تواصل بورصة تونس إظهار قدرة نسبية على امتصاص التقلبات الاقتصادية من خلال تسجيلها، خلال الثلاثي الأول من سنة 2026، نموًا في إجمالي مداخيل الشركات المدرجة بنسبة 4% مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025، لتبلغ 6.4 مليار دينار مقابل 6.2 مليار دينار. ويعكس هذا التطور استمرار ديناميكية ربحية إيجابية داخل النسيج المدرج، رغم تباين ظروف التمويل وارتفاع كلفة رأس المال في الأسواق الناشئة.
وتكشف القراءة التفصيلية للأرقام أن هذا النمو لم يكن ظرفيًا أو معزولًا، بل اتسم باتساع نسبي في قاعدة الشركات المستفيدة، حيث تمكنت 53 شركة من أصل 71، أي ما يعادل 75% من السوق، من تحسين مداخيلها على أساس سنوي. ويشير هذا المعطى إلى تحسن في الأداء التشغيلي للقطاعات المدرجة، لكنه في الوقت ذاته يعكس سوقًا لا تزال فيها الفروقات القطاعية حاضرة، مع ميل واضح نحو التركز داخل شركات محددة قادرة على توليد النمو بشكل أكثر استقرارًا.
هيمنة القيم القيادية
تظهر البيانات أن الشركات العشرين المكونة لمؤشر “توناندكس20” استحوذت على نحو 4 مليارات دينار، أي ما يمثل 63% من إجمالي مداخيل السوق، مع تسجيل نمو سنوي قدره 3.5%. ويعكس هذا التمركز استمرار البنية الكلاسيكية للأسواق الناشئة، حيث تهيمن الشركات الكبرى على الجزء الأكبر من النشاط المالي والتشغيلي.
وتبرز هذه الظاهرة مزدوجة الأثر، فمن جهة توفر هذه القيم القيادية دعامة للاستقرار وتقليص التذبذب العام، لكنها من جهة أخرى تحدّ من توسع قاعدة السيولة، إذ يبقى التداول متركزًا في عدد محدود من الأسهم، ما يقلل من عمق السوق ويحد من فعالية التسعير الكفء للأصول المالية.
هذا وسجل المؤشر المرجعي “توناندكس” ارتفاعًا بنسبة 14.24% مع نهاية الثلاثي الأول من 2026، مقارنة بـ10.25% خلال الفترة نفسها من سنة 2025، في حين حقق مؤشر “توناندكس20” أداءً مماثلًا بارتفاع قدره 14.05% مقابل 11.72% في السنة السابقة. ويعكس هذا التزامن بين المؤشرين تحسنًا عامًا في معنويات المستثمرين، مدفوعًا بتركيبة نتائج مالية إيجابية وبعودة تدريجية للثقة في الأسهم المحلية.
كما يُفهم هذا الأداء أيضًا في سياق بحث المستثمرين عن عائدات بديلة في بيئة تتسم بتقلب أسعار الفائدة وضغوط التضخم، مما يجعل الأسهم المدرجة في السوق التونسية أداة استثمارية أكثر جاذبية نسبيًا، رغم محدودية العمق والسيولة مقارنة بالأسواق الإقليمية المنافسة.
تفوق قطاعي غير متكافئ
سجلت المؤشرات القطاعية أداءً إيجابيًا في 11 قطاعًا من أصل 12، بما يعكس اتساعًا في قاعدة التحسن الاقتصادي داخل السوق. ويتصدر مؤشر “خدمات المستهلكين” الارتفاع بنسبة 20.98%، يليه قطاع “الصناعات الغذائية والمشروبات” بنسبة 19.34%، وهو ما يبين قوة الطلب الداخلي واستقرار سلوك الاستهلاك، باعتباره أحد محركات النمو الأساسية في الاقتصاد التونسي.
في المقابل، شهد قطاع “المنتجات المنزلية ومنتجات العناية الشخصية” تراجعًا بنسبة 1.92%، وهو اخفاض محدود لكنه يبرز حساسية بعض القطاعات لتغيرات القدرة الشرائية وتكاليف الاستيراد وسلاسل التوريد. ويشير هذا التباين القطاعي إلى أن النمو في البورصة لا يزال غير متجانس، بل يعتمد على محركات انتقائية مرتبطة بطبيعة كل قطاع.
في ذات السياق، تؤكد المعطيات أن 71 شركة مدرجة، أي ما يعادل 95% من السوق، نشرت بياناتها الفصلية الخاصة بالثلاثي الأول من 2026، وهو ما يعكس مستوى متقدمًا من الانضباط في الإفصاح المالي، مما يعزز شفافية السوق ويقلل من فجوة المعلومات بين المستثمرين والمؤسسات.
غير أن هذا التقدم لا ينسحب بنفس الوتيرة على تقارير الاستدامة، حيث لم يسجل عدد الشركات الملتزمة بالإفصاح البيئي والاجتماعي والحوكمي أي تغيير جديد مقارنة بالمرحلة السابقة، رغم الارتفاع الذي تحقق خلال سنة 2025 من 8 إلى 13 شركة إلى حدود أوت 2025. ويبرز هذا التباطؤ فجوة هيكلية بين الإفصاح المالي التقليدي ومتطلبات الاستثمار المستدام الذي أصبح معيارًا أساسيًا في تقييم الأسواق عالميًا.
وتواصل بورصة تونس الدفع نحو إدماج معايير الحوكمة البيئية والاجتماعية من خلال برامج دعم وإرشاد للشركات المدرجة، إضافة إلى إصدارها لأول تقرير حول المسؤولية البيئية والاجتماعية والحوكمة لسنة 2024 خلال شهر ماي من العام الماضي. ويعكس هذا التوجه إدراكًا مؤسساتيًا متزايدًا لأهمية الاستدامة كعنصر من عناصر جاذبية السوق ورأس المال طويل الأجل.
لكن هذا التحول يظل في مرحلة انتقالية، حيث لم يتحول بعد إلى التزام واسع النطاق داخل الشركات المدرجة، ما يحد من قدرة السوق على استقطاب تدفقات استثمارية مؤسساتية عالمية تبحث بشكل متزايد عن الأصول المتوافقة مع معايير ESG.
تشير مجمل المؤشرات إلى أن بورصة تونس نجحت في تحقيق أداء ربحي ومؤشري قوي خلال بداية 2026، مدعومًا بنمو الإيرادات وتحسن واسع في المؤشرات القطاعية، إضافة إلى ارتفاع معنويات المستثمرين. غير أن هذا الأداء يظل محكومًا ببنية سوقية لا تزال تعاني من محدودية السيولة، وتركز التداول في عدد محدود من القيم القيادية، وبطء نسبي في توسيع قاعدة الإدراجات.
وتطرح هذه المعطيات تحديًا استراتيجيًا يتمثل في الانتقال من سوق تحقق نموًا في الأرباح إلى سوق أكثر عمقًا وكفاءة في تخصيص رأس المال، بما يسمح بتوسيع قاعدة المستثمرين وتعزيز جاذبية السوق في الإقليم. وفي هذا الاطار، يبقى مستقبل بورصة تونس مرتبطًا بقدرتها على تعميق السيولة، وتوسيع قاعدة الشركات المدرجة، وتسريع الانتقال نحو نموذج أكثر تكاملاً مع معايير الأسواق المالية الحديثة.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية