كان السؤال المطروح : لماذا انتهت سريعًا العملية التي أطلق عليها الرئيس دونالد ترامب، بتضخيم واضح، اسم “Project Freedom” أو «مشروع الحرية»، بعد 24 ساعة فقط، وبعد عبور سفينتين تجاريتين أمريكيتين، كما قيل، مضيق هرمز؟ نجاحان هزيلان لا أكثر، في حين لم يحالف الحظ سفينة شحن كورية جنوبية وحاملة حاويات فرنسية، بينما كانت نحو 1000 سفينة محملة بالبضائع تنتظر أن تؤمّن البحرية الأمريكية عبورها. اليوم بدأت الألسن تنفك، وبات معروفًا لماذا ألقى ترامب المنشفة متذرعًا بمنح الحوار مع طهران فرصة أخيرة.
في الواقع، توقفت عملية مرافقة السفن «بعد أن علّق حليف رئيسي في الخليج قدرة الجيش الأمريكي على استخدام قواعده ومجاله الجوي لتنفيذ العملية». وهذا الحليف ليس سوى البلد الذي كان يفرض كلمته في المنطقة، قبل أن تصبح الكلمة اليوم لإيران، وعلى الأرجح لمدة طويلة: المملكة العربية السعودية. وقد كان موقع قناة NBC الأمريكية هو من كشف كواليس «التحول المفاجئ» في موقف ترامب.
و تبيّن، وهذا لن يفاجئ أحدًا، أن إعلان ساكن البيت الأبيض عن العملية عبر شبكته الاجتماعية «أثار غضب القادة السعوديين». وبحسب المعطيات المتداولة، فقد أبلغت الرياض واشنطن فورًا بأنها ستمنع الطائرات الحربية الأمريكية من الإقلاع من قاعدة الأمير سلطان الجوية، الواقعة جنوب شرقي الرياض. كما أن التحليق فوق المجال الجوي السعودي لدعم هذه العملية كان سيُحظر بدوره.
و حاول مسؤولون أمريكيون، وفقًا للمصادر ذاتها، إعادة السعوديين إلى موقف أكثر مرونة، بل إن ترامب اتصل شخصيًا بولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وهو نفسه الذي تعرّض في مارس الماضي لوصف علني بالجبن من قبل البيت الأبيض. غير أن كل الضمانات التي قُدمت لم تكن كافية لـ«حل المشكلة». عندها، اضطر الرئيس الأمريكي إلى استخلاص النتائج.
و يبدو أن الإعلان الأحادي عن انطلاق هذه العملية المحفوفة بالمخاطر قد «فاجأ» و«أربك» جميع ممالك الخليج. فقد تصرفت واشنطن، بذريعة أنها تسلّح هذه الدول وتضمن أمنها، وكأنها صاحبة القرار في المنطقة، رغم أن الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية التي تتساقط تثبت عكس ذلك. واعتاد ترامب أن يفرض الأمر الواقع على زبائنه الأثرياء، مانحًا نفسه حق تقرير مصيرهم.
و بحسب NBC News، فإن الرئيس الجمهوري لم يُبلغ قادة قطر وسلطنة عمان إلا بعد إطلاق عملية “Project Freedom”. ونقلت القناة عن دبلوماسي من الشرق الأوسط قوله: «أعلنت الولايات المتحدة الأمر، ثم نسّقت معنا». غير أن مسؤولًا في البيت الأبيض يؤكد، في المقابل، أن الشركاء الإقليميين للولايات المتحدة كانوا «على علم مسبق».
و يقول مسؤول أمريكي: «بسبب الجغرافيا، يُعد تعاون الشركاء الإقليميين ضروريًا لاستخدام مجالهم الجوي».
و ما هو معروف أن السعودية والأردن، من بين دول المنطقة التي تستضيف قواعد أمريكية، تُعدان «أساسيتين» لتمركز الطائرات، فيما يُعتبر الكويت ضروريًا للتحليق فوق هذا المجال، وتُعد سلطنة عمان مهمة للتحليق والدعم اللوجستي البحري. وهنا تحديدًا يكمن جوهر المشكلة بالنسبة للإيرانيين.
فقبل 28 فيفري 2026، وهو التاريخ الذي أطلق فيه ترامب حربه الكارثية، كان الراحل علي لاريجاني، رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، قد قام بجولة لدى دول الجوار لتحذيرها من أن وجود هذه المنشآت الأمريكية على أراضيها يجعلها أطرافًا محاربة، وبالتالي ستكون أهدافًا في حال اندلاع النزاع. وقد أوفت طهران بوعدها، بما تجاوز أسوأ مخاوف دول الخليج. وكانت السعودية قد أقرت في مارس الماضي بأن محاولة استئناف أعمال النفط والغاز مع استبعاد إيران من الحل أمر وهمي.
في النهاية، نجح محمد بن سلمان في تقييد يدي مشعل الحرائق، ترامب.
فالسعوديون والإماراتيون والقطريون ينفقون مئات مليارات الدولارات لشراء السلاح الأمريكي، وهو من بين الأفضل في السوق، لكن ذلك لا يحميهم من شيء. والأسوأ أنهم لا يجرؤون حتى على الرد على إيران. فقد تلقت الإمارات العربية المتحدة وحدها قرابة 2800 طائرة مسيّرة وصاروخ، من دون أي رد واحد باتجاه نظام الملالي منذ أكثر من شهرين.
و حتى عندما ضربت طهران الموقع النفطي في الفجيرة، وهو منصة طاقية رئيسية، لم تحرّك الإمارات ساكنًا، باستثناء تهديدات متكررة بالرد. هذا هو المشهد اليوم: ترسانة ضخمة من الأسلحة، من أفضل ما هو متاح في فئاتها، لكن من دون الجرأة على استخدامها ضد الحرس الثوري. وقد استخلص محمد بن سلمان الخلاصة، فسحب البساط من تحت أقدام ترامب.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية