على مدى عقود، كان دعم إسرائيل أحد القواسم النادرة المشتركة بين الديمقراطيين والجمهوريين.
غير أن هذا الأساس بدأ يتصدع اليوم بفعل عاملين متداخلين: الانتماء الحزبي والانتماء الجيلي. والمفاجأة الأكبر تأتي من اليمين الأمريكي نفسه، إذ باتت غالبية الجمهوريين دون سن الخمسين يحملون نظرة سلبية تجاه إسرائيل. وفي ما يلي قراءة في ملامح هذا التحول العميق.
لنبدأ بالرقم الذي يلخّص المشهد بأكمله. فبحسب مركز «بيو» للأبحاث، فإن 57% من الجمهوريين الذين تقل أعمارهم عن 50 عاماً كانت لديهم، في مارس/آذار 2026، نظرة سلبية تجاه إسرائيل، في حين لا يزال الدعم أكثر رسوخاً لدى الجمهوريين الأكبر سناً. وكان التأييد لإسرائيل يُعدّ شبه مطلق داخل المعسكر المحافظ.
لكن التحول جاء سريعاً:
حتى رئيس الوزراء الإسرائيلي نفسه لم يعد يحظى بالإجماع داخل اليمين الأمريكي. فبين الجمهوريين دون سن 45 عاماً، لا يحظى بنيامين نتنياهو إلا بتأييد محدود للغاية (31% مقابل 29% من الآراء السلبية)، بينما لا يزال يحظى بدعم 59% لدى الجمهوريين الذين تجاوزوا 45 عاماً.
هذا التغير لا يقتصر على اليمين الأمريكي.
فوفقاً لمركز «بيو»، بات 60% من الأمريكيين البالغين يحملون نظرة سلبية تجاه إسرائيل، مقارنة بـ53% في عام 2025 و42% في عام 2022. والأكثر دلالة أن نسبة الآراء «السلبية جداً» كادت أن تتضاعف ثلاث مرات خلال أربع سنوات، إذ ارتفعت من 10% عام 2022 إلى 28% عام 2026.
أما بين الشباب، فيبدو التراجع أكثر حدة. فبحسب استطلاع أجرته NBC News، لا تتجاوز نسبة المؤيدين لإسرائيل بين الفئة العمرية من 18 إلى 34 عاماً 13%، مقابل 63% يحملون آراء سلبية تجاهها، في حين لم تتجاوز نسبة أصحاب النظرة السلبية 37% في عام 2023.
ويذهب استطلاع Yale Youth Poll إلى أبعد من ذلك، إذ يُظهر أن نحو نصف الأمريكيين دون الثلاثين عاماً يؤيدون وقف المساعدات العسكرية لإسرائيل بشكل كامل.
نسبة الجمهوريين الذين يحملون نظرة سلبية تجاه إسرائيل
أولاً: حرب غزة.
فبحسب المعهد الإسرائيلي لدراسات الأمن القومي (INSS)، تأثرت أوساط اليمين المتشدد كما اليسار بسيل الصور التي وثّقت المعاناة الإنسانية خلال عامين من الحرب، والتي ملأت وسائل الإعلام الغربية. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع ملحوظ في المشاعر السلبية تجاه إسرائيل بين الشباب الأمريكي بمختلف توجهاتهم السياسية.
ثانياً: شعار “أمريكا أولاً” والنزعة الانعزالية داخل تيار MAGA.
فلم يعد انتقاد إسرائيل حكراً على شخصيات هامشية أو معزولة. إذ انضم عدد متزايد من الجمهوريين الشباب إلى التيار الانعزالي المرتبط بحركة MAGA، إضافة إلى بعض المحافظين المسيحيين، في انتقادهم لإسرائيل مع استمرار الحرب لفترة طويلة.
ويقود هذا التوجه عدد من الأصوات المؤثرة، من بينهم تاكر كارلسون، وستيف بانون، ومارجوري تايلور غرين. وقد ذهبت الأخيرة إلى أبعد من غيرها، بعدما أصبحت أول جمهورية في الكونغرس تصف ما جرى في غزة بأنه «إبادة جماعية»، وتطالب بتسجيل لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (AIPAC) كجماعة ضغط أجنبية، وتصوّت لصالح وقف المساعدات العسكرية لإسرائيل.
ثالثاً: العامل الاقتصادي، وهو عامل شديد التأثير لدى جيل يعاني من ضغوط معيشية متزايدة.
فاستطلاع أجراه IMEU وYouGov في أواخر عام 2025 أظهر أن 74% من الجمهوريين دون سن 45 عاماً يعتقدون أن الأموال العامة المخصصة لتسليح إسرائيل ينبغي إعادة توجيهها نحو خفض تكاليف الرعاية الصحية داخل الولايات المتحدة.
هذا التحول لا يقتصر على الاعتبارات الأيديولوجية أو النزعات السلمية، بل ترافقه أيضاً بعض الانحرافات التي ينبغي التمييز بينها وبين النقد السياسي المشروع.
فقد أشار المعهد الإسرائيلي لدراسات الأمن القومي إلى أن تحقيقاً نشره موقع Politico كشف عن مجموعة مراسلة تضم قيادات شابة في الحزب الجمهوري، معظمهم في العشرينات والثلاثينات من العمر، تضمنت رسائلها مضامين معادية للسامية وعنصرية. كما أن شخصيات مثل كانديس أوينز تروّج لنظريات مؤامرة معادية لليهود، وهي ممارسات باتت، بحسب المعهد، أكثر شيوعاً بين بعض الشباب المحافظين الناشطين سياسياً.
من جهتها، اتهمت هيلاري كلينتون منصة TikTok بالمساهمة في تنامي رفض إسرائيل لدى شباب أمريكيين «أذكياء ومتعلمين»، معتبرة أنهم يتعرضون لمقاطع فيديو قصيرة يكون بعضها «مختلقاً بالكامل».
ورغم جاذبية هذه الفرضية بالنسبة للسياسيين، فإنها تميل إلى اختزال تحول عميق ومتعدد الأسباب في مجرد تأثير خوارزميات المنصات الرقمية.
القضية تتجاوز حدود الرأي العام.
فبحسب Chicago Council، ظلّ التحالف الأمني الأمريكي ـ الإسرائيلي لسنوات طويلة أحد أبرز ملفات الإجماع بين الحزبين الرئيسيين في الولايات المتحدة. غير أن بيانات عام 2025 تشير إلى أن هذا الإجماع بدأ يتصدع، ليس فقط بين الديمقراطيين والجمهوريين، بل أيضاً داخل كل حزب على حدة، وفق خطوط فاصلة تجمع بين الاعتبارات الجيلية والأيديولوجية.
وأبرز مؤشر على ذلك هو التراجع الكبير في جاذبية أكبر جماعة ضغط مؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة.
فعند سؤال الجمهوريين عن تفضيلاتهم الانتخابية، قال 16% فقط إنهم يفضلون مرشحاً يحظى بدعم لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (AIPAC)، مقابل 39% يفضلون مرشحاً يرفض هذا الدعم. أما لدى الديمقراطيين، فإن نحو نصف المشاركين في الانتخابات التمهيدية التنافسية يؤكدون أنهم لا يستطيعون «أبداً» دعم مرشح يتلقى تمويلاً من اللجنة.
ما دام دونالد ترامب يهيمن على الحزب الجمهوري، فإن التأثير السياسي لهذا التحول يبقى محدوداً نسبياً.
ويشير المعهد الإسرائيلي لدراسات الأمن القومي إلى أن سيطرة ترامب على الحزب، إلى جانب مواقفه المؤيدة لإسرائيل، تشكل حالياً سقفاً يحدّ من انعكاسات هذه الاتجاهات الجديدة. غير أن المذكرة المنظمة للمساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل تنتهي صلاحيتها تحديداً في عام 2028.
ومن هنا يبرز السؤال الحقيقي: ماذا بعد ترامب؟
يرى محللون أن الحزب الجمهوري سيجد نفسه أمام خيارين متباينين: نموذج ماركو روبيو، الذي يجسد المدرسة التقليدية المؤيدة لإسرائيل والداعمة لدور أمريكي قوي عالمياً، أو نموذج جي دي فانس، الذي قد يدفع تيار MAGA نحو توجه أكثر انعزالية بكثير.
وقد وصف أحد المخضرمين في العلاقات الأمريكية ـ الإسرائيلية الوضع الحالي بأنه أسوأ أزمة تشهدها هذه العلاقات منذ ما يقرب من أربعين عاماً.
بالنسبة إلى العالم العربي والجاليات العربية في الخارج، يمثل هذا التحول مؤشراً بالغ الدلالة: فالمعركة على الرأي العام الأمريكي، التي بدا حسمها سابقاً أمراً شبه مستحيل، تشهد اليوم تغيراً واضحاً في موازينها.
لكن ذلك يتطلب أيضاً قدراً من الوضوح والواقعية.
فجزء من هذا الرفض ينبع من مطالبة بالعدالة للفلسطينيين، وهي قضية يتقاسمها كثيرون. غير أن جزءاً آخر، أكثر التباساً، يرتبط بنزعات الانكفاء والهويات المغلقة، وهي نزعات قد تستهدف أيضاً الأفارقة والمسلمين وغيرهم من الفئات.
والخلط بين هذين البعدين سيكون خطأً في التقدير والتحليل.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية