آخر الأخبار

بنزرت: من مصفاة متقادمة إلى مختبر متوسطي للذكاء الاصطناعي

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لطالما جسّدت بنزرت، على مدى عقود، فصلا معينا من التاريخ الصناعي لتونس: الموانئ، والمحروقات، واللوجستيك الطاقي، والتكرير. غير أن مشهد الطاقة العالمي يتغير بسرعة استثنائية. فما كان يحدد القوة الصناعية في القرن العشرين قد لا يعود محددا لها في القرن الحادي والعشرين.

لقد رسم النفط جغرافيات النفوذ القديمة. وبدأ الذكاء الاصطناعي يرسم جغرافيات جديدة. وضمن هذه الخريطة العالمية الناشئة، قد تمتلك بنزرت أحد أكثر المواقع الاستراتيجية التي لم تحظ بما يكفي من الاهتمام في البحر الأبيض المتوسط.

ولا تزال أغلب النقاشات في تونس حول مراكز البيانات حبيسة إطار تقليدي: استهلاك الكهرباء، والضغط على الشبكة، ومتطلبات المياه، وكلفة البنية التحتية. غير أن قراءة أخرى بدأت تبرز. فقد تتطور بنزرت تدريجيا إلى مختبر متوسطي يجمع بين الطاقات المتجددة، والبنية التحتية الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والتحول الصناعي من الجيل الجديد.

نقطة التحول الحقيقية تسمى Medusa.

ولا يمثل كابل Medusa البحري مجرد مشروع اتصالات. فهو بنية تحتية استراتيجية يمكن أن تعيد تموقع تونس داخل الاقتصاد الرقمي المتوسطي. ويمتد Medusa على عدة آلاف من الكيلومترات، رابطا ضفتي البحر الأبيض المتوسط عبر بنية عالية السعة قادرة على نقل مئات التيرابِت في الثانية.

غير أنه سيكون من غير الدقيق تصوير Medusa على أنه ميزة تونسية حصرية. فالكابل يصل أيضا إلى عدة بلدان متوسطية أخرى، من بينها المغرب والجزائر وإسبانيا وإيطاليا ومصر. فالربط وحده لم يكن يوما كافيا لجذب كبار المستثمرين الرقميين. إنه شرط ضروري، لكنه بالتأكيد ليس شرطا كافيا.

ومع ذلك، يمثل Medusa بالنسبة إلى تونس تحولا استراتيجيا حقيقيا. ففي عصر الذكاء الاصطناعي، أصبحت الكابلات البحرية تكتسي أهمية تضاهي ما كانت تمثله أنابيب النفط والغاز في السابق. إذ تتحول تدفقات البيانات بسرعة إلى المادة الخام الجديدة للاقتصاد العالمي.

وبفضل هذا الربط المعزز، يمكن أن تبرز بنزرت كعقدة إقليمية وسيطة للخدمات الرقمية منخفضة زمن الاستجابة: الحوسبة الطرفية، والاستضافة الإقليمية، وخدمات السحابة السيادية لشمال إفريقيا، ومجموعات وحدات معالجة الرسوميات المتخصصة، والبنية التحتية الموجهة للذكاء الاصطناعي. ويبدو هذا التموضع أكثر واقعية بكثير من سباق فوري نحو مجمعات عملاقة تتطلب عدة مئات من الميغاواطات.

وما يميز بنزرت فعلا عن مواقع متوسطية أخرى هو التقاطع غير المألوف بين البنية التحتية الصناعية، والقرب من أوروبا، واللوجستيك المينائي، والإمكانات الطاقية التونسية.

يمتلك شمال تونس إمكانات مهمة في طاقة الرياح، في حين يتمتع الجنوب ببعض من أعلى مستويات الإشعاع الشمسي في حوض المتوسط. ومن المسلم به أن القدرة المركبة من الطاقات المتجددة لا تزال محدودة، وأن شبكة الكهرباء التونسية ما زالت تعاني من هشاشة هيكلية. غير أن هذه القيود بالذات قد تدفع تونس في نهاية المطاف نحو هندسات طاقية هجينة أكثر ابتكارا: شبكات مصغرة تعمل بالطاقات المتجددة، وأنظمة تخزين محلية، وإدارة ذكية للأحمال، وبنية تحتية رقمية مرنة.

الهيدروجين قد يلعب أيضا دورا في هذا الانتقال.

لكن من الضروري التمييز بين التطبيقات ذات المصداقية والتوقعات الأكثر افتراضا. فالهيدروجين يبدو بالفعل ملائما لتخزين الطاقة، وخلايا الوقود الاحتياطية، وتأمين الإمداد المستمر بالطاقة للبنى التحتية الحيوية. في المقابل، لا يزال استخدامه المباشر في أنظمة تبريد مراكز البيانات تجريبيا إلى حد كبير على المستوى العالمي.

وتبقى المياه ربما المسألة الأكثر حساسية على الإطلاق. فتطوير مراكز بيانات واسعة النطاق في بلد يواجه أصلا إجهادا مائيا حادا سيكون غير مستدام بيئيا وسياسيا من دون التكنولوجيات المناسبة. لذلك، ينبغي لأي استراتيجية تونسية أن تدمج منذ البداية حلولا للتبريد منخفضة الاستهلاك للمياه: التبريد السائل ضمن دوائر مغلقة، والأنظمة الحرارية المحسنة، وإمكانية تحلية المياه بالطاقات المتجددة، وحدودا صارمة لاستهلاك المياه.

المسألة الأكثر رمزية تبقى مصفاة بنزرت نفسها.

تمثل مصفاة الشركة التونسية لصناعات التكرير إرثا صناعيا مهما ونموذجا اقتصاديا يزداد هشاشة في الوقت نفسه. فالبنية التحتية المتقادمة، وارتفاع كلفة التشغيل، والتحولات العالمية في قطاع النفط تطرح حتما أسئلة حول مستقبلها على المدى الطويل.

قد تبدو العبارة مستفزة، لكنها تختزل تحولا عالميا عميقا: ماذا لو لم يعد مستقبل بنزرت مرتبطا بتكرير النفط، بل بتكرير البيانات؟

ومع ذلك، لا يمكن تناول مثل هذا التحول من دون معالجة بعده الاجتماعي. فالشركة التونسية لصناعات التكرير تدعم، بشكل مباشر وغير مباشر، آلاف مواطن الشغل، وتظل ركيزة للاقتصاد المحلي. لذلك، فإن أي إعادة تحويل محتملة ستتطلب آليات انتقال تدريجية، وإعادة تأهيل لليد العاملة، وتنويعا صناعيا، وإجراءات حماية اجتماعية.

وتظهر التجارب الصناعية العالمية أن عمليات إعادة التحويل الناجحة غالبا ما تتطلب عقودا، واستثمارات كبيرة، وظهور منظومة تكنولوجية كاملة.

ومع ذلك، تمتلك بنزرت عدة مزايا نادرة: بنية تحتية مينائية، وأراض صناعية، وقربا من أوروبا، وترابطات طاقية، وربطا رقميا يزداد متانة.

ولن يكون الهدف الواقعي، على الأرجح، تحويل بنزرت بين عشية وضحاها إلى عملاق عالمي في الحوسبة السحابية، بل إرساءها تدريجيا كمختبر متوسطي لتقاطع الطاقة والذكاء الاصطناعي والانتقال الصناعي.

ومن هذا المنظور، يمكن لتونس أن تختبر نماذج هجينة تجمع بين مراكز بيانات تعمل بالطاقات المتجددة، وتخزين الهيدروجين، والإدارة المرنة للطلب على الكهرباء، وتثمين الحرارة، وخدمات السحابة السيادية، والبنية التحتية الرقمية منخفضة الكربون.

في نهاية المطاف، تتجاوز المسألة الحقيقية التكنولوجيا نفسها بكثير. فالسؤال هو ما إذا كانت تونس ترغب في أن تبقى مجرد أرض عبور لتدفقات الطاقة والبيانات، أم أنها تعتزم أن تصبح فاعلا إقليميا قادرا على تحويل موارده الطاقية، وربطه الرقمي، ورأسماله البشري إلى خلق قيمة رقمية.

ومن المرجح أن يتشكل القرن الحادي والعشرون بفعل الدول القادرة على التحكم في أنظمة الطاقة، والبنية التحتية الرقمية، والقدرة الحاسوبية في الوقت نفسه. وعلى هذا المستوى، قد تمتلك بنزرت نافذة فرصة استراتيجية سيكون من الحكمة ألا تتجاهلها تونس.

بقلم: عماد درويش

خبير في الطاقة والهيدروجين والانتقال الرقمي

احصل على النشرة الإخبارية اليومية لـ تونسي رقمية مجانًا

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

لقد اشتركت بنجاح في نشرتنا الإخبارية.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا