خلّفت مشاركة المنتخب التونسي لكرة القدم في النسخة الحالية لكأس العالم حالة واسعة من الصدمة والإحباط في صفوف الجماهير التونسية، بعد نتائج قاسية وغير مسبوقة، تمثلت في هزيمتين ثقيلتين، الأولى أمام السويد بنتيجة 5 أهداف مقابل هدف، والثانية أمام اليابان بنتيجة 4 أهداف دون رد.
هذه النتائج أثارت موجة غضب في الشارع الرياضي والشعبي، خاصة أن المنتخب التونسي، صاحب تاريخ بارز في المشاركات الدولية، كان أول منتخب عربي وإفريقي يحقق الفوز في كأس العالم، عندما انتصر على المكسيك بنتيجة 3 أهداف مقابل هدف في نسخة 1978.
غضب شعبي ودعوات إلى المحاسبة
أمام هذا التراجع الحاد في النتائج، تعالت الأصوات المطالبة بفتح ملف كرة القدم التونسية ومحاسبة المسؤولين عن الوضع الحالي، وسط دعوات إلى تدخل رئيس الدولة وحلّ الجامعة التونسية لكرة القدم.
غير أن هذا المطلب، رغم حضوره القوي في النقاش العام، يطرح إشكالا قانونيا ورياضيا معقدا، بالنظر إلى طبيعة المنظومة التي تحكم كرة القدم، والتي تجمع بين القوانين الوطنية واللوائح الدولية للاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا”.
استقلالية الهياكل الرياضية شرط أساسي لدى الفيفا
يخضع المشهد الرياضي في تونس إلى منظومة قانونية مزدوجة، تقوم من جهة على التشريعات الوطنية، ومن جهة أخرى على لوائح الاتحاد الدولي لكرة القدم.
ويفرض الفيفا مبدأ استقلالية الهياكل الرياضية عن التدخل الحكومي المباشر.
وبناء على ذلك، فإن أي قرار صادر عن السلطة التنفيذية، سواء من قبل رئيس الدولة أو من قبل وزير الرياضة، بحلّ الجامعة التونسية لكرة القدم، قد يُعتبر تدخلا سياسيا في الشأن الرياضي.
وقد يُؤدي مثل هذا التدخل إلى عقوبات صارمة، من بينها تجميد نشاط المنتخبات والأندية التونسية، وحرمانها من المشاركة في المسابقات الدولية والقارية.
ما هي الآليات القانونية الممكنة؟
رغم أن الحلّ المباشر من قبل السلطة السياسية لا يبدو متاحا دون مخاطر، فإن هناك آليات قانونية يمكن أن تؤدي إلى إنهاء مهام المكتب الجامعي أو تغييره دون تعريض كرة القدم التونسية لعقوبات دولية.
وتتمثل أولى هذه الآليات في الاستقالة الطوعية لأعضاء المكتب الجامعي، بما في ذلك رئيس الجامعة الحالي معز الناصري وأعضاء مكتبه.
وفي هذه الحالة يمكن المرور إلى تشكيل هيئة تسييرية مؤقتة، بالتنسيق مع الفيفا، تتولى إدارة المرحلة الانتقالية والدعوة إلى جلسة عامة انتخابية.
كما تملك الأندية التونسية، باعتبارها الجمعيات الرياضية المنخرطة وأعضاء الجلسة العامة، صلاحية سحب الثقة من المكتب الجامعي، وذلك وفق النظام الأساسي للجامعة المصادق عليه من قبل الفيفا.
أما الآلية الثالثة، فتتمثل في عدم التجديد للمكتب الحالي عبر صناديق الاقتراع، خلال الانتخابات الدورية للجامعة، في حال اختارت الأندية تغيير القيادة الجامعية.
المحاسبة القضائية لا تعني حلّ الجامعة
في حال وجود شبهات فساد أو خروقات مالية أو إدارية موثقة، يبقى القضاء التونسي مختصا في النظر في الملفات التي تتعلق بالمسؤولين بصفتهم الشخصية.
غير أن المحاسبة القضائية للأفراد لا تعني بالضرورة حلّ الهيكل الرياضي نفسه.
وهذا التمييز يبقى مهما لتفادي اعتبار الإجراءات تدخلا حكوميا في شؤون الجامعة، بما قد يعرّض كرة القدم التونسية إلى عقوبات من الفيفا.
لجنة تسوية في حالات الأزمات الحادة
في بعض الحالات الاستثنائية، وعند وجود أزمة إدارية حادة أو فراغ قانوني داخل الجامعة، يمكن للاتحاد الدولي لكرة القدم، بالتنسيق مع السلطات المحلية، تعيين لجنة تسوية مؤقتة.
وتتولى هذه اللجنة إدارة شؤون الجامعة لفترة محددة، ومراجعة بعض النصوص أو الأنظمة عند الاقتضاء، قبل تنظيم انتخابات جديدة تعيد الشرعية إلى الهيكل الجامعي.
أزمة رياضية تحتاج إلى حلول مؤسساتية
تؤكد الأزمة الحالية أن ملف كرة القدم التونسية لم يعد مرتبطا فقط بنتائج المنتخب، بل أصبح يطرح أسئلة أعمق حول الحوكمة، والمحاسبة، وطرق إدارة الهياكل الرياضية.
وبين غضب الشارع ومقتضيات القانون ولوائح الفيفا، تبدو الحلول المؤسساتية والقانونية هي المسار الأقل كلفة، لتفادي أي عقوبات دولية قد تزيد من تعقيد وضع كرة القدم التونسية.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية