيغاواط من الطاقة المتجددة، منها نحو 1500 جيغاواط من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وهو ما يعادل أكثر من ضعفي القدرة الكهربائية المركبة الحالية للاتحاد الأوروبي. كما لا يستغل حاليا سوى أقل من 1 بالمائة من هذه الإمكانات الهائلة، مما يعكس حجم الفرص الاستثمارية غير المستغلة .
هذا وتمتلك دول جنوب البحر الأبيض المتوسط أفضل الظروف الطبيعية عالميا لإنتاج الكهرباء منخفضة الكلفة، حيث تتجاوز ساعات سطوع الشمس في العديد من المناطق الصحراوية 3000 ساعة سنويا، بينما تتراوح معدلات الإشعاع الشمسي بين 2200 و3000 كيلوواط ساعة لكل متر مربع سنويا، وهي مستويات تفوق بكثير نظيراتها في معظم الدول الأوروبية .
وتبين الدراسات الدولية أن تكلفة إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح في جنوب المتوسط أصبحت أقل بنحو 30 إلى 40 بالمائة مقارنة بعديد الأسواق الأوروبية، وهو ما يمنح المنطقة ميزة تنافسية كبيرة في إنتاج الكهرباء والهيدروجين الأخضر مستقبلا .
ولا ينحصر بالتأكيد هذا التحول في الجانب البيئي، ولكنه يفتح آفاقا واسعة أمام توطين الصناعات المرتبطة بالطاقة النظيفة، وصناعة مكونات الألواح الشمسية، والتجهيزات الكهربائية، والمحولات، وكابلات الجهد العالي، ومعدات التحليل الكهربائي الخاصة بإنتاج الهيدروجين الأخضر .
تونس تعزز انتقالها الطاقي
تواجه تونس تحديا هيكليا يتمثل في ارتفاع تبعيتها الطاقية نتيجة تراجع الإنتاج الوطني مقابل تزايد الطلب على الكهرباء والطاقة الأولية. وتعتمد البلاد بصورة كبيرة على الغاز الطبيعي في إنتاج الكهرباء، بينما تجاوزت نسبة التبعية الطاقية خلال السنوات الأخيرة نصف الاحتياجات الوطنية .
ورغم ذلك، بدأت مؤشرات الانتقال الطاقي تتحسن تدريجيا، فقد ارتفعت مساهمة الطاقات المتجددة في إنتاج الكهرباء من حوالي 4 بالمائة إلى نحو 9 بالمائة عد دخول محطات شمسية جديدة حيز الاستغلال، مع برمجة مشاريع إضافية خلال السنوات المقبلة .
وتنسجم هذه الجهود مع الاستراتيجية الوطنية التي تستهدف بلوغ 35 بالمائة من إنتاج الكهرباء من مصادر متجددة بحلول سنة 2030، وهو ما من شأنه تقليص واردات الطاقة، وتحسين ميزان المدفوعات، والحد من الانبعاثات الكربونية، ورفع تنافسية الاقتصاد الوطني .
في ذات السياق، يمثل مشروع الربط الكهربائي بين تونس وإيطاليا “ الماد ” أحد أكثر مشاريع البنية التحتية الاستراتيجية في الفضاء الأورو-متوسطي، باعتباره أول خط مباشر لنقل الكهرباء بين أوروبا وشمال إفريقيا . ويمتد المشروع عبر كابل بحري عالي الجهد بطول يقارب 220 كيلومترا، منها حوالي 200 كيلومتر تحت مياه البحر الأبيض المتوسط، وبقدرة تبادل تبلغ 600 ميغاواط، فيما تقدر كلفته بحوالي 850 مليون يورو .
كما نجح المشروع في استقطاب دعم مالي أوروبي ودولي مهم، إذ خصص له الاتحاد الأوروبي وشركاؤه ضمن مبادرة “فريق أوروبا” تمويلات تتجاوز 472 مليون يورو، بما يعكس مكانته كأحد أهم مشاريع الأمن الطاقي في الحوض المتوسطي . وتتجاوز أهمية المشروع تحدي تصدير الكهرباء الى فرص تحويل تونس إلى منصة إقليمية لتبادل الطاقة النظيفة، واستقطاب الاستثمارات الصناعية، وتطوير مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر .
نحو سوق كهرباء متوسطية موحدة
يفرض الانتقال الطاقي تطوير شبكات كهربائية مترابطة تسمح بتبادل الكهرباء بين الدول وفق احتياجات كل سوق، وهو ما يجعل مشاريع الربط الإقليمي أحد أهم عناصر الأمن الطاقي خلال العقود المقبلة .
وتشير سيناريوهات مشغلي شبكات الكهرباء المتوسطية إلى أن حصة الطاقات المتجددة في إنتاج الكهرباء على مستوى المنطقة قد ترتفع من حوالي 32 بالمائة حاليا إلى أكثر من 53 بالمائة بحلول سنة 2030، وقد تتجاوز 70 بالمائة في أفق 2040، مدفوعة بالتوسع الكبير في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. كما يتوقع أن يصل إنتاج الهيدروجين الأخضر في شمال إفريقيا إلى ما بين 7 و12 مليون طن سنويا بحلول 2040 في السيناريوهات الطموحة، وهو ما سيجعل المنطقة أحد أهم المزودين العالميين للطاقة النظيفة .
وفي هذا الإطار، يكتسي مشروع الربط الكهربائي بين تونس والجزائر وليبيا أهمية خاصة، باعتباره خطوة أولى نحو بناء سوق كهرباء مغاربية قادرة على تحسين استقرار الشبكات، وتبادل الفوائض الإنتاجية، وتقليص كلفة الاستثمار، وتعزيز مرونة المنظومات الكهربائية .
وتؤكد اللقاءات التي أجراها الوفد التونسي في روما مع المسؤولين الأوروبيين وممثلي المؤسسات المالية الدولية والشركات الكبرى أن الطاقة أصبحت إحدى أهم أدوات الدبلوماسية الاقتصادية .
وتتزامن هذه الديناميكية مع إطلاق الاتحاد الأوروبي مبادرة جديدة للتعاون الطاقي المتوسطي تستهدف تعبئة استثمارات قد تصل إلى 25 مليار يورو في مجالات الطاقات المتجددة والتكنولوجيات النظيفة بحلول سنة 2035، بما يعزز اندماج اقتصادات جنوب المتوسط في سلاسل القيمة الأوروبية الجديدة .
وتكشف هذه المعطيات أن تونس لم تعد تنظر إلى الانتقال الطاقي كمجرد سياسة بيئية، ولكن كخيار اقتصادي شامل يهدف إلى تحسين الأمن الطاقي، وجذب الاستثمارات، وتنمية الصناعات الخضراء، وتعزيز الصادرات، وترسيخ موقع البلاد كجسر استراتيجي بين أوروبا وإفريقيا. وفي حال نجحت في تسريع الإصلاحات وتطوير البنية التحتية والربط الكهربائي، فإنها ستكون أمام فرصة تاريخية لتحويل الجغرافيا إلى قيمة اقتصادية مستدامة، وجعل الشراكة المتوسطية رافعة حقيقية للنمو والتنمية والسيادة الطاقية .
هل أعجبك محتوانا؟
أضفه كمصدر مفضل على جوجل لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية