آخر الأخبار

وفاة إدغار موران، مفكر التعقيد، عن عمر ناهز 104 أعوام

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

فقد العالم الفكري إحدى أكثر شخصياته تميزاً وتفرّداً. فقد توفي عالم الاجتماع والفيلسوف والأنثروبولوجي الفرنسي إدغار موران يوم الجمعة 29 مايو 2026 عن عمر يناهز 104 أعوام، بحسب ما أعلنت عائلته.

كان موران مفكراً عصياً على التصنيف ومحللاً لا يكلّ للمجتمع المعاصر، وقد عاش أكثر من قرن من الزمن شهد خلاله أحداثاً وتحولات كبرى، كرّس حياته لفهمها وتفسيرها.

وُلد إدغار ناحوم عام 1921 في باريس لأسرة يهودية سفاردية تعود أصولها إلى مدينة سالونيك. وخلال الحرب العالمية الثانية، انخرط في صفوف المقاومة الفرنسية متطوعاً مقاتلاً، قبل أن يصبح برتبة ملازم في القوات الفرنسية المقاتلة عام 1942.

ومن تلك المرحلة السرية استمد اسم «موران»، المشتق من أحد الأسماء المستعارة التي استخدمها خلال فترة الاحتلال، وهو الاسم الذي احتفظ به طوال حياته.

من الشيوعية إلى القطيعة

كان موران عضواً في الحزب الشيوعي الفرنسي، لكنه ابتعد عنه منذ عام 1951 بعدما شعر بالنفور، وفقاً لما كتبه في مذكراته، من الاستقطاب الحاد الذي فرضته الحرب الباردة. وبسبب انتقاداته الشديدة للشمولية الستالينية، تم طرده من الحزب في العام نفسه، وهي التجربة التي تناولها لاحقاً في كتابه «النقد الذاتي» الصادر عام 1959.

بعد ذلك، تفرغ بالكامل للعلوم الاجتماعية. وفي عام 1951 نشر كتاب «الإنسان والموت»، الذي اعتبره أول مؤلف مهم في مسيرته الفكرية. وتلت ذلك دراسات ميدانية في علم الاجتماع، من بينها «تحول بلوزيفيه»، الذي يروي انتقال إحدى البلدات في منطقة بريتاني إلى الحداثة.

وفي عام 1969، تناول في كتاب «شائعة أورليان» الشائعة التي اتهمت تجاراً يهوداً في المدينة بخطف فتيات شابات، مفككاً بشكل منهجي سردية لم تستند إلى أي وقائع. وقد شكّل هذا العمل تحليلاً رائداً لظاهرة الأخبار الزائفة، لا يزال يحتفظ براهنيته المدهشة في عصر شبكات التواصل الاجتماعي.

الأب الروحي لـ«الفكر المركّب»

وصفه كاتب سيرته إيمانويل لوميو بأنه «غير منضبط» فكرياً، إذ رفض طوال حياته الحواجز الفاصلة بين التخصصات، جامعاً بين علم الاجتماع والفلسفة والأنثروبولوجيا، فضلاً عن العلوم الطبيعية. وكان يقول في حديث لصحيفة «لا كروا»: «احتفظت من كارل ماركس بفكرة أن العقل متعدد التخصصات».

وقد تجلّى هذا التوجه بأوضح صوره في عمله الأبرز «المنهج»، وهو مشروع فكري ضخم يتألف من ستة مجلدات كُتبت بين عامي 1977 و2004، سعى من خلالها إلى تطوير مقاربة قادرة على مواجهة تعقيد العالم. ومن هذه الرؤية انبثق مفهوم «الفكر المركّب» الذي جعله مرجعاً عالمياً، والقائم على اعتبار الإنسان والتربية محورين أساسيين في أي تفكير حول العالم.

حصل موران على درجة الدكتوراه الفخرية من أكثر من عشرين جامعة أجنبية، وكان أيضاً من أوائل الأصوات الفكرية التي نبّهت منذ تسعينيات القرن الماضي إلى المخاطر البيئية، ولا سيما في كتابه «السنة الأولى للعصر البيئي» الصادر عام 2007.

علاقة امتدت نصف قرن مع تونس

احتلت تونس مكانة خاصة في حياة إدغار موران. ففي عام 1960، وبعد تعيينه أستاذاً محاضراً في جامعة تونس، استقر في سيدي بوسعيد التي وصفها بأنها «جمهورية صغيرة متعددة الثقافات» تجمع الفنانين والكتّاب. وهناك نسج صداقات متينة، خاصة مع عالم الاجتماع جان دوفينيو والصحفي جان دانييل، وهي ذكريات استعادها في مذكراته «الذكريات تأتي للقائي» الصادرة عام 2019.

ولم تنقطع هذه الصلة أبداً. فقد تابع موران باهتمام مسار الانتقال الديمقراطي في تونس، ووقّع في سبتمبر 2013 نداءً لدعم شباب البلاد، ثم طالب عام 2014 بالإفراج عن المدون عزيز عمامي.

وظل موران صوتاً فكرياً مسموعاً في تونس، حيث عاد إليها للمشاركة في عدد من الندوات والمحاضرات البارزة. ففي جامعة منوبة عام 2015 حذّر من اختزال الديمقراطية في «حكم الرداءة» نتيجة غياب النقاش الفكري، ثم ألقى في مارس 2016 محاضرة في بيت الحكمة تناول فيها جذور التعصب. ويُترجم اليوم نحو عشرة من مؤلفاته إلى اللغة العربية، وقد صدرت عدة ترجمات منها في تونس.

صوت ظل حاضراً حتى النهاية

احتفظ موران بصفائه الذهني والتزامه الفكري حتى سن متقدمة للغاية، وكان يواصل المشاركة في المؤتمرات حتى قبل سنوات قليلة، مدفوعاً بما وصفه بـ«الضرورة الملحّة لنقل المعرفة».

ومنذ عام 2013، كان مستخدماً نشطاً لمنصة تويتر (التي أصبحت تُعرف باسم «إكس»)، حيث كان يشارك تأملاته واقتباساته مع أكثر من 200 ألف متابع. وعندما سألته إذاعة «فرانس إنفو» في يناير 2021 عن أزمة كوفيد-19، قدّم تأملاً يعكس جوهر فكره قائلاً: «لم أعش إلا عبر ما هو غير متوقع، ومن خلال الاعتياد على الأزمات».

وفي ذلك الحوار، أعرب عن أمله في أن تنتصر «القوى الخلّاقة والقوى الواعية» على مشاعر الخوف والتراجع الفكري، وهي رسالة تختزل مسيرة حياة كاملة كرّسها لفهم العالم واستنارة العقول.

احصل على النشرة الإخبارية اليومية لـ تونسي رقمية مجانًا

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

لقد اشتركت بنجاح في نشرتنا الإخبارية.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة:
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا