آخر الأخبار

نيويورك تايمز: الطريقة التي أسقطت أوربان قد تُسقط ترامب أيضاً

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

أصبح سقوط فيكتور أوربان، الذي هيمن على الحياة السياسية المجرية طوال ستة عشر عاماً، مصدر إلهام لنقاشات تتجاوز حدود المجر. ففي مقال رأي نشرته صحيفة نيويورك تايمز، عرض الكاتب إم. غيسن هذا التحول التاريخي باعتباره نموذجاً يُحتذى به، ودليلاً على أن نظاماً سلطوياً راسخاً يمكن هزيمته، معتبراً أن التجربة تحمل دروساً يمكن تطبيقها في الولايات المتحدة في مواجهة ظاهرة دونالد ترامب. ويُشار إلى أن النص عبارة عن مقال رأي وليس تقريراً إخبارياً محايداً، إذ يتبنى موقفاً واضحاً مناهضاً لكل من أوربان وترامب.

أما الوقائع، فقد أصبحت اليوم ثابتة. ففي 12 أبريل/نيسان 2026، أقرّ فيكتور أوربان بهزيمته بعد ستة عشر عاماً في السلطة، إثر فوز حزب تيسا بقيادة بيتر ماغيار في الانتخابات التشريعية المجرية. ومع نسبة مشاركة قاربت 80%، حصل الحزب المنتمي إلى يمين الوسط على أغلبية الثلثين في البرلمان، وهي أغلبية تكفي لتعديل الدستور. وحصد حزب تيسا 53.6% من الأصوات و138 مقعداً من أصل 199، مقابل 37.8% و55 مقعداً لحزب فيدس القومي بزعامة أوربان.

مشهد بالغ الرمزية

يفتتح المقال بوصف تجمع جماهيري ضخم في العاصمة بودابست، حيث احتشد عشرات الآلاف أمام البرلمان للاحتفال بتنصيب ماغيار رئيساً للوزراء، في حدث اعتُبر الإعلان الرسمي عن نهاية «حقبة أوربان».

ولم يكن اختيار المكان اعتباطياً؛ فهذه الساحة شهدت أبرز محطات التاريخ المجري، من الاحتجاجات ضد الاحتلال السوفياتي إلى المظاهرات المناهضة للحكومات المتعاقبة. والمفارقة أن نظام أوربان كان قد أعاد تصميمها عمرانياً بهدف ضمني يتمثل في الحيلولة دون تنظيم تجمعات شعبية واسعة.

ويصف الكاتب أجواء امتزج فيها الذهول بالعاطفة الوطنية، حيث اجتمع شبان لم يعرفوا بلادهم إلا في ظل حكم أوربان، ومثقفون فقدوا الأمل منذ سنوات، وعائلات قدمت من القرى والمناطق المختلفة بعدما التقت ماغيار خلال جولاته الانتخابية المكثفة التي شملت نحو 700 مدينة وبلدة وقرية.

انتصار بدا مستحيلاً

في البداية، بدا نجاح ماغيار أمراً يصعب تصوره. فأوربان لم يكن رئيس وزراء عادياً؛ بل بنى منظومة متكاملة للهيمنة السياسية والإعلامية والقانونية، وأحكم السيطرة على وسائل الإعلام، وأضعف المعارضة، وغيّر القوانين الانتخابية بما يخدم حزبه «فيدس»، محولاً الدولة تدريجياً إلى نظام سلطوي يتخفى خلف واجهة ديمقراطية.

بل إن أوساط اليمين المحافظ العالمي كانت تنظر إليه بوصفه نموذجاً ناجحاً؛ إذ زارت شخصيات بارزة من اليمين الأمريكي بودابست، كما عقد مؤتمر المحافظين الأمريكيين الكبير (CPAC) دوراته هناك، وأبدى مسؤولون مقربون من ترامب إعجابهم بتجربته.

وجاءت المفاجأة عندما حقق حزب تيسا فوزاً كاسحاً ترافق مع أغلبية دستورية، ما منحه القدرة على إلغاء جزء كبير من التعديلات التي فرضها أوربان على النظام السياسي والقضائي والإعلامي.

«وصفة» النجاح

يتوقف المقال مطولاً عند «الصيغة» التي اعتمدها ماغيار، والتي يرى الكاتب أنها قابلة للتكرار في أماكن أخرى، ولا سيما في الولايات المتحدة.

وكان العنصر الأول يتمثل في التنظيم الشعبي واسع النطاق. فلم يعتمد ماغيار فقط على الإعلانات ووسائل الإعلام، بل استند إلى شبكة واسعة من المتطوعين والمجموعات المحلية عُرفت باسم «جزر تيسا».

كما جعل من السياسة المباشرة وجهاً لوجه سلاحاً في مواجهة الدعاية والخوف. ففي الوقت الذي اعتمد فيه أوربان على حملات شيطنة المهاجرين والأقليات والاتحاد الأوروبي، كان ماغيار يلتقي المواطنين في الساحات والقرى والمقاهي، مؤسساً علاقة ثقة مباشرة كشفت هشاشة «سياسة الخوف».

شخصية جاءت من خارج المعارضة التقليدية

أما العنصر الثاني فتمثل في خطاب سياسي حاد وواضح. ففي حين كانت المعارضة التقليدية تكتفي بوصف نظام أوربان بأنه «فاسد»، وصفه ماغيار بأنه «دولة مافيا»؛ أي نظام قائم على الجريمة المنظمة واستغلال مؤسسات الدولة لخدمة دائرة ضيقة من المنتفعين.

ولم يتجنب المواجهة المباشرة، بل استعد لها مسبقاً، فحصل على مقعد في البرلمان الأوروبي لضمان الحصانة السياسية، وردّ بقوة على حملات التشهير والابتزاز التي استهدفته.

ويؤكد الكاتب نقطة أساسية مفادها أن نجاح ماغيار لم يكن ناجماً فقط عن كونه منشقاً عن حزب أوربان. فبصفته أحد المطلعين سابقاً على خفايا النظام قبل أن يصبح أبرز خصومه، نجح في تقديم نفسه بديلاً عن المعارضة التقليدية التي فقدت ثقة الشارع. وكان كثيرون يرون أن ضعف تلك المعارضة وترددها ساهما في ترسيخ سلطة أوربان.

ومن هنا تنطلق الفكرة المحورية للمقال: فهزيمة ترامب في الولايات المتحدة قد تتطلب شخصية جديدة من خارج المؤسسة الديمقراطية التقليدية، قادرة على مخاطبة الناخبين الغاضبين من دون أن ترتبط بالنخب القديمة.

دور الحركات الاجتماعية

كما يمنح المقال أهمية كبيرة لدور الحركات الاجتماعية غير الحزبية. فقد شاركت أطراف متعددة في إسقاط أوربان، من معلمين احتجوا على سيطرة الدولة على التعليم، إلى ناشطين كشفوا تجاوزات في دور رعاية الأطفال، مروراً بالطلاب ومنظمات الدفاع عن الحقوق ونشطاء من مجتمعات أخرى.

الفساد… المحرك الأول للتصويت

يرى الكاتب أن الفساد كان العامل الأكثر حسماً في توجهات الناخبين. فالمجريون لم يصوتوا فقط بسبب الأزمة الاقتصادية، بل لأنهم شعروا بأن النظام الحاكم نهب الدولة وأهان الكرامة العامة.

وأكدت استطلاعات ما بعد الانتخابات هذا الانطباع؛ إذ تبين أن الفساد كان السبب الأول وراء سقوط أوربان، متقدماً حتى على التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة.

كما يناقش المقال دور الاتحاد الأوروبي في إضعاف منظومة أوربان. فبعد سنوات من التساهل، بدأت بروكسل بتجميد أموال ومساعدات مخصصة للمجر بسبب انتهاكات سيادة القانون وقضايا الفساد، ما جعل الناخبين يشعرون بأن السياسات القومية التي انتهجها أوربان تضر بمصالحهم اليومية.

لذلك جعل ماغيار إعادة بناء العلاقة مع أوروبا أحد الركائز الأساسية لحملته الانتخابية، مع التشديد في الوقت نفسه على الحفاظ على الهوية الوطنية المجرية. فقد أعاد رفع علم الاتحاد الأوروبي أمام البرلمان، من دون التخلي عن الرموز الوطنية، في محاولة للتوفيق بين الوطنية والانفتاح بدلاً من وضعهما في مواجهة بعضهما البعض.

وعد تحت المراقبة

ويختتم المقال بسؤال مفتوح: هل سيفي بيتر ماغيار فعلاً بوعوده الديمقراطية؟ وهل هو مصلح حقيقي أم مجرد نسخة أكثر اعتدالاً من القومية اليمينية؟

ورغم هذه الشكوك، يرى الكاتب أن التجربة المجرية أثبتت حقيقة أساسية: حتى الأنظمة السلطوية التي تبدو عصية على السقوط يمكن هزيمتها، متى توافرت قيادة جديدة، وتنظيم شعبي واسع، وخطاب أخلاقي واضح، والقدرة على استعادة فكرة الأمة من أيدي الشعبويين.

احصل على النشرة الإخبارية اليومية لـ تونسي رقمية مجانًا

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

لقد اشتركت بنجاح في نشرتنا الإخبارية.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة:
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا