تمرّ شركة بي إم دبليو بواحدة من أكثر الفترات صعوبة خلال السنوات الأخيرة.
فالشركة الألمانية المصنعة للسيارات، التي لطالما اعتُبرت واحدة من أكثر المجموعات صلابة في قطاع صناعة السيارات الأوروبي، تستعد لفتح نقاشات مع ممثلي موظفيها بعد إصدار تحذير جديد بشأن نتائجها المالية.
ويُعد هذا التحذير الثالث من نوعه الذي تطلقه بي إم دبليو خلال ثلاث سنوات، وهو مؤشر مقلق لمجموعة نجحت حتى الآن في الصمود بشكل أفضل من عدد من منافسيها الألمان أمام أزمة صناعة السيارات الأوروبية.
وبحسب وكالة رويترز، من المقرر أن تناقش الإدارة وممثلو الموظفين إجراءات جديدة لتحسين الكفاءة، في وقت تسعى فيه الشركة إلى تسريع جهودها لخفض التكاليف.
وتُعد القضية حساسة، إذ قد يتأثر ما يصل إلى 5% من إجمالي القوى العاملة العالمية للشركة بحلول نهاية عام 2026.
ومع وجود أقل بقليل من 155 ألف موظف حول العالم، فإن هذا التقليص قد يشمل نحو 7700 وظيفة. إلا أن بي إم دبليو أوضحت أن خفض عدد العاملين سيتم، في الغالب، عبر الاستنزاف الطبيعي للوظائف، أي من خلال عدم تعويض الموظفين المغادرين، وليس عبر تنفيذ خطة تسريحات مباشرة.
لكن الرسالة التي وصلت إلى الأسواق تبقى قوية للغاية. فعندما تضطر شركة بحجم بي إم دبليو، التي تُعد رمزاً للقوة الصناعية الألمانية ولقطاع السيارات الفاخرة، إلى مراجعة أهدافها بهذه الحدة، فهذا يعني أن الضغوط لم تعد ظرفية أو مؤقتة، بل أصبحت هيكلية وعميقة.
وقد خفّضت المجموعة بشكل كبير توقعاتها المالية لعام 2026. إذ أصبحت تستهدف هامش ربح تشغيلي في نشاطها الخاص بالسيارات يتراوح بين 1% و3%، مقارنة بتقديرات سابقة تراوحت بين 4% و6%. كما تم خفض توقعات العائد على رأس المال المستخدم (ROCE)، الذي يُنتظر أن يتراوح الآن بين 1% و5%، بعدما كان متوقعاً بين 6% و10%.
ويظهر التدهور أيضاً على مستوى الأرباح قبل الضرائب. فبي إم دبليو تتوقع حالياً تراجعاً «ملحوظاً» في هذا المؤشر، بعدما كانت تتوقع سابقاً انخفاضاً معتدلاً فقط. وكانت الأرباح قبل الضرائب قد بلغت 10.2 مليارات يورو في عام 2025.
أما بالنسبة للمستثمرين، فالرسالة كانت قاسية: ربحية بي إم دبليو تتعرض لضغوط كبيرة. فقد تراجع سهم المجموعة بقوة في بورصة فرانكفورت عقب الإعلان، ليهبط إلى أدنى مستوياته منذ عدة سنوات. كما أثّر هذا الانخفاض على مجمل قطاع السيارات الأوروبي، ولا سيما أسهم فولكسفاغن ومرسيدس-بنز.
وتبرز الصين كأحد أهم مصادر القلق. فالسوق الأكبر للسيارات في العالم أصبحت أكثر صعوبة بالنسبة للمصنعين الأوروبيين. فالطلب يشهد تباطؤاً، في حين تواصل العلامات التجارية الصينية، خصوصاً في قطاع السيارات الكهربائية، توسيع حصتها السوقية بفضل أسعارها التنافسية للغاية.
وبالنسبة لبي إم دبليو، التي اعتمدت تاريخياً بشكل كبير على السوق الصينية في فئة السيارات الفاخرة، فإن هذا التطور ينعكس مباشرة على أحجام المبيعات والأسعار وهوامش الأرباح. وفي هذا السياق، خفّض محللو «سيتي» توقعاتهم لمبيعات المجموعة في الصين بأكثر من 50 ألف سيارة، وأصبحوا يتوقعون بيع أقل من 500 ألف مركبة بحلول نهاية العام.
ولا تقتصر الضغوط على الجانب التجاري فقط، بل تمتد إلى التكاليف الجيوسياسية أيضاً. فقد أشارت بي إم دبليو إلى تأثيرات النزاع الذي يشمل إيران، والذي ينعكس على التكاليف وسلاسل التوريد ومعنويات المستهلكين. وفي سوق سيارات يعاني أصلاً من الهشاشة، تؤدي زيادة حالة عدم اليقين الدولية إلى تقليص وضوح الرؤية أمام الشركات المصنعة وتعقيد قراراتها الصناعية.
لذلك يسعى المدير التنفيذي الجديد للمجموعة، ميلان نيديليكوفيتش، إلى تكثيف إجراءات خفض التكاليف الهيكلية. ووفقاً لما أوردته رويترز، من المتوقع تسجيل أثر استثنائي خلال النصف الثاني من عام 2026. وهذا يعني أن بي إم دبليو لم تعد تكتفي بإجراء تعديلات محدودة على نفقاتها، بل تستعد لتنفيذ استجابة أعمق لتدهور بيئتها الاقتصادية.
ومن ثمّ ستكون المباحثات مع ممثلي الموظفين حاسمة. فقد أعلن المجلس المركزي للعاملين عزمه العمل على إيجاد حلول قابلة للاستمرار، من خلال الحوار وبروح من المسؤولية تجاه الموظفين. وتُظهر هذه الصيغة أن الملف الاجتماعي أصبح مطروحاً على الطاولة، حتى وإن كانت بي إم دبليو تؤكد في الوقت الحالي عدم وجود خطط لتسريحات مباشرة.
وتزداد خطورة الوضع بالنظر إلى أن بي إم دبليو ليست شركة تصنيع سيارات جماهيرية تعاني من صعوبات مزمنة، بل تُعد إحدى أبرز علامات السيارات الفاخرة الألمانية، وتمتلك علامات BMW وMINI وRolls-Royce وBMW Motorrad. وإذا كانت مجموعة تتمتع بهذا الموقع القوي مضطرة إلى خفض أهدافها بهذا الشكل، فإن ذلك يعكس حجم الضغوط التي يتعرض لها النموذج الصناعي الأوروبي بأكمله.
فالأزمة الحالية لا تقتصر على تراجع مؤقت في الطلب، بل تجمع بين عدة صدمات متزامنة: المنافسة الصينية، والتحول المكلف نحو السيارات الكهربائية، والضغوط على الأسعار، والاضطرابات الجيوسياسية، وارتفاع تكاليف الإنتاج في أوروبا، وتباطؤ الاستهلاك.
وهكذا تجد بي إم دبليو نفسها أمام معادلة معقدة: حماية ربحيتها، وتسريع تحولها الصناعي، وتجنب اندلاع أزمة اجتماعية مفتوحة. ولطالما جسدت المجموعة متانة قطاع السيارات الفاخرة الألماني، إلا أن تحذيرها الجديد بشأن النتائج المالية يُظهر أن حتى أقوى العلامات التجارية لم تعد بمنأى عن المخاطر.
وبالنسبة لصناعة السيارات الأوروبية، فإن إنذار بي إم دبليو يتجاوز مجرد حادثة في أسواق المال. فهو يؤكد أن أزمة القطاع دخلت مرحلة أكثر حدة. وبعد فولكسفاغن ومرسيدس-بنز، يأتي الدور الآن على بي إم دبليو لإظهار مدى استعدادها للذهاب بعيداً في الدفاع عن هوامش أرباحها ونموذجها الصناعي ومكانتها في السوق العالمية.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية