آخر الأخبار

ديون الشركات الألمانية تفقد صفة «الملاذ الآمن»

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لطالما اعتُبرت سوق Schuldschein استثمارًا هادئًا ومستقرًا يكاد يخلو من المفاجآت، إلا أنها بدأت اليوم تثير قلق المستثمرين.

وبحسب وكالة بلومبرغ، ارتبط ما لا يقل عن 5 مليارات يورو من هذه الديون الخاصة، أي ما يعادل نحو 5.8 مليارات دولار، بحالات تعثر أو أوضاع مالية متوترة خلال السنوات الثلاث الماضية.

ولا يعني هذا الرقم انهيار السوق.

لكنه يكفي لإحداث شرخ في سمعة بُنيت على مدى عقود، باعتبارها أداة تمويل حذرة تستخدمها الشركات الألمانية والنمساوية، ولا سيما شركات Mittelstand، وهي شبكة الشركات الصناعية العائلية المتوسطة الحجم التي تُعد أحد أعمدة الاقتصاد الألماني.

ما هو الـ Schuldschein؟

يُعد Schuldschein شكلاً من أشكال الديون الخاصة يقع في منزلة وسطى بين القرض المصرفي والسندات.

فعمليًا، تقترض الشركة أموالًا من عدة مستثمرين دون اللجوء إلى إصدار سندات تقليدي، وهو مسار أكثر تعقيدًا وظهورًا وخضوعًا للتنظيم.

وتجذب هذه الأداة عادةً طيفًا واسعًا من المقرضين، من بينهم:


* البنوك الإقليمية؛
* صناديق الادخار؛
* شركات التأمين؛
* صناديق التقاعد؛
* المستثمرون الدوليون؛
* المؤسسات المالية المتخصصة.

ويستند نجاح هذه الأداة إلى ثلاث مزايا رئيسية: البساطة، والسرية، والاستقرار.

ولفترة طويلة، اعتُبر الـ Schuldschein دينًا محافظًا منخفض المخاطر نسبيًا؛ قليل التقلبات وعادةً ما يكون مرتبطًا بشركات تتمتع بملاءة مالية قوية.

إلا أن هذه الصورة باتت اليوم موضع اختبار.

سوق بقيمة تقارب 20 مليار يورو سنويًا

تبلغ قيمة إصدارات Schuldschein السنوية نحو 20 مليار يورو، أي ما يعادل حوالي 23.1 مليار دولار.

وتبقى السوق مهمة رغم أنها أقل ظهورًا من أسواق السندات الكبرى المدرجة التي تصدرها المجموعات الدولية العملاقة.

ويبرز حضورها بشكل خاص في ألمانيا والنمسا، حيث تؤدي منذ سنوات دورًا محوريًا في تمويل الشركات الصناعية المتوسطة الحجم.

فهذه الشركات لا تستطيع دائمًا الوصول إلى أسواق السندات الدولية بشروط مناسبة، لذلك يتيح لها الـ Schuldschein جمع مبالغ كبيرة مع الحفاظ على علاقة تمويلية ذات طابع شبه سري مع المقرضين.

غير أن هذه السرية، التي كانت مصدر قوته، قد تتحول إلى نقطة ضعف عندما تتدهور الأوضاع المالية للمقترض.

نهاية الأموال الرخيصة تكشف مواطن الضعف

خلال سنوات أسعار الفائدة المنخفضة، تمكنت شركات كثيرة من الحصول على التمويل بتكاليف زهيدة.

وفي تلك الفترة، اجتذب الـ Schuldschein جهات إصدار ذات ملفات ائتمانية متنوعة، بما في ذلك شركات كانت تتمتع بجدارة ائتمانية أقل متانة.

لكن ارتفاع أسعار الفائدة، وزيادة تكاليف الطاقة، وتراجع الطلب الصناعي، واشتداد المنافسة الدولية، كلها عوامل غيّرت المعادلة.

وتواجه الشركات الألمانية والنمساوية اليوم مجموعة من الضغوط المتزامنة:


* ارتفاع أسعار الطاقة؛
* تراجع الطلبيات الصناعية؛
* تصاعد المنافسة الصينية؛
* ضغوط على هوامش الأرباح؛
* ارتفاع تكلفة الاقتراض؛
* تباطؤ النمو الاقتصادي؛
* صعوبات في قطاعات السيارات والميكانيك والمعدات الصناعية.

وتؤثر هذه الصدمة مباشرة على الشركات التي شكّلت تاريخيًا العمود الفقري لسوق Schuldschein.

وبالتالي، فإن الأداة ليست في أزمة معزولة، بل تعكس الضغوط الأوسع التي يواجهها النموذج الصناعي الألماني.

الثغرة القانونية: إجماع الدائنين

تظهر أبرز نقاط ضعف Schuldschein عندما تحتاج الشركة المقترضة إلى إعادة هيكلة ديونها.

ووفقًا لبلومبرغ، فإن أي تعديل في شروط الدين يتطلب عادة موافقة جميع الدائنين بالإجماع.

وبمعنى آخر، إذا أرادت شركة إعادة جدولة مدفوعاتها أو تمديد آجال الاستحقاق أو تعديل بعض البنود، فعليها إقناع جميع المقرضين المعنيين.

وعلى خلاف أنواع أخرى من الديون، حيث يمكن لأغلبية مؤهلة فرض قرار معين، يمنح Schuldschein غالبًا نفوذًا كبيرًا لكل دائن على حدة.

والنتيجة أن مستثمرًا صغيرًا قد يتمكن من تعطيل اتفاق تدعمه الأغلبية.

ويؤدي ذلك إلى تعقيد عمليات إعادة الهيكلة وإطالة أمد المفاوضات وزيادة احتمالات فشلها.

ويُضاف إلى ذلك غياب جهة مركزية تمثل المقرضين، ما يجعل كل مستثمر يدافع عن مصالحه الخاصة، وهو ما يصعّب التنسيق عندما يكون عدد الدائنين كبيرًا ومتباينًا من حيث الخلفيات والأهداف.

KTM… القضية التي أيقظت السوق

سلّطت عملية إعادة هيكلة شركة تصنيع الدراجات النارية النمساوية KTM الضوء على هذه الهشاشة بشكل واضح.

فقد شارك أكثر من مئة دائن في المناقشات المتعلقة بخطة إفلاس المجموعة، وكان من بينهم بنوك صينية وصناديق تقاعد أوروبية ومستثمرون صغار.

ويعكس هذا النوع من الحالات التعقيد المتزايد للسوق؛ إذ يمكن لأداة توصف بالبساطة أن تصبح شديدة الصعوبة في الإدارة عندما تدخل الشركة المصدرة في أزمة.

ولا تُعد KTM شركة مالية غامضة، بل علامة صناعية معروفة تمثل جانبًا من الخبرة الصناعية الأوروبية.

وكون ملف من هذا النوع يستدعي مشاركة أكثر من مئة دائن ومفاوضات معقدة بهذا الحجم، يثبت أن المشكلة لم تعد مجرد فرضية نظرية.

استثمار أقل هدوءًا مما كان عليه

ونقلت بلومبرغ عن أندرياس نايوكس، الشريك في مكتب المحاماة Noerr، قوله إن المرحلة الحالية تمثل تحولًا جوهريًا.

فبحسب رأيه، فإن المستثمر الذي يعتقد أنه يمتلك استثمارًا مضمونًا يمكن الاحتفاظ به «تحت الوسادة» لخمس سنوات ثم استرداد أمواله دون متاعب، قد يواجه مفاجأة غير سارة.

وتعكس هذه العبارة واقعًا جديدًا.

فالـ Schuldschein لم يكن يومًا خاليًا تمامًا من المخاطر، لكنه عومل لفترة طويلة كما لو كان قريبًا من ذلك.

ويذكّر تزايد حالات التعثر وإعادة الهيكلة بحقيقة أساسية مفادها أن الدين الخاص، مهما بدا متينًا وسريًا، يظل مرتبطًا بالوضع المالي الفعلي للشركة التي تصدره.

وعندما يتباطأ القطاع الصناعي الألماني، ترتفع المخاطر تلقائيًا في الأدوات التي تموله.

مستثمرون يبدأون الانسحاب

بحسب بلومبرغ، بدأ بعض المقرضين بالفعل في تقليص انكشافهم على سوق Schuldschein.

ورغم أن هذه الحركة لا تزال انتقائية، فإنها تعكس تحولًا في نظرة المستثمرين إلى هذه الأداة.

وبات المستثمرون يراقبون عن كثب:


* الجدارة الائتمانية الحقيقية للجهة المصدرة؛
* مدى تعرضها لتكاليف الطاقة؛
* اعتمادها على قطاع السيارات؛
* قدرتها على إعادة التمويل؛
* هوامش أرباحها؛
* قدرتها على تحمل تراجع الطلبيات؛
* البنية الدقيقة لقاعدة دائنيها.

وفي الوقت نفسه، تتزايد عروض بيع المراكز المرتبطة بالشركات المتعثرة.

وبعبارة أخرى، يفضل بعض المستثمرين الخروج مبكرًا قبل أن تصبح مفاوضات إعادة الهيكلة طويلة أو غير مؤكدة النتائج.

هل يحتاج الـ Schuldschein إلى إصلاح؟

أمام هذه التحديات، تدرس بعض الشركات والمستشارين الماليين إدخال تعديلات محتملة على النظام الحالي.

وتتمثل الفكرة الرئيسية في السماح باتخاذ بعض القرارات بأغلبية الدائنين بدلًا من اشتراط الإجماع الكامل.

ومن شأن هذا الإصلاح أن يمنح الشركات المتعثرة مرونة أكبر، ويساعد على إعادة هيكلة الديون بسرعة أكبر، ويجنب حالات تعثر غير ضرورية، ويحافظ على قدر أكبر من القيمة لصالح المقرضين.

غير أن النقاش يظل حساسًا.

فأنصار النظام الحالي يرون أن جاذبية Schuldschein تكمن أساسًا في بساطته وسريته والحقوق الواسعة التي يمنحها لكل مستثمر.

وقد يؤدي تعديل قواعده بشكل جذري إلى جعله أقرب إلى أدوات الدين الأخرى الأكثر تعقيدًا من الناحية القانونية، والأقل جاذبية لبعض المقرضين.

ومن هنا يتضح جوهر المعضلة: جعل الأداة أكثر مرونة في أوقات الأزمات دون أن تفقد المقومات التي صنعت نجاحها لعقود.

عرض من أعراض الأزمة الصناعية الألمانية

يتجاوز الموضوع الجوانب المالية التقنية البحتة.

فإذا كان Schuldschein يثير القلق اليوم، فلأن الشركات التي يعتمد عليها أصبحت هي نفسها تحت ضغط متزايد.

وتعيش الصناعة الألمانية مرحلة صعبة تتسم بارتفاع تكاليف الإنتاج، وارتفاع كلفة التحول الطاقي، وتصاعد المنافسة الآسيوية، وتباطؤ الطلب الأوروبي، وهشاشة بعض الموردين، وتراجع الثقة الاقتصادية.

أما شركات Mittelstand، التي توصف غالبًا بأنها العمود الفقري للاقتصاد الألماني، فلم تعد بمنأى عن هذه الضغوط.

وقد موّل جزء مهم من هذا النسيج الصناعي توسعه واستثماراته وعمليات إعادة التمويل عبر أدوات مثل Schuldschein.

وعندما تعاني الشركات الصناعية، تتراجع تلقائيًا صورة ديونها باعتبارها استثمارات هادئة وآمنة.

ومن ثم، فإن أزمة Schuldschein تمثل أيضًا إشارة تحذير بشأن الوضع الحقيقي للنموذج الصناعي الألماني.

لماذا يهم هذا الأمر تونس أيضًا؟

للوهلة الأولى، قد تبدو الديون الخاصة الألمانية بعيدة عن الاهتمامات التونسية.

لكن الواقع مختلف إلى حد ما.

فألمانيا لا تزال أحد المحركات الصناعية الرئيسية في أوروبا، كما أن شركات Mittelstand تغذي العديد من سلاسل القيمة في قطاعات السيارات والكابلات والآلات والمكونات والمعدات الصناعية والكيماويات والإلكترونيات وتكنولوجيات الإنتاج.

وتندمج تونس بدورها في عدد من سلاسل التوريد الأوروبية، خاصة في مجالات مكونات السيارات والكابلات والنسيج التقني والإلكترونيات وبعض الخدمات الصناعية.

وإذا أصبح تمويل الشركات الألمانية أكثر صعوبة، فقد تظهر عدة تداعيات غير مباشرة، منها:


* تراجع الطلبيات؛
* زيادة الحذر في الاستثمارات؛
* ضغط أكبر على المقاولين والموردين الفرعيين؛
* إعادة التفاوض بشأن الأسعار؛
* تأجيل المشاريع الصناعية؛
* انخفاض الطلب على بعض المكونات؛
* تشديد شروط السداد.

وبالتالي، فإن القضية لا تقتصر على القطاع المالي، بل تمتد إلى الاقتصاد الحقيقي وإلى الدول الشريكة في سلاسل الإنتاج الأوروبية.

تحذير صادر من قلب أوروبا الصناعية

إن تصاعد التوترات حول سوق Schuldschein يروي قصة أوسع بكثير من مجرد أداة تمويل.

فقد استفادت أوروبا الصناعية لسنوات طويلة من أسعار فائدة منخفضة، وطاقة متوفرة نسبيًا، وسلاسل إمداد مستقرة، وطلب عالمي قوي.

لكن هذه الظروف لم تعد مضمونة.

وعندما تنقلب البيئة الاقتصادية، تكشف حتى أكثر أدوات التمويل هدوءًا وخفاءً عن نقاط ضعفها.

ولا يعني ذلك أن Schuldschein فقد قيمته بالكامل، لكنه فقد جزءًا من هالته التقليدية.

فلم يعد مجرد وسيلة تمويل هادئة لشركات Mittelstand، بل أصبح أحد المرايا التي تعكس التحولات العميقة التي يشهدها الاقتصاد الصناعي الألماني في مرحلة إعادة تشكل واسعة.

احصل على النشرة الإخبارية اليومية لـ تونسي رقمية مجانًا

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

لقد اشتركت بنجاح في نشرتنا الإخبارية.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة:
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك

الأكثر تداولا اسرائيل أمريكا إيران لبنان

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا