تشهد المنظومة النقدية العالمية تحولا هيكليا غير مسبوق منذ الأزمة المالية العالمية لسنة 2008، يتمثل في انتهاء مرحلة التقارب شبه الكامل بين البنوك المركزية الكبرى ودخول مرحلة جديدة تتسم بتباين واضح في التوجهات والأهداف والأدوات، فبعد سنوات طويلة من التحرك الجماعي لمواجهة الأزمات المالية والركود الاقتصادي وجائحة كوفيد-19، أصبحت كل سلطة نقدية تتخذ قراراتها انطلاقا من خصوصيات اقتصادها الوطني ومستوى التضخم والنمو والتشغيل لديها .
ويأتي هذا التحول في وقت تمثل فيه البنوك المركزية الكبرى أكثر من 60 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وتدير عملات تستحوذ على أكثر من 85 بالمائة من احتياطات النقد الأجنبي في العالم، مما يجعل قراراتها ذات تأثير مباشر على أسعار الصرف والتجارة الدولية والاستثمارات وتكاليف التمويل في مختلف القارات .
اتساع فجوة الأولويات النقدية
تبرز الولايات المتحدة اليوم باعتبارها الاقتصاد الأكثر مقاومة لتداعيات التشديد النقدي ذلك امه على الرغم من رفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة بمقدار 525 نقطة أساس بين مارس 2022 وجويلية 2023، ظل الاقتصاد الأمريكي يسجل نموا تجاوز 2.8 بالمائة خلال 2024، بينما بقي معدل البطالة دون 4.5 بالمائة .
وفي المقابل، تراجع التضخم الأمريكي من ذروة بلغت 9.1 بالمائة في جوان 2022 إلى مستويات تدور بين 2.5 و3 بالمائة خلال 2025، لكنه لا يزال أعلى من الهدف الرسمي المحدد عند 2 بالمائة، لذلك واصل الاحتياطي الفيدرالي اعتماد سياسة حذرة عبر الإبقاء على معدلات الفائدة الحقيقية في مستويات مرتفعة نسبيا تفاديا لعودة الضغوط التضخمية .
وتكشف الأرقام أن حجم الاقتصاد الأمريكي تجاوز 30 تريليون دولار سنة 2025، أي ما يعادل ربع الناتج العالمي تقريبا، وهو ما يفسر الأهمية الاستثنائية لقرارات الاحتياطي الفيدرالي بالنسبة للأسواق المالية الدولية .
أما في منطقة اليورو، فقد اتخذ المشهد الاقتصادي منحى مختلفا. فبعد أن بلغ التضخم مستوى قياسيا تجاوز 10.6 بالمائة في أكتوبر 2022، نجح البنك المركزي الأوروبي في إعادته إلى مستويات قريبة من 2 بالمائة خلال 2025، لكن هذا النجاح تزامن مع تباطؤ اقتصادي واضح، حيث تراوح نمو اقتصاد المنطقة بين 0.7 و1 بالمائة فقط .
وتفسر هذه المعطيات شروع البنك المركزي الأوروبي في دورة تيسير نقدي جديدة من خلال تخفيض أسعار الفائدة تدريجيا لدعم الاستثمار والاستهلاك وتحفيز الطلب الداخلي في اقتصاد يضم أكثر من 350 مليون مستهلك وينتج ما يفوق 19 تريليون دولار سنويا .
اليابان والصين وجهان مختلفان للتحول النقدي
تمثل اليابان حالة فريدة في المشهد النقدي العالمي باعتبار تجاوز معدل التضخم 3 بالمائة خلال السنوات الأخيرة بعد أكثر من عقدين من التضخم المنخفض أو السلبي، ما دفع بنك اليابان إلى إنهاء سياسة الفائدة السلبية التي استمرت منذ سنة 2016 . ويكتسي هذا القرار أهمية خاصة باعتبار أن اليابان تعد رابع أكبر اقتصاد عالمي بناتج يفوق 4 تريليونات دولار، كما أنها من أكبر مصدري رؤوس الأموال في العالم .
في المقابل، تواجه الصين تحديات مختلفة ترتبط أساسا بتباطؤ النمو والأزمة العقارية اذ تراجع معدل النمو من مستويات كانت تفوق 10 بالمائة سنويا قبل عقد من الزمن إلى ما يقارب 5 بالمائة حاليا، في حين تجاوزت ديون القطاع غير المالي 300 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي .
ودفعت هذه التطورات السلطات النقدية الصينية إلى اعتماد سياسات أكثر مرونة لدعم الاستثمار وتحفيز الطلب المحلي مع المحافظة على الاستقرار المالي .
ترامب ومتغيرات السياسة النقدية
يزداد المشهد تعقيدا مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وعودة أجندته الاقتصادية القائمة على التخفيضات الضريبية والرسوم الجمركية والحوافز الموجهة للقطاع الصناعي الأمريكي .
وتشير تقديرات عدد من المؤسسات المالية الدولية إلى أن التخفيضات الضريبية الجديدة قد تضيف مئات المليارات من الدولارات إلى العجز الفيدرالي الأمريكي خلال السنوات المقبلة، في وقت تجاوز فيه الدين العمومي الأمريكي 36 تريليون دولار، أي ما يفوق 120 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي .
ويخشى عدد متزايد من الاقتصاديين من أن تؤدي هذه السياسات إلى تغذية موجة تضخمية جديدة عبر زيادة الطلب الداخلي ورفع أسعار الواردات نتيجة الإجراءات الحمائية، وهو ما يفسر الحذر الذي يبديه الاحتياطي الفيدرالي في إدارة دورة خفض الفائدة .
تنعكس الاختلافات بين السياسات النقدية الكبرى مباشرة على أسواق العملات فعند بقاء أسعار الفائدة الأمريكية أعلى من نظيرتها الأوروبية أو اليابانية، تزداد جاذبية الأصول المقومة بالدولار، مما يؤدي إلى تدفق رؤوس الأموال نحو الولايات المتحدة وارتفاع قيمة الدولار .
وتكتسي هذه المسألة أهمية خاصة لأن الدولار يستخدم في تسعير ما يقارب 80 بالمائة من التجارة العالمية ويمثل نحو 58 بالمائة من احتياطات البنوك المركزية في العالم .
كما تؤثر هذه التحركات في أسعار النفط والغاز والمواد الأولية، حيث يؤدي ارتفاع الدولار عادة إلى زيادة تكلفة الواردات بالنسبة للدول ذات العملات الأضعف .
تونس وتأثير التقلبات الخارجية
تواجه تونس تحديات نقدية مختلفة عن تلك المطروحة في الاقتصادات المتقدمة، إلا أنها تظل متأثرة بشكل مباشر بالبيئة المالية العالمية بحكم ارتباطها بالأسواق الأوروبية واعتمادها على الواردات الطاقية والغذائية . وقد نجح البنك المركزي التونسي خلال السنوات الأخيرة في إدارة مرحلة دقيقة اتسمت بارتفاع التضخم العالمي وتداعيات الحرب في أوكرانيا وتشديد الأوضاع المالية الدولية .
في هذا الصدد وبعد أن بلغ التضخم في تونس ذروته عند 10.4 بالمائة خلال فيفري 2023، دخل تدريجيا في مسار نزولي بفضل مزيج من السياسات النقدية والمالية وتحسن بعض العوامل الخارجية، ليستقر خلال 2025 و2026 عند مستويات أدنى بكثير من تلك المسجلة في ذروة الأزمة .
كما حافظ البنك المركزي التونسي على نسبة الفائدة المديرية عند مستويات اعتبرها ضرورية للحد من الضغوط التضخمية والمحافظة على جاذبية الادخار بالدينار ودعم الاستقرار النقدي .
وتظهر المؤشرات النقدية تحسنا نسبيا في وضعية الاحتياطات من العملة الأجنبية التي واصلت تغطية عدة أشهر من الواردات، في حين سجل سعر صرف الدينار درجة ملحوظة من الاستقرار مقارنة بعدد من العملات في الأسواق الناشئة .
وتبرز أهمية هذه النتائج إذا ما أخذ بعين الاعتبار أن الاقتصاد التونسي يواجه تحديات هيكلية تتمثل في محدودية النمو وارتفاع حاجيات التمويل الخارجي واستمرار الضغوط على المالية العمومية .
تؤكد التطورات العالمية الراهنة أن زمن السياسة النقدية الموحدة قد انتهى، وأن العالم دخل مرحلة تتخذ فيها البنوك المركزية قرارات مستقلة تعكس أولوياتها الوطنية الخاصة . وتفرض هذه البيئة الجديدة على البنك المركزي التونسي مواصلة اتباع سياسة نقدية مرنة وقادرة على التكيف مع المتغيرات الخارجية، خاصة في ظل استمرار حالة عدم اليقين المرتبطة بأسعار الطاقة والتوترات الجيوسياسية ومسار الفائدة الأمريكية والأوروبية .
كما تبرز الحاجة إلى تعزيز التنسيق بين السياسة النقدية والسياسات الاقتصادية الأخرى بهدف تحويل المكاسب المحققة على صعيد السيطرة على التضخم والاستقرار النقدي إلى معدلات نمو أعلى واستثمارات أكبر وقدرة تشغيلية أفضل .
وعلى نحو عام، لا تقتصر التحولات الجارية في عالم البنوك المركزية على تغيير مسارات أسعار الفائدة فحسب، بقدر ما تؤسس لمرحلة جديدة من إدارة الاقتصاد العالمي، ستكون فيها القدرة على تحقيق التوازن بين الاستقرار النقدي والنمو الاقتصادي العامل الحاسم في تحديد مكانة الدول وقدرتها على الصمود أمام الصدمات المستقبلية، وهو رهان يكتسب بالنسبة إلى تونس أهمية استراتيجية في سياق سعيها إلى تعزيز الاستقرار المالي واستعادة ديناميكية النمو على أسس أكثر استدامة .
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية