آخر الأخبار

هل للقطط الأوروبية أصول تونسية؟ ماذا تكشفه العلوم ؟

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

كشفت دراسة نُشرت في مجلة Science عن إعادة وضع شمال إفريقيا، وربما تونس القديمة، في قلب قصة انتشار القطط المنزلية نحو أوروبا. وهو اكتشاف مثير للاهتمام، شريطة ألا نحمّله أكثر مما تثبته الأدلة العلمية.

لا، لا تقول الدراسة إن «القط تونسي» بالمعنى المطلق. بل تقدّم استنتاجًا أكثر دقة، وهو في حد ذاته لافت: فالقطط المنزلية التي انتشرت في أوروبا يُرجّح أنها وصلت من شمال إفريقيا قبل نحو ألفي عام، عبر الطرق البحرية والتجارية في العصور القديمة.

وفي هذه القصة، تحتل تونس القديمة موقعًا محوريًا. فقد كانت قرطاج، ثم المقاطعة الرومانية الإفريقية، في قلب التبادلات بين شمال إفريقيا والبحر الأبيض المتوسط وأوروبا.

وسلكت القطط هذه المسارات نفسها، أولًا ضمن العالم الفينيقي والقرطاجي، ثم في إطار الإمبراطورية الرومانية.

اكتشاف نُشر في مجلة Science

في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، نشر فريق دولي بقيادة ماركو دي مارتينو من جامعة روما تور فيرغاتا دراسة في مجلة Science بعنوان: «انتشار القطط المنزلية من شمال إفريقيا إلى أوروبا قبل نحو ألفي عام».

واعتمدت الدراسة على قاعدة بيانات ضخمة تضم 225 عظمة لقطط منزلية وبرية جُمعت من 97 موقعًا أثريًا، تغطي فترة زمنية تمتد من نحو 10 آلاف سنة إلى القرن التاسع عشر. كما أعاد الباحثون بناء 70 جينومًا قديمًا، إلى جانب تحليل جينومات حديثة وأخرى محفوظة في المتاحف.

وقد قلبت النتائج سردية ظلّت مقبولة لعقود طويلة؛ إذ تشير إلى أن القطط المنزلية لم تصل إلى أوروبا مع أوائل المزارعين في العصر الحجري الحديث قبل 6 إلى 7 آلاف سنة، بل إن انتشارها الواسع كان أحدث بكثير، قبل نحو ألفي عام، مع بدايات العصر الإمبراطوري الروماني.

ما الذي كان يُعتقد سابقًا؟

على مدى عقود، بدا تاريخ القطط واضحًا. فقد ارتبط القط المنزلي بتطور الزراعة في الشرق الأدنى. ومع انجذاب القطط إلى القوارض التي كانت تقتات على مخازن الحبوب، اقتربت تدريجيًا من البشر، ثم رافقت المزارعين في توسعهم نحو أوروبا.

واستند هذا التصور خصوصًا إلى اكتشاف شهير في قبرص، حيث عُثر على قط مدفون إلى جانب إنسان قبل نحو 9500 عام. وقد دلّ هذا القبر على وجود علاقة قديمة بين البشر والسنوريات.

غير أن وجود علاقة قديمة لا يعني بالضرورة حدوث تدجين واسع النطاق أو انتشار مكتمل للقطط المنزلية في أوروبا. وهنا تحديدًا تأتي دراسة Science لتضيف مزيدًا من الدقة إلى الصورة.

التحول الكبير: قبل روما كانت أوروبا موطنًا أساسًا للقطط البرية

أظهرت الدراسة أن بقايا السنوريات التي عُثر عليها في أوروبا قبل العصر الروماني تعود في معظمها إلى قطط برية أوروبية، وليس إلى الأسلاف المباشرين للقطط المنزلية الحالية.

وبمعنى آخر، كانت هناك قطط في أوروبا قبل روما بالفعل، لكنها لم تكن، في أغلب الحالات التي شملتها الدراسة، تلك القطط المنزلية التي تعيش اليوم في البيوت الأوروبية.

أما التحول الحاسم فقد حدث قبل نحو ألفي عام. ففي تلك الفترة ظهرت في البيانات الجينية الأوروبية سلالة قادمة من شمال إفريقيا. وهذه السلالة تمثل جزءًا أساسيًا من الإرث الجيني للقطط المنزلية الأوروبية الحديثة.

قبل روما: الأثر القرطاجي

يمثل هذا الجانب أحد أكثر عناصر الدراسة أهمية بالنسبة إلى تونس، لأن القصة لا تبدأ مع الرومان فقط، بل قد تعود إلى زمن أسبق، إلى العالم الفينيقي والقرطاجي.

فقد ميّز الباحثون مرحلة أولى أقدم لوصول قطط برية شمال إفريقية إلى جزيرة سردينيا، ويرجّح أنها حدثت قبل نحو 2200 عام. وتُظهر هذه القطط خصائص جينية قريبة من القطط البرية في شمال إفريقيا. وفي تلك الحقبة كانت سردينيا جزءًا من المجال التجاري القرطاجي قبل أن تخضع للحكم الروماني.

ويجب توخي الحذر هنا؛ إذ لا يسمح الحمض النووي بتحديد هوية البحّارة الذين نقلوا هذه الحيوانات. غير أن السياق التاريخي يجعل الفرضية القرطاجية منطقية للغاية، خصوصًا أن الفينيقيين ثم القرطاجيين كانوا يسيطرون على طرق بحرية تربط شمال إفريقيا بسردينيا وصقلية وشبه الجزيرة الإيبيرية.

وربما سبقت السفن القرطاجية الفيالق الرومانية في نقل القطط. وربما شهدت شبكات قرطاج أول موجة لانتقال القطط القادمة من شمال إفريقيا قبل الانتشار الإمبراطوري الواسع.

ثم جاءت روما لتسرّع الانتشار

تمثلت الموجة الثانية الكبرى في انتشار القطط المنزلية بالمعنى الدقيق للكلمة. وقد حدث ذلك بعد نحو قرنين، خلال العصر الروماني، حين انتشرت القطط القادمة من شمال إفريقيا عبر الموانئ والطرق العسكرية والشبكات التجارية للإمبراطورية.

وأقدم قط منزلي أوروبي حددته الدراسة عُثر عليه في ماوترن بالنمسا، داخل موقع حصن روماني على نهر الدانوب. ويعود تاريخه إلى الفترة الممتدة بين نحو 50 قبل الميلاد و80 بعد الميلاد. كما عُثر على بقايا أخرى مشابهة للقطط المنزلية الحديثة في مواقع عسكرية وحضرية مرتبطة بروما.

وتبدو الصورة معبّرة: ففي غضون أجيال قليلة فقط، رافقت قطط قادمة من شمال إفريقيا البشر والبضائع والجنود حتى الأطراف الشمالية للإمبراطورية الرومانية.

قرطاج: ملتقى مثالي لهذه القصة

تنسجم هذه النتائج الجينية مع ما نعرفه عن تونس القديمة.

فبعد تدميرها سنة 146 قبل الميلاد، أعاد الرومان بناء قرطاج لتصبح واحدة من أكبر مدن الإمبراطورية. وتختلف التقديرات بحسب المصادر والفترات الزمنية، لكن عدد سكانها ربما بلغ مئات الآلاف في أوج ازدهارها، ما جعلها أحد أبرز المراكز الحضرية والموانئ في البحر المتوسط.

كما كانت المقاطعة الإفريقية الرومانية، التي شكّلت تونس الحالية قلبها النابض، من أهم خزانات القمح التي اعتمدت عليها روما. وكانت السفن تنقل الحبوب والزيت والجرار والبشر والأفكار والحيوانات نحو إيطاليا وسائر المقاطعات.

وفي هذا السياق، لا يبدو انتقال القطط أمرًا هامشيًا. فقد كانت تساعد في حماية شحنات الحبوب من القوارض على متن السفن، كما تحولت في المدن والموانئ إلى حيوانات أليفة نافعة وتحظى بتقدير رمزي.

أكثر من مجرد صيّادة للفئران

لا تختزل الدراسة دور القطط في مكافحة القوارض فقط، وهو أحد أبرز إسهاماتها.

وكما يوضح ماركو دي مارتينو، أصبحت القطط حيوانات مندمجة بعمق في المجتمعات البشرية والاقتصادات وحتى أنظمة المعتقدات.

ففي مصر القديمة ارتبطت القطط بالإلهة باستيت، واحتلت مكانة دينية بارزة. وفي العالمين اليوناني والروماني ارتبطت ببعض الآلهة الأنثوية. ثم ظهرت لاحقًا في أساطير شمال أوروبا إلى جانب شخصيات رمزية مثل فريا.

وهكذا، لم تنتقل القطط لأنها مفيدة فحسب، بل أيضًا لأنها كانت موضع اهتمام وتقدير، وأحيانًا حماية أو حتى تبجيل. ولذلك فإن انتشارها في أوروبا يمثل قصة تجارية وثقافية في آن واحد.

ما علاقة ذلك بتونس اليوم؟

ينحدر القط المنزلي من القط البري الإفريقي Felis lybica lybica. وتوجد هذه السلالة في عدة مناطق من شمال إفريقيا. وتنتمي تونس إلى هذا المجال الجغرافي الحيوي الذي تمتد إليه بعض جذور تاريخ القطط المنزلية.

لكن من المبالغة القول إن جميع القطط المنزلية «تأتي من تونس». فالعلم لا يقول ذلك. بل يشير إلى أن شمال إفريقيا لعب دورًا حاسمًا في نشر القطط المنزلية نحو أوروبا، وأن تونس القديمة، بحكم موقعها التاريخي والبحري والتجاري، تبدو إحدى المناطق المركزية في هذه القصة.

وهذا بحد ذاته أمر بالغ الأهمية، لأنه يعيد إدراج الأراضي التونسية ضمن شبكات تبادل قديمة لم تشمل الجيوش والبضائع والأفكار فقط، بل أيضًا الحيوانات التي رافقت المجتمعات البشرية.

ما الذي لا تقوله الدراسة؟

الحذر ضروري. وقد لخّص الباحث المشارك كلاوديو أوتوني الأمر بوضوح، مؤكدًا أن تدجين القطط عملية معقدة، وأن العلماء أصبحوا اليوم أكثر قدرة على تحديد موعد دخولها إلى أوروبا من شمال إفريقيا، لكنهم لا يستطيعون الجزم بما حدث قبل ذلك أو تحديد الموقع الدقيق الذي بدأت منه القصة.

لذلك يبقى أصل تدجين القطط مفتوحًا جزئيًا للنقاش. ومن المرجح أن يكون لكل من بلاد الشام ومصر وشمال إفريقيا، إضافة إلى التفاعلات بين هذه المناطق، دور مكمل في هذا المسار.

ومن ثم، فالصياغة الصحيحة ليست: «القطط جاءت من تونس»، بل: «إن تونس القديمة كانت على الأرجح إحدى نقاط الانطلاق الرئيسية لانتشار القطط المنزلية نحو أوروبا قبل نحو ألفي عام، عبر الشبكات القرطاجية ثم الرومانية».

وهذا الفارق في التعبير مهم، لأنه يمنع التوظيف الهوياتي المبالغ فيه، مع الاعتراف في الوقت نفسه بأهمية الاكتشاف.

أبحاث ما تزال متواصلة

لم تنتهِ القصة بعد. فهذه الدراسة تندرج ضمن برنامج علمي أوسع يُعرف باسم Project FELIX، ويهدف إلى تحليل أكثر من 800 عينة أثرية للقطط تغطي نحو عشرة آلاف سنة من التاريخ.

ويسعى المشروع إلى فهم أفضل لموعد وكيفية تقارب القطط مع البشر، وتطور جينومها، وطرق تكيفها مع البيئات التي أنشأتها المجتمعات الإنسانية.

وقد تسمح دراسات مستقبلية بتحديد أدق لدور تونس أو المغرب أو مصر أو بلاد الشام في هذه القصة.

اكتشاف يستحق أن يلفت انتباه تونس أيضًا

يحمل هذا الاكتشاف دلالة خاصة في بلد تنتشر فيه القطط في كل مكان: في الشوارع والأسواق والمقاهي والأحياء العتيقة والموانئ والحدائق والمواقع الأثرية.

ومع ذلك، لا تزال تونس تفتقر إلى بيانات عامة ومنهجية كافية حول تجمعاتها السنورية المحلية، سواء تعلق الأمر بالقطط المنزلية أو السائبة أو الهجينة أو البرية. كما أن المعلومات المتعلقة بأعدادها وصحتها وتلقيحها وتأثيرها البيئي وعلاقتها بالبشر ما تزال محدودة.

وربما هنا تكمن الفائدة الحقيقية لهذا الاكتشاف. فهو لا ينبغي أن يغذي شعورًا بالفخر التاريخي فقط، بل قد يشجع أيضًا على تطوير أبحاث تونسية حول حيوان رافق الحياة اليومية في البلاد منذ زمن طويل.

فالدولة التي ربما شكلت جسر عبور للقطط نحو أوروبا لا تزال حتى اليوم لا تملك صورة دقيقة عن قططها الخاصة.

وفي المحصلة، لا تروي الدراسة المنشورة في Science أسطورة وطنية، بل تقدم معطى جينيًا مهمًا: إذ يبدو أن القطط المنزلية انتشرت في أوروبا انطلاقًا من شمال إفريقيا قبل نحو ألفي عام، وأن تونس القديمة كانت إحدى أكثر نقاط العبور انسجامًا مع هذه الفرضية.

وتشكل قرطاج والطرق القرطاجية وموانئ إفريقيا الرومانية وسفن الحبوب والشبكات العسكرية الرومانية إطارًا تاريخيًا يتوافق تمامًا مع هذه النتائج.

ليست الخلاصة أن «القط تونسي»، بل ما هو أكثر دقة وإثارة للاهتمام: جزء من تاريخ القطط الأوروبية مرّ على الأرجح عبر تونس.

وأحيانًا تكون الدقة العلمية أكثر قيمة من أي شعار.

احصل على النشرة الإخبارية اليومية لـ تونسي رقمية مجانًا

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

لقد اشتركت بنجاح في نشرتنا الإخبارية.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة:
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا