آخر الأخبار

بولونيا : وارسو تسحب من زيلينسكي أرفع وسام في البلاد، وكييف تندد بـ«إهانة»

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

قرر الرئيس البولوني كارول ناوروتسكي سحب وسام النسر الأبيض، أعلى وسام شرفي في بولونيا، من الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. ويعيد هذا القرار إلى الواجهة نزاعاً تاريخياً شديد الحساسية بين وارسو وكييف يتعلق بـالجيش الأوكراني المتمرد (UPA)، الذي تتهمه بولونيا بالمشاركة في مجازر أودت بحياة عشرات الآلاف من المدنيين البولنديين خلال الحرب العالمية الثانية.

وجاءت هذه الخطوة بعد قرار زيلينسكي منح إحدى وحدات القوات الخاصة الأوكرانية لقب «أبطال UPA»، في إشارة إلى الجيش الأوكراني المتمرد. وفي كييف، وُصفت الخطوة البولندية بأنها خطأ استراتيجي وإهانة سياسية، بينما ترى وارسو أنها تأتي وفاءً لذكرى الضحايا.

غير أن توقيت هذه القضية يمنحها أبعاداً أوسع بكثير، إذ اندلعت الأزمة في وقت لا تزال فيه بولندا من أبرز الداعمين لأوكرانيا في مواجهة روسيا، وقبل أيام قليلة من انعقاد مؤتمر مهم في مدينة غدانسك مخصص لإعادة إعمار أوكرانيا.

وسام ذو رمزية كبيرة

يُعد وسام النسر الأبيض أعلى وسام تمنحه الدولة البولندية.

وكان فولوديمير زيلينسكي قد تسلّمه في أفريل 2023 من الرئيس البولندي السابق أندجي دودا، تقديراً لدوره في الدفاع عن أوكرانيا، وتعزيز الأمن الأوروبي، وتقوية العلاقات بين وارسو وكييف في أعقاب الغزو الروسي.

ومن خلال قراره سحب هذا الوسام، لا يعلن كارول ناوروتسكي رسمياً إنهاء التحالف الاستراتيجي مع أوكرانيا، لكنه يوجّه رسالة سياسية شديدة اللهجة.

فالرسالة واضحة: بالنسبة للرئاسة البولندية، لا يمكن للدعم العسكري والدبلوماسي المقدم إلى كييف أن يمحو الخلافات التاريخية التي لم تُحل بعد.

وفي إعلانه القرار، أكد ناوروتسكي أن «الحقيقة التاريخية ليست ولن تكون أبداً ورقة للمساومة». وأضاف أن بولندا طلبت مراراً من أوكرانيا التراجع عن قرار تسمية وحدة عسكرية باسم مرتبط بـ«UPA»، من دون أن تلقى أي استجابة.

لماذا لا يزال ملف «UPA» شديد الحساسية؟

تكمن جذور الأزمة في إرث الجيش الأوكراني المتمرد (UPA).

فبالنسبة لشريحة من الرأي العام الأوكراني، لا يزال هذا التنظيم يُنظر إليه باعتباره رمزاً للمقاومة الوطنية ضد الهيمنة السوفياتية والنضال من أجل استقلال أوكرانيا.

أما في بولونيا، فالصورة مختلفة تماماً.

إذ تتهم وارسو القوميين الأوكرانيين بلعب دور محوري في مجازر فولين وغاليسيا الشرقية بين عامي 1943 و1945. ويقدّر مسؤولون ومؤرخون بولنديون عدد الضحايا البولونيين بنحو 100 ألف شخص. كما قُتل آلاف الأوكرانيين في أعمال انتقامية متبادلة.

وقد اعترف البرلمان البولندي بهذه المجازر باعتبارها إبادة جماعية. أما في أوكرانيا، فما زالت ذاكرة تلك الحقبة أكثر تعقيداً وانقساماً، بين تمجيد بعض المقاتلين القوميين، والاعتراف الجزئي بأعمال العنف، والرغبة في عدم إضعاف رموز المقاومة الوطنية في ظل الحرب المستمرة ضد روسيا.

وهذا التباين في الذاكرة التاريخية هو تحديداً ما يجعل الأزمة شديدة القابلية للاشتعال.

القرار الأوكراني الذي أشعل الأزمة

تصاعد التوتر في أواخر ماي عندما وقّع زيلينسكي مرسوماً يمنح إحدى وحدات القوات الخاصة الأوكرانية لقب «أبطال UPA».

وفي وارسو، اعتُبر القرار استفزازاً يمس الذاكرة التاريخية.

وكان كارول ناوروتسكي قد طلب في البداية دراسة إمكانية سحب وسام النسر الأبيض من قبل الهيئة المشرفة على الوسام. كما ألمحت الرئاسة البولندية لاحقاً إلى أن زيلينسكي لا يزال قادراً على تجنب هذه العقوبة إذا تراجعت كييف عما وصفته وارسو بالخطأ.

لكن بعد عدم سحب القرار الأوكراني، مضى ناوروتسكي في تنفيذ تهديده.

وأضفت الخطوة البولندية بذلك بعداً مؤسسياً على الخلاف، فلم يعد الأمر يقتصر على انتقادات أو تصريحات سياسية، بل أصبح يتعلق بسحب رسمي لأرفع وسام في البلاد.

كييف: قرار يخدم موسكو

جاء الرد الأوكراني سريعاً. فقد وصف وزير الخارجية الأوكراني أندري سيبيها القرار بأنه متسرع وخطير من الناحية الاستراتيجية. واعتبر أن تجريد زيلينسكي من وسام النسر الأبيض لا يخدم أي طرف سوى موسكو.

وتستند حجة كييف إلى منطق واضح: ففي وقت تسعى فيه روسيا إلى إحداث انقسامات بين حلفاء أوكرانيا، فإن أي أزمة علنية بين وارسو وكييف من شأنها إضعاف الجبهة الدبلوماسية الغربية الداعمة لأوكرانيا.

كما أعلن مسؤولون أوكرانيون آخرون عزمهم إعادة أوسمة بولندية كانوا قد حصلوا عليها منذ بداية الحرب.

ويُظهر هذا الرد أن الأزمة لم تعد تقتصر على زيلينسكي وناوروتسكي، بل بدأت تمتد إلى مجمل العلاقات السياسية بين العاصمتين.

دونالد توسك يسعى إلى احتواء الأزمة

قرار ناوروفسكي لا يحظى بإجماع داخل بولندا. فقد دعا رئيس الوزراء دونالد توسك الطرفين إلى تجنب التصعيد، في وقت تدعم فيه حكومته أوكرانيا بقوة. ويرى توسك أن المستفيد الرئيسي من اندلاع صراع مفتوح بين البولنديين والأوكرانيين سيكون روسيا.

ويعكس هذا الخلاف أيضاً التوترات الداخلية التي تشهدها الساحة السياسية البولندية.

فناوروفسكي، الرئيس المحافظ قومياً، يجعل من الذاكرة التاريخية أحد أبرز مرتكزات خطابه السياسي. أما توسك، الذي يقود حكومة مؤيدة لأوروبا، فيسعى إلى الحفاظ على التحالف الاستراتيجي مع كييف رغم الخلافات القائمة.

وبذلك تجد بولندا نفسها أمام خطين سياسيين متوازيين:

– الرئاسة تشدد على الذاكرة الوطنية وضرورة الاعتراف بجرائم الماضي.

– الحكومة تسعى إلى منع الخلافات التاريخية من إضعاف الدعم المقدم لأوكرانيا في وقت لا تزال فيه الحرب مستمرة.

أسوأ توقيت ممكن

يزيد التوقيت من حساسية الأزمة بشكل خاص، إذ اندلعت قبل أيام قليلة من مؤتمر مخصص لإعادة إعمار أوكرانيا، من المقرر عقده في مدينة غدانسك المطلة على بحر البلطيق.

ومن المنتظر أن يجمع المؤتمر مسؤولين سياسيين ومؤسسات تمويل وشركات وشركاء دوليين لمناقشة مرحلة ما بعد الحرب والاحتياجات الهائلة لإعادة إعمار أوكرانيا.

وكانت بولندا تعتزم الظهور خلال هذا الحدث كفاعل رئيسي بحكم موقعها كدولة مجاورة، وداعم عسكري، وممر لوجستي، وبلد استضاف أعداداً كبيرة من اللاجئين، إضافة إلى كونها مستفيداً اقتصادياً محتملاً من مشاريع إعادة الإعمار.

غير أن الخلاف المرتبط بوسام النسر الأبيض يشوش هذه الرسالة، إذ قد يحول الأنظار من تمويل إعادة الإعمار إلى نزاع تاريخي لم يُحسم بعد. كما يمكن أن يعقّد مشاركة زيلينسكي أو يحول مناسبة اقتصادية إلى ساحة توتر دبلوماسي.

لذلك يبدو التوقيت سيئاً بالنسبة لوارسو، وسيئاً بالنسبة لكييف، ومثالياً بالنسبة لموسكو.

تحالف استراتيجي لم يخلُ يوماً من التوتر

منذ اندلاع الحرب مع روسيا، كانت بولندا أحد أهم الداعمين لأوكرانيا.

فقد استقبلت مئات الآلاف من اللاجئين الأوكرانيين، وسهّلت نقل المساعدات العسكرية الغربية، ودعت إلى تشديد الموقف الأوروبي تجاه موسكو، كما دعمت طموحات كييف الأوروبية والأطلسية.

لكن هذا التضامن لم ينجح أبداً في محو جميع الخلافات.

فقد اختلف البلدان سابقاً بشأن واردات الحبوب الأوكرانية، والتعويضات الزراعية، والمنافسة الاقتصادية، وحقوق شركات النقل.

ومع ذلك، يبقى الخلاف المتعلق بذاكرة أحداث فولينيا الأكثر حساسية، لأنه يرتبط بالهوية الوطنية، وبضحايا المجازر المدنية، وبالطريقة التي يروي بها كل شعب تاريخه الخاص.

المخاطر السياسية بالنسبة لأوكرانيا

تمثل هذه القضية إحراجاً للرئيس فولوديمير زيلينسكي. فأوكرانيا بحاجة إلى بولندا في مجالات الدفاع واللوجستيات والوصول إلى أوروبا وإعادة الإعمار.

لكن الرئيس الأوكراني لا يستطيع أيضاً أن يبدو أمام الرأي العام الداخلي وكأنه يتخلى عن رموز قومية تُستخدم في سردية المقاومة ضد موسكو.

وهنا تكمن المعضلة: فما يُنظر إليه في أوكرانيا باعتباره تكريماً للنضال ضد روسيا، قد يُستقبل في بولندا باعتباره إهانة لضحايا المجازر. وهذا التناقض يضع كييف في موقف بالغ الحساسية.

فالتراجع ستكون له كلفة سياسية مرتفعة.

أما عدم التراجع، فيغذي أزمة مع أحد أهم شركائها.

المخاطر السياسية بالنسبة لبولندا

يحمل قرار ناوروفسكي بدوره مخاطر بالنسبة لوارسو. فمن خلال معاقبة زيلينسكي رمزياً، قد تنجح الرئاسة البولندية في إرضاء جزء من الرأي العام المتمسك بذاكرة فولينيا.

لكنها في الوقت نفسه تعطي انطباعاً بأن بولندا منقسمة بشأن استراتيجيتها تجاه أوكرانيا.

وعلى الصعيد الخارجي، قد يثير هذا الموقف قلق الشركاء الأوروبيين والأمريكيين الذين يعوّلون على وارسو باعتبارها أحد أعمدة الرد الغربي على روسيا.

أما داخلياً، فإنه يزيد من حدة التنافس بين مؤسسة الرئاسة والحكومة.

وبالتالي، لا تقتصر المسألة على بعدها التاريخي فحسب، بل تشمل أيضاً بعداً مؤسساتياً يتمثل في السؤال التالي: من يحدد السياسة البولندية تجاه أوكرانيا، الرئيس أم الحكومة؟

موسكو… المستفيد الواضح من الخلاف

هذه هي النقطة التي يفترض أن تتمكن وارسو وكييف من الاتفاق بشأنها.

فروسيا تملك مصلحة واضحة في استغلال الانقسامات المرتبطة بالذاكرة التاريخية بين البولنديين والأوكرانيين.

ومنذ بداية الحرب، سعت موسكو إلى تصوير أوكرانيا باعتبارها دولة قومية متطرفة أو جاحدة تجاه جيرانها.

ويمنحها الجدل الدائر حول جيش التمرد الأوكراني (UPA) أرضية مثالية لتحقيق ذلك.

فهو يسمح للدعاية الروسية بتغذية الشكوك البولندية تجاه كييف، وفي الوقت نفسه تعزيز الشكوك الأوكرانية تجاه وارسو.

ولهذا السبب يدعو عدد من المسؤولين، بمن فيهم مسؤولون بولنديون، إلى معالجة القضايا التاريخية دون المساس بالتضامن الاستراتيجي.

ما الذي يغيّره ذلك بالنسبة للمنطقة؟

تُذكّر هذه الأزمة بحقيقة كثيراً ما يتم تجاهلها: إن مستقبل أوكرانيا لا يعتمد فقط…

احصل على النشرة الإخبارية اليومية لـ تونسي رقمية مجانًا

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

لقد اشتركت بنجاح في نشرتنا الإخبارية.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة:
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا