آخر الأخبار

تونس تبحث عن نمو أكثر توازنًا عبر توسيع التعاون الدولي

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

تؤكد التحركات الدبلوماسية والاقتصادية التونسية خلال الأشهر الأخيرة توجّهًا متصاعدًا نحو إعادة تموقع البلاد داخل شبكات التمويل والتنمية الدولية، في مرحلة تبحث فيها تونس عن معادلة دقيقة تجمع بين دفع الاستثمار وتحقيق التوازنات الاجتماعية.

وفي هذا السياق، اكتسب اللقاء الذي جمع رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري برئيسة البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية أوديل رونو-باسو على هامش القمة الإفريقية الفرنسية “إفريقيا إلى الأمام” في نيروبي أهمية خاصة، باعتباره يعكس رغبة تونس في توسيع دوائر التعاون الاقتصادي وتنويع الشركاء ومصادر التمويل .

وتبرز أهمية هذا اللقاء في كونه يأتي في ظرف اقتصادي دولي شديد التعقيد، يتسم بارتفاع كلفة التمويل عالميًا، وتباطؤ النمو في عدد من الاقتصادات الكبرى، وتصاعد الضغوط المرتبطة بأمن الطاقة والتحول المناخي. وفي المقابل، تسعى تونس إلى استقطاب مؤسسات مالية دولية مرجعية قادرة على تمويل مشاريع طويلة المدى ذات مردودية اقتصادية واجتماعية مرتفعة .

المؤسسات المالية الدولية تعزز ثقتها في الاقتصاد الوطني

تعكس الرسائل الصادرة عن البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية استمرار ثقة المؤسسات المالية الدولية في قدرة تونس على تنفيذ برامج إصلاح وتنمية هيكلية، رغم التحديات الاقتصادية والمالية القائمة. وقد شددت رئيسة الحكومة على تقدير تونس لالتزام البنك بمساندة المشاريع التنموية في القطاعين العام والخاص، مع تطلع رسمي إلى الارتقاء بالشراكة الثنائية إلى مستوى أكثر تقدمًا خلال المرحلة المقبلة .

ويكتسي هذا الدعم أهمية استراتيجية بالنظر إلى الوزن المتنامي للبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية في الاقتصاد التونسي. فمنذ انطلاق نشاطه في تونس سنة 2012، ضخ البنك أكثر من 2.5 مليار يورو في عشرات المشاريع، شملت قطاعات الطاقة والبنية التحتية والقطاع المالي والنقل ودعم المؤسسات الصغرى والمتوسطة. كما تشير بيانات البنك إلى أن ما يقارب 58% من استثماراته في تونس وُجهت إلى القطاع الخاص، بما يعكس توجهًا نحو تعزيز ديناميكية الاستثمار والإنتاج .

وتنسجم هذه المؤشرات مع سعي تونس إلى رفع نسق النمو الاقتصادي الذي بقي دون 2% خلال السنوات الأخيرة، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى معدلات نمو تفوق 4% سنويًا لخفض البطالة وتحسين مستويات الدخل. كما تواجه تونس تحديات مرتبطة بارتفاع نسبة الدين العمومي، الذي تجاوز 80% من الناتج المحلي الإجمالي في السنوات الماضية، إلى جانب ضغوط التضخم وتباطؤ الاستثمار الداخلي .

تركيز على المشاريع ذات الأثر الاقتصادي المباشر

تدفع السلطات التونسية نحو توجيه التعاون الدولي إلى مشاريع تعتبرها ذات “جدوى عالية” ومردودية ملموسة على المستويين الاقتصادي والاجتماعي. وفي هذا الإطار، أكدت رئيسة الحكومة أن الأولوية ستمنح لقطاعات البنية التحتية والطاقة والفسفاط وتحسين مناخ الأعمال وتثمين رأس المال البشري، فضلًا عن دعم القطاعات ذات البعد الاجتماعي .

ويعكس هذا التوجه إدراكًا متزايدًا داخل دوائر القرار الوطنية بأن تحقيق الاستقرار الاقتصادي لم يعد مرتبطًا فقط بالمؤشرات المالية التقليدية، لكنه صار مرتبطًا أيضًا بقدرة الدولة على تقليص الفوارق الاجتماعية والجهوية وتحسين جودة الخدمات الأساسية. وتشير بيانات المعهد الوطني للإحصاء إلى استمرار تفاوت نسب البطالة بين الجهات الداخلية والساحلية، في وقت تتجاوز فيه بطالة الشباب في بعض المناطق 35 % .

كما تراهن تونس على تطوير البنية التحتية كرافعة لتحفيز الاستثمار الخاص. وتقدّر مؤسسات دولية أن تحسين البنية اللوجستية والطاقية يمكن أن يرفع تنافسية الاقتصاد التونسي ويزيد من جاذبية البلاد للاستثمارات الأجنبية المباشرة، خاصة في القطاعات الصناعية والتكنولوجية .

مشروع “الماد” والبعد الاستراتيجي للاندماج الإقليمي

يمثل مشروع الربط الكهربائي بين تونس وإيطاليا “الماد” أحد أبرز محاور التعاون الحالية بين تونس والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، بالنظر إلى أبعاده الاقتصادية والطاقية والاستراتيجية. ويهدف المشروع إلى إنشاء كابل كهربائي بحري يربط شبكتي الكهرباء في البلدين بقدرة تصل إلى نحو 600 ميغاواط، بما يسمح بتعزيز المبادلات الطاقية بين الضفتين الشمالية والجنوبية للمتوسط .

وتتجاوز أهمية المشروع مجرد الربط التقني، إذ يُنظر إليه كخطوة محورية لتحويل تونس إلى منصة إقليمية للطاقة النظيفة وربطها مستقبلاً بالسوق الأوروبية للكهرباء، خاصة مع توسع مشاريع الطاقات المتجددة. كما يُنتظر أن يساهم المشروع في تحسين أمن التزود بالطاقة وتقليص كلفة الإنتاج الكهربائي على المدى الطويل .

ويأتي ذلك في وقت تستهدف فيه تونس رفع مساهمة الطاقات المتجددة إلى 35% من إنتاج الكهرباء بحلول سنة 2030، مقابل أقل من 5% قبل سنوات قليلة. كما تقدر وزارة الصناعة والطاقة أن البلاد تحتاج إلى استثمارات بمليارات الدولارات خلال العقد المقبل لتحقيق انتقالها الطاقي وتقليص التبعية للغاز الطبيعي المستورد .

استراتيجية 2026-2031 تؤسس لشراكة أوسع

تعزز مصادقة مجلس إدارة البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية في فيفري 2026 على “استراتيجية تونس 2026-2031” مؤشرات الانتقال نحو مرحلة جديدة من الشراكة بين الجانبين. وتركز هذه الاستراتيجية على دعم التحول الرقمي، وتحديث البنية التحتية، وتعزيز الحوكمة، وتطوير الاقتصاد الأخضر، إضافة إلى تحسين أداء المؤسسات العمومية .

وتكشف هذه الأولويات عن تقاطع واضح بين خيارات البلاد الوطنية وأجندة المؤسسات المالية الدولية، خصوصًا في ما يتعلق بالانتقال الطاقي والرقمنة والحوكمة الاقتصادية. كما تعكس في الوقت ذاته سعي تونس إلى بناء نموذج تنموي أكثر توازنًا، يقوم على تنويع الشركاء الدوليين وتوسيع مجالات التعاون وفق مقاربة تقوم على الندية وتحقيق المصالح المشتركة .

وفي ظل التحولات الاقتصادية العالمية المتسارعة، يبدو أن تونس تراهن على تحويل شراكاتها المالية والتنموية إلى أداة لإعادة بناء الثقة الاقتصادية وتحقيق نمو أكثر شمولًا واستدامة، بما يضمن التوفيق بين متطلبات الإصلاح الاقتصادي وأهداف العدالة الاجتماعية .

احصل على النشرة الإخبارية اليومية لـ تونسي رقمية مجانًا

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

لقد اشتركت بنجاح في نشرتنا الإخبارية.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا