آخر الأخبار

تونس تطلق أكبر مراجعة لنموذجها التنموي منذ عقود

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

يمثل مشروع القانون المتعلق بالمصادقة على مخطط التنمية 2026-2030 إحدى أهم الوثائق الاستراتيجية التي ستؤطر السياسات العمومية خلال السنوات الخمس المقبلة، باعتباره يضع أسس نموذج تنموي جديد يسعى إلى تجاوز الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والمؤسساتية التي تراكمت على امتداد السنوات الماضية.

ويأتي هذا المخطط في مرحلة دقيقة من تاريخ الاقتصاد الوطني، حيث تواجه البلاد تحديات متشابكة تتعلق بالنمو الاقتصادي والتشغيل والمديونية واتساع الفوارق الجهوية فخلال الفترة 2011-2025 لم يتجاوز متوسط النمو الاقتصادي السنوي 1.7%، وهو ما انعكس سلبا على الاستثمار والتشغيل ومستويات الدخل.

وتبرز المؤشرات الكلية حجم التحدي الذي يواجهه المخطط الجديد، إذ بلغ الدين العمومي نحو 135 مليار دينار سنة 2025، أي ما يناهز 80% من الناتج المحلي الإجمالي، في حين استقر عجز الميزانية حول 6% من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات الأخيرة. كما ظل معدل الاستثمار الوطني يدور بين 14% و15% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل أكثر من 24% في العديد من الاقتصادات الصاعدة التي حققت قفزات تنموية مهمة.

اعتماد التخطيط التصاعدي

يشكل اعتماد المنهج التصاعدي في إعداد المخطط أحد أبرز التحولات المؤسساتية التي تضمنتها الوثيقة الجديدة ذلك انه بدلا من اعتماد المقاربة المركزية التقليدية، انطلقت عملية إعداد المخطط من المستوى المحلي مرورا بالمستوى الجهوي ثم الإقليمي وصولا إلى المستوى الوطني.

ويكتسي هذا الخيار أهمية خاصة في ظل استمرار التفاوت التنموي بين الجهات بحكم ان ولايات الشمال الشرقي والساحل تستقطب أكثر من 70% من الاستثمارات الخاصة المصرح بها، بينما لا تتجاوز حصة بعض الولايات الداخلية مجتمعة 15% من إجمالي الاستثمارات الوطنية. ويهدف هذا التوجه إلى جعل الحاجيات التنموية الفعلية للجهات أساسا لتحديد الأولويات الاستثمارية، بما يعزز نجاعة الإنفاق العمومي ويرفع مردودية المشاريع التنموية ويضمن توزيعا أكثر عدالة للموارد الوطنية.

في ذات السياق، يرسخ المخطط البعد الاجتماعي باعتباره خيارا استراتيجيا ثابتا للدولة، من خلال التركيز على تقليص معدلات الفقر والهشاشة وتعزيز الحماية الاجتماعية وتكافؤ الفرص. وتبرز أهمية هذا التوجه بالنظر إلى أن نسبة البطالة ما تزال تقارب 15.7% على المستوى الوطني، بينما تتجاوز 37% لدى حاملي الشهادات العليا في بعض الفترات. كما تظل بطالة الشباب بين 15 و24 سنة من بين الأعلى في المنطقة، حيث تدور حول 38% .

في المقابل، ما تزال نسبة الفقر النقدي تناهز 15% وطنيا وفق أحدث التقديرات المتاحة، مع تسجيل نسب أعلى بكثير في بعض المناطق الداخلية. كما تشير البيانات إلى وجود تفاوت واضح في النفاذ إلى الخدمات الصحية والبنية الأساسية وفرص التشغيل بين الجهات.

ويستهدف المخطط تعزيز برامج الإدماج الاقتصادي والاجتماعي وتطوير الخدمات الأساسية وتحسين جودة التعليم والتكوين المهني، بما يرفع من إنتاجية رأس المال البشري الذي يمثل أحد أهم عناصر النمو طويل المدى.

توجيه الاستثمار نحو خلق القيمة المضافة

يراهن المخطط على تحقيق نقلة نوعية في هيكلة الاقتصاد الوطني عبر دعم القطاعات ذات القيمة المضافة العالية وتعزيز الابتكار والاقتصاد الرقمي والصناعات التكنولوجية والخدمات الحديثة. ويكتسب هذا التوجه أهمية خاصة باعتبار أن مساهمة الصناعات المعرفية والتكنولوجية ما تزال دون الإمكانات المتاحة، رغم أن صادرات الصناعات الميكانيكية والكهربائية أصبحت تمثل أكثر من 45% من إجمالي الصادرات الصناعية التونسية.

ويقتضي تحقيق الأهداف المعلنة رفع معدل الاستثمار تدريجيا إلى مستويات تتجاوز 20% من الناتج المحلي الإجمالي خلال أفق المخطط، بما يسمح بتحقيق معدلات نمو تفوق 4% سنويا وخلق عشرات الآلاف من مواطن الشغل الجديدة سنويا. كما يستوجب ذلك تعبئة موارد مالية ضخمة لتطوير البنية التحتية. وتقدر احتياجات الاستثمار العمومي في مجالات النقل والطرقات والسكك الحديدية والموانئ والمياه والطاقة بعشرات المليارات من الدنانير خلال السنوات المقبلة.

هذا ويفتح المخطط آفاقا واسعة أمام القطاع المالي والبنكي للاضطلاع بدور أكبر في تمويل التنمية والاستثمار المنتج. وتظهر المؤشرات أن القروض البنكية الممنوحة للاقتصاد تتجاوز حاليا 110 مليارات دينار، غير أن نسبة مهمة منها ما تزال موجهة لتمويل الحاجيات قصيرة الأجل والاستهلاك، مقابل حاجة متزايدة إلى توجيه التمويلات نحو الاستثمار والإنتاج والتجديد التكنولوجي.

كما يفرض تنفيذ المشاريع المبرمجة تطوير آليات التمويل طويل المدى وتنشيط السوق المالية وتعزيز دور مؤسسات الاستثمار وصناديق التمويل المتخصصة والشراكة بين القطاعين العام والخاص. ويكتسي هذا البعد أهمية إضافية بالنظر إلى أن نسبة الادخار الوطني ما تزال دون 10% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي من أدنى المستويات المسجلة خلال العقود الأخيرة، مما يحد من قدرة الاقتصاد على تمويل استثماراته ذاتيا.

تحقيق الأمن الغذائي والمائي والطاقي

يفرد المخطط حيزا مهما لمسألة الأمن الاستراتيجي بمختلف أبعاده الغذائية والمائية والطاقية، خاصة في ظل التحولات العالمية المتسارعة. وتستهلك تونس سنويا أكثر من 3 مليارات متر مكعب من المياه، في وقت تراجع فيه نصيب الفرد من الموارد المائية إلى أقل من 400 متر مكعب سنويا، وهو مستوى يصنف ضمن خانة الشح المائي الحاد عالميا.

كما تواصل البلاد تسجيل عجز طاقي هيكلي، حيث تغطي الموارد الوطنية أقل من نصف الحاجيات من الطاقة الأولية، بينما تتجاوز فاتورة الطاقة في بعض السنوات 15 مليار دينار تبعا لتقلبات الأسعار العالمية. وفي المجال الغذائي، تمثل الواردات من الحبوب والزيوت والسكر جزءا مهما من الواردات الاستراتيجية، الأمر الذي يجعل تعزيز الإنتاج الوطني وتطوير المنظومات الفلاحية أولوية اقتصادية وأمنية في آن واحد.

ويعتمد المخطط لأول مرة منظومة متابعة وتقييم دورية تشمل إعداد تقرير سنوي ضمن الميزان الاقتصادي وتقرير نصف مرحلي لتقييم مدى التقدم في تنفيذ الأهداف والسياسات المبرمجة. ويعكس هذا التوجه انتقالا من منطق التخطيط القائم على الأهداف النظرية إلى منطق التخطيط القائم على النتائج والمؤشرات القابلة للقياس، بما يسمح بتقييم الأداء وتعديل السياسات وفق المتغيرات الاقتصادية المحلية والدولية.

لا يمثل مخطط التنمية 2026-2030 مجرد برنامج حكومي جديد، بقدر ما يشكل محاولة لإعادة بناء العقد التنموي بين الدولة والمجتمع والجهات والفاعلين الاقتصاديين. ويمكن نجاح الإصلاحات المرافقة له في رفع الاستثمار وتحسين الإنتاجية وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، لتكون تونس أمام فرصة حقيقية لاستعادة مسار نمو أكثر استدامة وشمولا خلال السنوات المقبلة، وتحويل التحديات الاقتصادية الراهنة إلى رافعة لبناء اقتصاد أكثر تنافسية وعدالة وقدرة على الصمود.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة: أكبر مراجعة , تونس , نموذج التنموي
لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا