آخر الأخبار

عيد الأم : لماذا تحتفل تونس به اليوم وليس في 21 مارس مثل مصر؟

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

من معلّم في إيزير إلى الإلهة اليونانية ريا، مرورًا بصحفية أمريكية وصحفي مصري: التاريخ العالمي لعيد يُحتفل به في تواريخ مختلفة حسب البلدان

يحتفل التونسيون، اليوم الأحد 31 ماي 2026، بأمهاتهم. وهو التاريخ نفسه الذي تحتفل فيه فرنسا والمغرب والجزائر والسنغال، لكنه ليس التاريخ ذاته الذي تحتفل فيه مصر ولبنان ودول الخليج، التي احتفلت بعيد الأم قبل أكثر من شهرين.

و من اللافت أنه داخل العالم العربي نفسه، يُحتفل بعيد الأم في تواريخ مختلفة بحسب المناطق. أما على مستوى العالم، فتوجد نحو خمسة عشر تاريخًا مختلفًا لهذه المناسبة.

و تاريخ هذا اليوم هو في الحقيقة قصة تراكم تقاليد متعاقبة، دينية وسياسية وثقافية، ترك كل منها أثره في تقاويم مناطق مختلفة من العالم.

جذور قديمة: ريا والماتروناليا والكنيسة الأم

قبل زمن باقات الورود وبطاقات التهنئة بوقت طويل، كانت فكرة تكريم الأمومة موجودة في عدة حضارات، من دون أن يكون ذلك «عيدًا للأم» بالمعنى الحديث.

فقد كان اليونانيون يكرّمون ريا، أم الآلهة، خلال طقوس ربيعية. أما الرومان فكانوا يحتفلون بالنساء المتزوجات خلال عيد «الماتروناليا» في 1 مارس. وفي العصور الوسطى، أرست إنجلترا المسيحية تقليد «أحد الأمومة»، وهو الأحد الرابع من الصوم الكبير، وكان في الأصل يومًا يعود فيه المؤمنون إلى «كنيستهم الأم»، أي الكنيسة التي جرى فيها تعميدهم.

ومع مرور الوقت، أصبح الخدم والمتدربون يستفيدون من هذا اليوم كعطلة لزيارة أمهاتهم، فتحوّل التقليد الديني تدريجيًا إلى مناسبة عائلية.

وقد غذّت هذه السوابق الثقافية المخيال المرتبط بالعيد، لكن شكله الحديث أحدث بكثير.

الاختراع الأمريكي لآنا جارفيس سنة 1908

وُلد عيد الأم كما نعرفه اليوم في بداية القرن العشرين في الولايات المتحدة. ففي سنة 1908، نظمت آنا جارفيس أول احتفال تكريمًا لوالدتها ونضالها ضد وفيات الأطفال. وفي سنة 1914، أقر الرئيس وودرو ويلسون هذا الموعد رسميًا على المستوى الوطني.

ثم انتشر النموذج الأمريكي، القائم على الاحتفال بالأمهات في الأحد الثاني من شهر ماي، في العالم الناطق بالإنجليزية وخارجه، مدفوعًا بالتأثير الثقافي للولايات المتحدة، وكذلك بدور بائعي الزهور الذين رأوا فيه فرصة تجارية غير مسبوقة.

ومن مفارقات التاريخ أن آنا جارفيس نفسها انتهت إلى محاربة الطابع التجاري للعيد الذي أسسته.

فبالنسبة إلى آنا جارفيس، كان يفترض أن يبقى العيد لحظة حميمة: رسالة مكتوبة بخط اليد إلى الأم، وقرنفل أبيض، وأحد للتأمل والامتنان. وكانت تنظر بسخط شديد إلى استغلال المناسبة من قبل بائعي الزهور وصانعي الحلويات، ولا سيما مصنعي البطاقات المطبوعة مسبقًا.

و كانت تقول: «البطاقة المطبوعة لا تعني شيئًا سوى أنك كسول جدًا لدرجة أنك لا تكتب للمرأة التي فعلت من أجلك أكثر مما فعل أي شخص آخر في العالم».

و ابتداءً من عشرينات القرن الماضي، دخلت في مواجهة مفتوحة مع الصناعة التي أطلقتها دون قصد: مظاهرات، وقضايا أمام المحاكم، وشكاوى ضد جمعيات خيرية كانت تبيع القرنفل، بل وحتى توقيف في فيلادلفيا سنة 1925.

و قد أنفقت ثروة عائلتها كلها في هذه المعركة، من دون أن تجني سنتًا واحدًا من السوق التي تسببت في نشأتها. وتوفيت آنا جارفيس سنة 1948 في دار رعاية، مفلسة، في مفارقة أخيرة، إذ تكفل مجهولون من بائعي الزهور الذين قضت حياتها في محاربتهم بجزء من تكاليف إقامتها.

فرنسا: ولادة قروية وترسيم متأخر

في فرنسا، القصة مختلفة. فقد نُظمت أول مراسم تكريم للأمهات، وخصوصًا أمهات العائلات كثيرة الأبناء، سنة 1906 في قرية أرتاس بمنطقة إيزير، بمبادرة من المعلّم بروسبر روش. ثم في سنة 1918، وبعد الحرب، كرّمت مدينة ليون النساء اللواتي فقدن أبناءهن وأزواجهن.

و كان الهدف الأول ديمغرافيًا: تشجيع الإنجاب بعد الحرب العالمية الأولى التي أضعفت السكان في فرنسا. ثم استُعيدت المناسبة من قبل نظام فيشي في 1941 و1942 ضمن المنطق الديمغرافي نفسه. ولم يتم تقنينها فعليًا إلا بعد الحرب، إذ حدد قانون 24 ماي 1950 عيد الأم في الأحد الأخير من شهر ماي، إلا إذا تزامن ذلك مع عيد العنصرة، فيؤجل إلى الأحد الأول من شهر جوان.

و لماذا لم تعتمد فرنسا التاريخ الأمريكي؟ يعود ذلك أساسًا إلى العيد الوطني لجان دارك، الذي يُحتفل به في الأحد الثاني من ماي. وهذا الازدحام في التقويم رسم، من دون قصد، الخصوصية الفرنسية، ومعها خصوصية جزء من المغرب العربي.

الحالة التونسية: بين الإرث الفرنسي والهوية المغاربية

هنا يصبح التاريخ مثيرًا للاهتمام بشكل خاص بالنسبة إلى تونس. فعدة بلدان عربية، ولا سيما مصر والأردن ولبنان وسوريا ودول الخليج، تحتفل بعيد الأم يوم 21 مارس، وهو تاريخ يرتبط رمزيًا بالربيع في العالم العربي. أما في المغرب العربي، فالوضع أكثر تباينًا: إذ ترتبط تونس والمغرب والجزائر، في معظم التقاويم الدولية، بالأحد الأخير من شهر ماي.

أما تاريخ 21 مارس فله أصل محدد. ففي سنة 1956، أسس الصحفي المصري مصطفى أمين «عيد الأم العربي»، وحدد له نهائيًا هذا التاريخ، باعتباره رمزًا للتجدد الربيعي. وكانت مقالته في صحيفة «أخبار اليوم» تقدم الأمومة بوصفها رمزًا للتجدد، منسجمًا مع المعنى الموسمي لهذا الوقت من السنة. وقد لاقت الفكرة رواجًا، فانتشر العيد سريعًا في جزء من العالم العربي، لكن ليس في كامل المغرب العربي.

فقد حافظت تونس على تاريخ الأحد الأخير من ماي، القريب من التقويم الفرنسي، ما يميزها عن بلدان الشرق الأوسط التي تحتفل يوم 21 مارس. لذلك يحتفل التونسيون اليوم، الأحد 31 ماي 2026، بعيد الأم، وفقًا للأحد الأخير من ماي.

و بالنسبة إلى الجالية، فإن هذه الخصوصية تجعل التونسيين المقيمين في مصر أو لبنان أو دول الخليج قد احتفلوا بأمهاتهم يوم 21 مارس، بينما احتفل التونسيون المقيمون في كندا أو الولايات المتحدة أو بلجيكا أو سويسرا يوم 10 ماي الماضي. أما تونسيّو فرنسا والمغرب والجزائر وتونس، فيحتفلون اليوم 31 ماي.

جولة حول العالم في التواريخ والعادات

يوضح هذا الجدول أبرز تواريخ سنة 2026، ويختصر تنوع الاحتفال عالميًا:

البلد / المنطقة تاريخ 2026 الخلفية النرويج 8 فيفري الأحد الثاني من فيفري، وفق تقليد وطني المملكة المتحدة وإيرلندا 15 مارس أحد الأمومة، الأحد الرابع من الصوم الكبير روسيا وألبانيا وبلغاريا 8 مارس اليوم العالمي لحقوق المرأة مصر ولبنان والأردن ودول الخليج 21 مارس تقليد عربي أُطلق في مصر سنة 1956، ويرمز إلى الربيع إسبانيا والبرتغال 3 ماي الأحد الأول من ماي، وفق تقليد كاثوليكي مريمي الولايات المتحدة وكندا وبلجيكا وسويسرا وألمانيا وإيطاليا وأستراليا واليابان والبرازيل 10 ماي الأحد الثاني من ماي، وفق نموذج آنا جارفيس بولندا 26 ماي تاريخ ثابت فرنسا وتونس والمغرب والجزائر والسنغال 31 ماي الأحد الأخير من ماي تايلاند 12 أوت ذكرى ميلاد الملكة سيريكيت

أما من حيث العادات، فتترك كل ثقافة بصمتها الخاصة.

في الولايات المتحدة، تقضي التقاليد بارتداء زهرة قرنفل: حمراء إذا كانت الأم على قيد الحياة، وبيضاء إذا كانت متوفاة. كما تمتلئ المطاعم في ذلك الأحد، الذي يُعد إحصائيًا اليوم الذي يتصل فيه الناس بأمهاتهم أكثر من أي يوم آخر في السنة.

و في المملكة المتحدة، يُهدى تقليديًا «كعك السيمنيل»، وهو كعك بالفواكه مزين بكرات من عجينة اللوز. وكان الأطفال في الماضي يقطفون الزهور البرية في طريقهم إلى الكنيسة ليقدموها إلى أمهاتهم.

و في اليابان، يقدم الأطفال أزهار القرنفل الحمراء، وغالبًا ما يحضرون وجبة بأنفسهم، في منطق يقوم على الخدمة أكثر من الهدية المادية.

و في المكسيك وجزء كبير من أمريكا اللاتينية، يُعد عيد الأم من أهم المناسبات في التقويم العائلي. وتُحجز فرق المارياتشي قبلُحجز فرق أشهر لتقديم أغانٍ ليلية، كما تنظم المدارس عروضًا فنية متقنة.

و في جزء من العالم العربي، يتميز يوم 21 مارس بتكريمات إعلامية وقصائد وهدايا غالبًا ما تكون رمزية، مثل الحلي والعطور والملابس التقليدية. ولهذا العيد بعد عام أيضًا، من خلال البرامج الخاصة والحملات والاحتفالات داخل الإدارات.

أما في تونس، فالعيد أكثر حميمية، وهو طقس عائلي في نهاية شهر ماي: غداء أو عشاء في بيت الأم أو الجدة، وزهور، وأحيانًا حلي أو أوشحة، ومعها بشكل متزايد بطاقات هدايا ومشتريات عبر الإنترنت. كما تشهد محلات الحلويات التونسية ارتفاعًا كبيرًا في مبيعاتها، حيث تتحول المقروض والبقلاوة والصمصة إلى كلاسيكيات على مائدة الاحتفال.

عيد يتغير

بعيدًا عن التواريخ والأصول، يظل عيد الأم واحدًا من الأيام القليلة في التقويم العالمي التي تُحتفل بها في كل القارات، وفي كل الأديان، وبكل اللغات.

و تجعل اختلافات التواريخ هذه العالمية أكثر إنسانية وتأثيرًا: فكل ثقافة وجدت، وفق إيقاعها وتاريخها، يومها الخاص لتقول شكرًا.

و إذا كانت تونس تحتفل اليوم بدل 21 مارس، فهذا في النهاية رمز جميل لبلد يتبنى تعدد إرثه العربي والمتوسطي والفرنكوفوني، من دون أن يكون مضطرًا إلى الاختيار بينها.

عيد سعيد لكل أمهات تونس، ولكل أمهات الجالية اللواتي يحتفلن، أينما كنّ، بالموعد نفسه مع وطنهن.

احصل على النشرة الإخبارية اليومية لـ تونسي رقمية مجانًا

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

لقد اشتركت بنجاح في نشرتنا الإخبارية.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة:
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا