هل أعجبك محتوانا؟
أضفه كمصدر مفضل على جوجل
يواجه المنتخب المصري نظيره الإيراني، اليوم الجمعة 26 جوان بتوقيت الولايات المتحدة، والسبت 27 جوان بتوقيت تونس، على ملعب «لومن فيلد» في سياتل، في مباراة حاسمة ضمن المجموعة السابعة، ستكون بطاقة العبور إلى الدور المقبل على المحك.
غير أنّ هذه المواجهة خرجت، حتى قبل صافرة البداية، من إطارها الرياضي البحت لتتحول إلى محور جدل دولي.
و السبب أنّ هذه المباراة تتزامن مع عطلة نهاية الأسبوع السنوية لـ«الفخر» في سياتل، حيث ربط المنظمون المحليون هذا اليوم بما يُعرف بـ«مباراة الفخر». وهكذا وجدت دولتان ذاتا أغلبية مسلمة، لا يحظى فيهما الأشخاص من مجتمع الميم+ بالقبول في الفضاء العام كما هو الحال في بعض المجتمعات الغربية، نفسيهما في قلب نقاش لم تختاراه.
و تكتسي القضية حساسية خاصة، لأنها تضع في مواجهة مباشرة عدة اعتبارات: الهوية الشمولية التي تعلنها مدينة أمريكية، والقيم الثقافية والدينية التي تتمسك بها اتحادات كروية، وسياسة عدم التمييز التي تعتمدها الفيفا، ورغبة اللاعبين في الحفاظ على تركيزهم على كرة القدم.
هذه هي النقطة المركزية في الملف. فمباراة مصر وإيران لم تُختر لأنها تجمع بين بلدين مسلمين. فقد كانت سياتل قد حددت مسبقاً تاريخ 26 جوان يوماً مرتبطاً بـ«الفخر»، وذلك قبل أشهر من القرعة التي وضعت مصر وإيران في هذه المواجهة.
و تندرج فعاليات «الفخر» في سياتل ضمن تاريخ طويل، إذ تعود أولى المسيرات إلى سبعينيات القرن الماضي، بينما ارتبطت عطلة نهاية الأسبوع الأخيرة من شهر جوان منذ فترة طويلة بالاحتفالات الخاصة بمجتمع الميم+ في المدينة. لذلك أرادت اللجنة المحلية المنظمة للمونديال إدراج هذا اليوم ضمن هوية سياتل، قبل أن تعرف أي منتخبات ستلعب في ذلك التاريخ.
بعبارة أخرى، لم تكن مصر وإيران مستهدفتين ببرمجة خاصة. بل إن المنتخبين وجدا نفسيهما، بحكم المصادفة في الروزنامة والقرعة، أمام موعد كان مرتبطاً محلياً مسبقاً بـ«الفخر».
و هذه النقطة مهمة لأنها تغيّر قراءة الجدل. فالأمر، في الأصل، لا يتعلق باستفزاز مباشر لبلدين مسلمين. لكن بمجرد معرفة طرفي المباراة، اكتسبت المصادفة حمولة رمزية قوية.
منذ الإعلان عن هذه المواجهة، أعرب الاتحادان المصري والإيراني لكرة القدم عن رفضهما لأي ربط للمباراة باحتفالات مجتمع الميم+.
و أعلن الاتحاد المصري لكرة القدم رفضه تنظيم أي أنشطة داعمة للمثلية حول هذه المباراة، معتبراً أن ذلك يتعارض مع قيمه الثقافية والدينية. واتخذت إيران موقفاً مماثلاً، مطالبة الفيفا بتجنب أي حضور لرموز أو رسائل مرتبطة بـ«الفخر» في إطار اللقاء.
و يفسر السياق الداخلي في البلدين، جزئياً، هذا الموقف. ففي إيران، تُواجه العلاقات المثلية بعقوبات شديدة للغاية. أما في مصر، فلا تُصاغ المثلية دائماً كجريمة مستقلة في قانون العقوبات، غير أن السلطات تلجأ بانتظام إلى نصوص أخرى، لا سيما تلك المرتبطة بالأخلاق العامة أو «الفجور»، لملاحقة أشخاص من مجتمع الميم+.
و في الحالتين، لا يحظى الأشخاص المعنيون بقبول اجتماعي ومؤسساتي مماثل لذلك الذي ترفعه مدن مثل سياتل. وهذا التباين هو ما حوّل مبادرة محلية إلى جدل عالمي.
حاولت الفيفا توضيح موقفها، مؤكدة أن «مباراة الفخر» لا تندرج ضمن البرنامج الرسمي لكأس العالم، وأن الاحتفالات المنظمة في سياتل تعود إلى اللجنة المحلية وهياكل المدينة المضيفة.
و في الوقت نفسه، تتمسك الفيفا بخطها القائم على الشمولية. فهي تسمح بدخول أعلام قوس قزح والرموز المرتبطة بحقوق الإنسان إلى الملاعب، شريطة احترام القواعد المعتادة المتعلقة بالحجم والسلامة، كما ينص عليها مدونة السلوك.
و يعكس هذا الخطاب المزدوج ظاهرياً التوازن الصعب الذي تحاول الهيئة الدولية الحفاظ عليه. فمن جهة، لا تريد أن تظهر كمنظم رسمي لحدث قد يثير حساسية بعض المنتخبات. ومن جهة أخرى، لا ترغب في حظر رموز تصنفها ضمن خانة حقوق الإنسان وعدم التمييز.
كما تذكّر الفيفا بأن إجراءاتها الخاصة بمكافحة التمييز، والتي قد تصل إلى إيقاف المباراة مؤقتاً أو تعليقها أو إنهائها في حال وقوع حادث خطير، تنطبق على هذه المواجهة كما تنطبق على جميع المباريات الأخرى.
من جانب سياتل، تبدو الرسالة مختلفة. إذ يوضح المسؤولون المحليون أن «الفخر» جزء من هوية المدينة، وأن كأس العالم يجب أن تعكس أيضاً قيم المدن المضيفة.
و بالنسبة إلى المنظمين، لا يتعلق الأمر برسالة موجهة ضد مصر أو إيران، بل باحتفال محلي بالشمول والتنوع. وتقدم سياتل نفسها منذ زمن طويل كمدينة تقدمية، تتميز بحضور قوي لمجتمعات الميم+ وبثقافة سياسية مرتبطة بالحقوق المدنية.
لكن بعد معرفة طرفي المواجهة، تبنى بعض المسؤولين المحليين بُعداً رمزياً أكثر مباشرة. فقد قُدم علم قوس قزح على أنه رسالة موجهة إلى العالم بأسره، بما في ذلك الدول التي لا يُقبل فيها الأشخاص من مجتمع الميم+ أو يتعرضون فيها للقمع.
و هذه النقطة تحديداً هي التي تغذي الجدل. فبالنسبة إلى البعض، ينبغي لكأس العالم أن تسمح للمدينة المضيفة بالتعبير عن قيمها. أما بالنسبة إلى آخرين، فلا يجب أن تضع اللاعبين والوفود في موقف سياسي لم يختاروه.
لا تختزل هذه القضية في مواجهة بين سياتل من جهة، ومصر وإيران من جهة أخرى. فالجدل يطال أيضاً المدافعين عن حقوق مجتمع الميم+ أنفسهم.
يرى البعض أن الأمر يمثل فرصة لظهور عالمي. فبالنسبة إليهم، السماح بأعلام قوس قزح في مباراة من هذا النوع يذكّر بأن الأشخاص من مجتمع الميم+ موجودون أيضاً في الدول التي يكونون فيها أقل ظهوراً أو مهمشين أو مجبرين على الصمت.
في المقابل، يتساءل آخرون عن مدى فعالية هذه الطريقة. فهم يعتبرون أن تسييس المباراة بشكل مباشر قد يعزز ردود الفعل الرافضة في الدول المعنية، من دون أن يساعد فعلياً الأشخاص من مجتمع الميم+ الذين يعيشون فيها. كما قد يضع اللاعبين في موقف غير عادل، إذ يُطلب منهم ضمنياً الرد على أسئلة مجتمعية مرتبطة بدولهم، بينما جاؤوا لخوض مباراة حاسمة.
ولا تعترض هذه القراءة على مبدأ الشمول، بل تطرح سؤالاً حول طريقة التعبير عنه في حدث عالمي تتعايش داخله ثقافات وتشريعات وحساسيات شديدة الاختلاف.
وسط هذا الجدل، يتعين على لاعبي مصر وإيران التحضير لمباراة مصيرية. فالرهان الرياضي كبير، إذ لا تزال المجموعة السابعة مفتوحة، وقد تحدد هذه المواجهة هوية المتأهل إلى الدور المقبل.
كما اضطرت إيران إلى التعامل مع قيود إدارية خاصة. فالمنتخب الإيراني، الذي يقيم في المكسيك، لم يحصل سوى على وصول محدود إلى الأراضي الأمريكية قبل مباراته في سياتل، مع إلزامه بالمغادرة سريعاً بعد نهاية اللقاء. وقد أضاف هذا السياق بعداً دبلوماسياً إلى رحلة كانت حساسة أصلاً.
وبالنسبة إلى المنتخبين، تبدو الصعوبة مزدوجة. فهما مطالبان بإدارة ضغط مباراة حاسمة رياضياً، وفي الوقت نفسه التعامل مع الضجيج الإعلامي لجدل يتجاوز غرف الملابس بكثير.
فاللاعبون لم يختاروا الروزنامة. ولم يختاروا تسمية «مباراة الفخر». كما لم يختاروا أن يتحولوا إلى رموز في نقاش عالمي حول الحقوق والثقافة والدين والدبلوماسية الرياضية.
بالنسبة إلى الدول العربية والإسلامية، تطرح هذه القضية سؤالاً حساساً: إلى أي حد يجب أن تعكس كأس العالم قيم المدن المضيفة؟ وإلى أي حد ينبغي لها أن تراعي الحساسيات الثقافية والدينية للمنتخبات المشاركة؟
غالباً ما يقدم sport العالمي نفسه كفضاء محايد. غير أن الأحداث الكبرى لا تكون محايدة بالكامل أبداً. فهي تُقام في مدن ومجتمعات وأنظمة قانونية وثقافات سياسية تحمل رسائلها الخاصة. فسياتل ليست الدوحة، والقاهرة ليست فانكوفر، وطهران ليست نيويورك. وكأس العالم، حين تجمع كل ذلك في روزنامة واحدة، تكشف هذه الاختلافات إلى العلن.
لذلك، فإن قضية مصر وإيران ليست في أصلها استفزازاً متعمداً، ولا هي في مآلها مجرد حدث عابر. إنها تعكس تصادماً بين هوية محلية أمريكية مُعلنة، وقيم دينية وثقافية مختلفة، وفيفا تريد في الوقت نفسه استقبال الجميع والدفاع عن خطاب الشمول.
و يبقى الميدان هو الأساس. فعند صافرة البداية، ستلعب مصر وإيران أولاً من أجل التأهل. لكن حول المباراة، هناك مواجهة أخرى بدأت فعلاً: مواجهة تتعلق بمكانة الرموز والقيم والحساسيات في كرة قدم عالمية لم تعد قادرة على الادعاء بأنها بمنأى عن نقاشات عصرها.
هل أعجبك محتوانا؟
أضفه كمصدر مفضل على جوجل لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية