هذه آخر «طرائف» الرئيس دونالد ترامب. فقد سبق له أن نشر منشورات سيئة الذوق ومشكوكًا في أخلاقيتها، لكن ما صدر عنه هذه المرة بلغ ذروة الانحطاط.
فقد عاد ليثير الجدل عبر منصته «تروث سوشيال» — التي تحولت إلى قناة رسمية للبيت الأبيض — حيث ظهر، بفضل الذكاء الاصطناعي، في هيئة قائد لـ«القوة الفضائية» الأمريكية، لينشر سلسلة من الصور، كلها موجهة ضد إيران. وقد استعار شعار «ستارفليت» من سلسلة «ستار تريك» لتصفية حساباته مع طهران، غير أن أكثر ما لفت الأنظار كان إصبعه على الزر الأحمر، الذي يدرك الجميع بسهولة أنه يرمز إلى بوابة الكارثة النووية.
ظهر «القائد ترامب» — وكان يجدر به ارتداء الزي العسكري ما دام قد اختار هذا الدور، فالبذلة المدنية بدت نشازا في المشهد — وكأنه يقصف أهدافا من الفضاء بمساعدة الذكاء الاصطناعي. استخدام السلاح النووي لمنع إيران نهائيا من امتلاك السلاح النووي… من يستطيع فهم ذلك؟
في أحلامه الجامحة، يبدو أن الجمهوري يتساءل: لِمَ لا مرة ثالثة، بعد القنبلتين اللتين أُلقيتا سنة 1945، وما زالت اليابان تحمل آثارهما، فيما تحملهما الإنسانية كندبة أبدية؟ فالولايات المتحدة لا تزال إلى اليوم الدولة الوحيدة التي ارتكبت مثل هذه الفظاعة.
لقد فعل الجيش الأمريكي ذلك آنذاك للتخلص من كابوس طائرات الكاميكاز ولتضميد جرح بيرل هاربر. أما اليوم، وعلى طريقته، فيرى ترامب في الحرس الثوري الإيراني المشكلة ذاتها. وقد بلغ به الأمر حد فقدان النوم والانزلاق بشكل خطير نحو هذا الرعب الأقصى. حربه المجنونة أفقدته البوصلة، حتى نسي وضعه كعضو دائم في مجلس الأمن الدولي، وهو وضع منحته إياه المساهمة الحاسمة لأمريكا في تخليص العالم من الخطر النازي.
و من الصعب، بعد هذا الانزلاق غير القابل للتوصيف، الحفاظ على قدر من المصداقية في مواجهة روسيا، التي تستخدم هي أيضا الخطاب النووي وتسيء استخدامه في مواجهة جارها الذي تعجز عن هزيمته، أوكرانيا. أما الصين، فلا داعي حتى للحديث عنها، إذ باتت أكثر من أي وقت مضى ضمن «العقلاء في الغرفة»، إلى جانب فرنسا والمملكة المتحدة. فالرئيس الأمريكي، بانزلاقاته غير المنضبطة، يخسر ما تبقى له من هيبة، فيما تذهب النقاط الثمينة إلى نظيره الصيني شي جين بينغ.
وصل ترامب إلى هذه المرحلة لأن تهديداته لم تعد تخيف أحدا. فهو يرفع منسوب التصعيد، معرّضا نفسه لمزيد من السخرية في كل أنحاء العالم. لم يعد أحد يأخذه على محمل الجد، بل أصبح خصوصا موضع تندر الإيرانيين، الذين يراقبونه بهدوء وهو يتخبط ويستعرض خطابيا. فمنذ شهرين ونصف وهو يهدد بمحوهم من على وجه الأرض، لكنهم لم يظلوا موجودين فحسب، بل باتوا يمسكون الاقتصاد العالمي رهينة. لذلك أعلن الجمهوري، على متن الطائرة التي كانت تعيده من بكين، أنه لا يحتاج سوى إلى 48 ساعة لتدمير كل شيء في إيران.
ثم بدا أنه قال في نفسه إن التأثير سيكون أكبر إذا قُلّصت المهلة: لم لا إبادة كل شيء في ثوان معدودة، بضغطة صغيرة على الزر الأحمر الشهير، فتختفي كل مشاكله كما لو بفعل السحر؟ إن مجرد التنظير للاختفاء الكامل لهذا الشعب الذي كان يزعم أنه جاء لتحريره هو عبث مطلق. لكن حاولوا قول ذلك لساكن البيت الأبيض. فقد بلغ مرحلة هجره فيها العقل، وتركه وحيدا مع شبح آية الله علي خامنئي وكل القادة الإيرانيين الذين أزاحهم.
هذه الحرب هو من أرادها، وقد انخرط فيها بعدما تجرع حتى الثمالة ترهات رئيس الوزراء الإسرائيلي. فليتحمل إذن مسؤوليتها. إنه يكره إلى حد بعيد ما يمثله الرئيس الديمقراطي السابق باراك أوباما، حتى سارع إلى تمزيق اتفاقه حول النووي الإيراني. وها هو اليوم يركض خلف اتفاق قد يكون أسوأ من الوثيقة التي مزقها سنة 2018، بل قد لا يكون هناك اتفاق أصلا. وهذا الاحتمال يجعل الجمهوري أكثر لاعقلانية، وأكثر خطورة، على نفسه، وعلى بلاده، وعلى العالم.
أمام حشد من الصحفيين على متن طائرة «إير فورس وان»، تباهى ترامب قائلا إنه لم يقرأ سوى السطر الأول من الوثيقة التي قدمتها له طهران. وبما أن الأخيرة رفضت تجميد برنامجها النووي لمدة 20 عاما وتسليم اليورانيوم المخصب إلى واشنطن، فقد رمى الرئيس الأمريكي كل المقترحات في سلة المهملات. وقد رد الإيرانيون عليه، حين شددوا يوم الاثنين 18 ماي على مطلبهم بالإفراج عن الأصول المجمدة في الخارج ورفع العقوبات الدولية.
و ذكّر المتحدث بأن «فريق التفاوض الإيراني دافع بقوة عن هذه النقاط في كل جلسة من جلسات المحادثات»، مشددا على ضرورة دفع تعويضات عن الحرب، التي وصفها بأنها «غير قانونية ولا أساس لها».
و سيكون من السذاجة بمكان الاعتقاد أن الأمريكيين سيتمكنون من العودة بهدوء إلى ديارهم بعدما أحالوا إلى رماد عقودا من العمل تحت الحصار — وهو الأقسى في تاريخ الإنسانية — وبعد أن قتلوا عددا من القادة، من بينهم المرشد الأعلى. لكل ذلك ثمن، وطهران ستجعله يُدفع بطريقة أو بأخرى. كبداية، جسدت إيران، هذا الاثنين، الهيئة الجديدة المكلفة بإدارة مضيق هرمز.
و باتت «سلطة مضيق الخليج الفارسي» تمتلك حسابا رسميا، ستنشر عبره «تحديثات فورية حول العمليات» في المضيق. أما مشروع ترامب، «Project Freedom» أو «مشروع الحرية»، فلم يدم سوى 24 ساعة فقط، ثم تبخر، فيما بقي الحرس الثوري في مكانه. وخلال زيارته إلى بكين، تباهى ترامب بأن نظيره الصيني ضمن له دعمه لإنهاء هذا الكابوس، لكنه في الحقيقة كان يريد تصديق ذلك إلى درجة جعلته يخلط بين الوهم والحقيقة.
كل الجادين يعرفون أن شي لن يبادل أبدا عضوا في مجموعة «بريكس» — أي إيران — بواشنطن، وأن مشروعه السري يتمثل في ترك الأمريكيين يغرقون إلى أقصى حد في مستنقع هرمز، ثم التدخل لاحقا لانتشالهم. ستتدخل بكين في نهاية المطاف، قبل زيارة الرئيس الصيني إلى الولايات المتحدة في الخريف المقبل. لكن كل ذلك سيتم وفق الإيقاع الذي يحدده شي وبشروطه، ومن بينها التخلي عن تايوان وتقديم تنازلات كثيرة أخرى. مغامرة ترامب المجنونة في بلاد الملالي ستكلفه ثمنا باهظا.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية