انتظم، يوم الخميس 21 ماي، بمقر المجلس الوطني للجهات والأقاليم، يوم دراسي خُصّص لموضوع الظرفية الاقتصادية وعلاقتها بمشروع مخطط التنمية 2026-2030، وذلك بإشراف رئيس المجلس عماد الدربالي، وبمشاركة كلّ من الباحث وأستاذ التعليم العالي ورئيس جمعية الاقتصاديين التونسيين الحبيب زيتونة، والباحث وأستاذ التعليم العالي بالجامعة التونسية حمادي التيزاوي.
وافتتح المشاركون هذا اللقاء بالتأكيد على أن هذه المحطة تمثل حلقة مركزية في مسار إعداد المخطط التنموي الجديد، مع الدعوة إلى بلورة توصيات عملية قادرة على دعم مراحل الإعداد والمصادقة والتنفيذ، بما يعزز نجاعة السياسات العمومية ويضمن انسجامها مع التحديات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة.
الاستثمار العمومي وضغوط المالية العمومية
أكد الحبيب زيتونة، خلال مداخلته، أن المخطط التنموي يشكل أداة محورية لتنظيم الاستثمار العمومي وتحفيز النمو الاقتصادي، مبرزاً أن الضغوط المتراكمة على الميزانية خلال السنوات الأخيرة انعكست بشكل مباشر على تراجع حجم استثمارات الدولة.
وأوضح أن نسبة الاستثمار العمومي تراجعت إلى حدود 18 بالمائة من ميزانية الدولة، مقارنة بـ30 بالمائة قبل نحو 15 سنة، وهو ما يعكس تحولاً بنيوياً في قدرة الدولة على توجيه الموارد نحو الاستثمار المنتج. وربط هذا التراجع بتزايد أعباء المالية العمومية وتنامي النفقات الإجبارية، في سياق عالمي يتسم بارتفاع كلفة التمويل وتزايد هشاشة سلاسل الإمداد، ما يفرض إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العمومي على أسس أكثر كفاءة وفعالية.
صمود الاقتصاد الوطني وأهمية القطاعات المحورية
أبرز حمادي التيزاوي أن عدداً من الدراسات الاقتصادية يؤكد قدرة الاقتصاد التونسي على الصمود أمام الأزمات المتتالية منذ ثمانينات القرن الماضي، رغم ما شهده من اختلالات هيكلية وضغوط خارجية متكررة.
وسجل أن قطاعي السياحة والصناعات المعملية أظهرا مرونة نسبية في مواجهة الصدمات، حيث يساهم قطاع الصناعات التحويلية بما يقارب 15 إلى 20 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، ويعد أحد أهم محركات التشغيل والتصدير. ودعا إلى تعزيز هذا التوجه عبر التركيز على القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، مع تطوير القدرة التصديرية للصناعة الوطنية بما يساهم في خلق فرص عمل جديدة وتقليص الفوارق الجهوية.
توجيه التخطيط نحو العدالة الجهوية
شدد المشاركون في النقاش على ضرورة تكييف مشروع المخطط التنموي مع التحديات المتصاعدة للمالية العمومية والتحولات المناخية والديمغرافية، بما في ذلك تزايد الطلب على الخدمات العمومية في ظل نمو سكاني حضري متسارع يناهز 1 بالمائة سنوياً. واعتبروا أن دعم المؤسسات الصغرى والمتوسطة يمثل رافعة أساسية للنمو، باعتبارها تمثل أكثر من 90 بالمائة من النسيج الاقتصادي وتشغل النسبة الأكبر من اليد العاملة. كما تمت الدعوة إلى إعطاء أولوية لتطوير البنية التحتية، خاصة في مجالات النقل واللوجستيك والطاقة، باعتبارها شرطاً أساسياً لدمج الجهات الداخلية في الدورة الاقتصادية الوطنية وتقليص الفجوة التنموية.
وواصلت المداخلات التأكيد على أهمية استكمال مسار رقمنة الإدارة العمومية باعتباره رافعة لتحسين مناخ الأعمال وتقليص الكلفة الزمنية والإدارية للاستثمار، إضافة إلى تعزيز الاستثمار في الطاقات المتجددة بما ينسجم مع التحولات العالمية في مجال الانتقال الطاقي. وتمت الإشارة إلى أن رفع حصة الطاقات المتجددة في المزيج الطاقي الوطني يمثل خياراً استراتيجياً لتقليص العجز الطاقي وتحسين الاستقلالية الاقتصادية. كما تم التشديد على ضرورة تبسيط الإجراءات الإدارية وإحكام إدارة الموارد الطبيعية وتثمين الموارد البشرية بما يعزز العدالة الاجتماعية ويكرّس توازن التنمية بين الجهات.
تفعيل المقاربة التشاركية وترسيخ الحوكمة المحلية
أكد المتدخلون على الدور المتنامي للمجالس المحلية والجهوية ومجالس الأقاليم في صياغة رؤية تنموية جديدة تقوم على مقاربة تشاركية من القاعدة إلى القمة، بما يسمح بإدماج تطلعات المواطنين في عملية التخطيط التنموي. واعتبروا أن هذا التوجه يعزز شرعية السياسات العمومية ويرفع من درجة قبولها الاجتماعي، خاصة في ظل تنامي المطالب بتحسين جودة الخدمات العمومية وتطوير المرافق الأساسية في الصحة والتعليم والنقل، وهي قطاعات تمثل ركيزة لأي تنمية مستدامة وشاملة.
وانتهى اليوم الدراسي إلى تأكيد الحاجة إلى إعادة تموقع المخطط التنموي كأداة استراتيجية لتوجيه الاستثمار العمومي، وليس مجرد إطار برمجي سنوي، مع ضرورة ربطه بأهداف كمية ونوعية قابلة للقياس والتقييم. ويُنتظر أن يشكل مخطط 2026-2030 محطة مفصلية في إعادة بناء النموذج التنموي، عبر تعزيز الاستثمار في البنية التحتية، وتطوير المرفق العام، وتحقيق توازن بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، بما يرسخ مسار تنموي أكثر صلابة واستدامة.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية