يعود ملف الصندوق العام للتعويض في تونس إلى واجهة النقاش الاقتصادي كلما اشتدت الضغوط على المالية العمومية أو ارتفعت أسعار المواد الأساسية في الأسواق العالمية، غير أن اختزال هذا الملف في كلفته الميزانية يظل قراءة جزئية لمنظومة لعبت، على امتداد أكثر من خمسة عقود، دورًا مركزيًا في الحفاظ على التوازنات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للبلاد.
ويُنظر إلى صندوق التعويض غالبًا باعتباره عبئًا ماليا يستهلك موارد الدولة، خاصة في ظل العجز المتفاقم للميزانية وارتفاع الدين العمومي الذي تجاوز 80% من الناتج الداخلي الخام خلال السنوات الأخيرة لكن هذا التصور يغفل حقيقة أعمق تتمثل في أن منظومة الدعم لم تكن سياسة اجتماعية فحسب، ولكنها كانت إحدى الركائز الخفية للنموذج الاقتصادي التونسي منذ سبعينيات القرن الماضي.
ويضمن الصندوق بيع مواد أساسية مثل الخبز والسميد والعجين الغذائي والزيوت النباتية والحليب بأسعار مدعومة تقلّ عن كلفتها الحقيقية، بما يسمح بالحفاظ على حد أدنى من القدرة الشرائية لنحو 12 مليون تونسي، في سياق يتسم بضعف الأجور وارتفاع معدلات الهشاشة الاجتماعية.
تكريس نموذج اقتصادي قائم على الكلفة المنخفضة
ارتبط إحداث الصندوق العام للتعويض سنة 1970 بمرحلة انتقال الاقتصاد التونسي نحو نموذج تصديري يعتمد أساسًا على الصناعات المعملية الموجهة للأسواق الأوروبية، وخاصة قطاع النسيج والملابس والصناعات الميكانيكية والكهربائية.
واعتمد هذا التوجه على ميزة تنافسية أساسية تمثلت في وفرة اليد العاملة منخفضة الكلفة، غير أن الحفاظ على تنافسية هذا النموذج كان يتطلب، في المقابل، التحكم في كلفة العيش حتى تبقى الأجور الحقيقية ضمن مستويات مقبولة اجتماعيًا واقتصاديًا.
ومن هنا لعب صندوق التعويض دورًا استراتيجيا يتجاوز البعد الاجتماعي المباشر فالدولة لم تكن تدعم فقط استهلاك الأسر، بل كانت تدعم بصورة غير مباشرة استقرار سوق الشغل وتنافسية المؤسسات المصدّرة. وقد مكّن التحكم في أسعار المواد الغذائية الأساسية من الحد من الضغوط الاجتماعية المطالبة بالترفيع في الأجور، بما حافظ لعقود على جاذبية تونس كوجهة صناعية منخفضة الكلفة.
وساهمت هذه المنظومة في احتواء معدلات التضخم نسبيًا خلال فترات طويلة ذلك انه بين سبعينيات وتسعينيات القرن الماضي، ظل متوسط التضخم في تونس أقل من عديد الاقتصادات الصاعدة، بفضل التحكم الإداري في أسعار المواد الأساسية والطاقة والخدمات العمومية.
واستفاد هذا التوازن لسنوات من موارد إضافية وفرتها العائدات النفطية وتحويلات التونسيين بالخارج ونمو القطاع السياحي، مما سمح بتمويل منظومة الدعم دون ضغوط مفرطة على الميزانية.
تصاعد الكلفة تحت ضغط الأسواق العالمية
بدأت هشاشة هذا النموذج تظهر تدريجيًا منذ ثمانينيات القرن الماضي مع تراجع العائدات النفطية وارتفاع التبعية الغذائية للخارج. وتزامن ذلك مع تسارع النمو الديمغرافي وتغير أنماط الاستهلاك وارتفاع واردات الحبوب والزيوت والسكر.
ودفعت هذه التحولات السلطات إلى تقليص تدريجي لمنظومة الدعم عبر رفع أسعار بعض المواد وإخراج أخرى من دائرة التعويض. وقد تراجعت بالفعل حصة نفقات التعويض من الناتج الداخلي الخام بين منتصف الثمانينيات وبداية الألفية الجديدة، مستفيدة خصوصًا من انخفاض الأسعار العالمية للمواد الزراعية.
لكن هذا الاستقرار بقي ظرفيًا وهشًا، فمع الأزمة الغذائية العالمية بين 2006 و2008، دخلت منظومة الدعم مرحلة جديدة من الضغوط الحادة، حيث تضاعفت نفقات صندوق التعويض أربع مرات خلال فترة قصيرة، بالتوازي مع القفزة الكبيرة في أسعار الحبوب والزيوت والطاقة.
وتعمقت الأزمة أكثر بعد سنة 2011 نتيجة تباطؤ النمو الاقتصادي وتراجع قيمة الدينار وارتفاع كلفة الواردات. وتشير بيانات المالية العمومية إلى أن نفقات الدعم بلغت في بعض السنوات مستويات قاربت 4% من الناتج الداخلي الخام، بينما تجاوزت اعتمادات الدعم في بعض قوانين المالية 11 مليار دينار عند احتساب دعم الطاقة والمواد الأساسية والنقل.
كما تستورد تونس اليوم أكثر من 60% من حاجياتها من الحبوب، فيما تصل نسبة التبعية في القمح اللين إلى مستويات تفوق 80%، وهو ما يجعل الميزانية التونسية شديدة الحساسية لتقلبات الأسعار العالمية ولسعر صرف الدينار.
جدل المنطق المالي والمخاطر الاجتماعية
يدفع جزء من الخطاب الاقتصادي، وخاصة المؤسسات المالية الدولية، نحو إصلاح جذري لمنظومة الدعم عبر توجيه المساعدات مباشرة إلى الفئات الفقيرة بدل الإبقاء على الدعم الشامل للأسعار.
ويستند هذا الطرح إلى اعتبارات مالية واضحة، أبرزها أن الدعم العام يفتقر إلى الاستهداف الدقيق، وأن جزءًا مهمًا منه تستفيد منه الفئات الميسورة والاقتصاد الموازي وحتى شبكات التهريب نحو البلدان المجاورة.
غير أن هذا التصور، رغم وجاهته النظرية الى حد ما، يصطدم بتعقيدات الواقع الاقتصادي والاجتماعي التونسي فالأسر محدودة ومتوسطة الدخل تخصص نسبة مرتفعة من إنفاقها للمواد الغذائية الأساسية، وهو ما يجعل أي زيادة في الأسعار ذات أثر مباشر وسريع على مستوى العيش.
وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن رفع الدعم دون آليات تعويض فعالة قد يؤدي إلى ارتفاع ملموس في نسب الفقر والهشاشة، خاصة في ظل بطالة تتجاوز 16% وطنيا وتفوق 35% لدى الشباب في بعض الجهات الداخلية.
ويطرح إلغاء الدعم كذلك إشكالا اقتصاديا أعمق يتعلق بطبيعة النموذج الإنتاجي التونسي نفسه بحكم ان ارتفاع الأسعار سيقود حتمًا إلى ضغوط اجتماعية للمطالبة بزيادات في الأجور، وهو ما قد يضعف تنافسية القطاعات المصدّرة القائمة أساسًا على الكلفة المنخفضة. أما رفض الترفيع في الأجور، فسيعني عمليًا تآكل القدرة الشرائية وتراجع الاستهلاك الداخلي، بما قد ينعكس سلبًا على النمو والاستقرار الاجتماعي.
وضع هيكلي يتجاوز المالية العمومية
يكشف الجدل المتواصل حول صندوق التعويض أن الأزمة الحقيقية لا تتعلق فقط بكلفة الدعم، بل بطبيعة النموذج التنموي التونسي الذي وصل تدريجيًا إلى حدوده القصوى.
فمنظومة الدعم ظلت لعقود آلية لتعويض ضعف الإنتاجية ومحدودية القيمة المضافة للاقتصاد. وطالما استمر النمو قائمًا على قطاعات منخفضة التكنولوجيا والأجور، سيظل التحكم الإداري في الأسعار ضرورة سياسية واجتماعية وليس مجرد خيار اقتصادي.
ويبدو واضحًا اليوم أن إصلاح صندوق التعويض بمعزل عن إصلاح هيكلي أوسع لن يؤدي إلا إلى نقل الأزمة من خانة المالية العمومية إلى خانة الاستقرار الاجتماعي باعتبار ان التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تقليص نفقات الدعم، ولكن في بناء اقتصاد أكثر إنتاجية وقدرة على خلق الثروة والأجور المرتفعة.
ويفرض هذا الواقع على تونس فتح نقاش اقتصادي عميق حول مستقبل نموذجها التنموي، خاصة في ظل تباطؤ النمو الذي لم يتجاوز في المتوسط 1.5% خلال العقد الأخير، وتراجع الاستثمار وارتفاع معدلات المديونية والبطالة. وفي هذا السياق، لا يبدو الصندوق العام للتعويض مجرد آلية مالية قابلة للحذف أو التقليص، بل مرآة تعكس حدود مرحلة اقتصادية كاملة، وتطرح بإلحاح سؤال الانتقال نحو نموذج تنموي جديد أكثر عدالة وإنتاجية واستدامة.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية