يبدأ الأمر كما تبدأ كثير من الظواهر المعاصرة: وعد بسيط، فيديو مقنع، وكلمة تبعث على الطمأنينة: الطيبات. أي “الأشياء الجيدة”. مصطلح يخاطب المخيال الديني، والحنين إلى غذاء أكثر نقاءً، والرغبة في استعادة السيطرة على جسد أنهكه التعب.
ظهر “نظام الطيبات” في مصر حول الطبيب ضياء العوادي، الذي توفي لاحقاً، وفرض نفسه على شبكات التواصل الاجتماعي كمنهج غذائي يُفترض أنه ينقّي الجسم، ويخفف الالتهاب، ويحسّن داء السكري، ويخفف اضطرابات الجهاز الهضمي. وهو يقسم الأطعمة إلى “جيدة” و”سيئة”، ويعد بالعودة إلى غذاء أكثر طبيعية، ويجذب الناس تحديداً لأنه يبدو كأنه يقدم إجابة واضحة لمعاناة معقدة.
لكن الانحرافات غالباً ما تبدأ بهذه الطريقة: لا بفكرة عبثية، بل بفكرة جذابة يتم دفعها إلى أقصى الحدود.
الأكل بشكل أفضل أمر بديهي. تقليل المنتجات الصناعية، الإصغاء إلى الجسم، وتصحيح الإفراط الغذائي، أمور لا يمكن لأحد أن يعارضها بجدية.
لكن المشكلة تبدأ حين تتحول هذه النظافة الحياتية إلى عقيدة، وحين يصبح النظام الغذائي حقيقة مطلقة، وحين يبدأ الطعام في تعويض الطب.
وهذا بالضبط ما يخشاه الأطباء اليوم.
في تونس، نقل طبيب القلب ذاكر لهيذب حالة تختصر كل شيء. فقد حضرت مريضة إلى العيادة بمستوى سكر في الدم يقارب 5 غ/ل، وبآلام صدرية توحي بذبحة صدرية. والحال أن وضعها الصحي كان مستقراً في السابق. وبعد الحديث معها، اكتشف الطبيب أنها تتبع نظام “الطيبات”، وأنها توقفت خاصة عن حقن الأنسولين. وقد تم التكفل بها استعجالياً، واضطرت إلى الخضوع لتركيب دعامة تاجية.
لم يعد الأمر نقاشاً في الرأي. ولم تعد المسألة خلافاً بين أخصائيي التغذية. إنها اللحظة الدقيقة التي تدخل فيها قناعة غذائية إلى منطقة الخطر الحيوي.
ولا يكمن خطر “الطيبات” فقط فيما يسمح به أو يمنعه. بل يكمن في الثقة المطلقة التي يرسخها. فبعض الأطعمة تُقدّس، وأخرى تُشيطن. ويمكن استبعاد أصناف كاملة: البيض، منتجات الألبان، البقوليات، الدواجن، والخضر النيئة. وفي المقابل، تتم إعادة الاعتبار لبعض الدهون أو اللحوم بثقة لا تتقاسمها دائماً الأدبيات الطبية.
لكن نقطة الانكسار الحقيقية توجد في مكان آخر: في فكرة أن الجسم، إذا تغذى بشكل صحيح، يمكنه الاستغناء عن أدوية أساسية.
بالنسبة إلى مريض السكري، قد يكون التوقف عن الأنسولين كارثياً. وبالنسبة إلى مريض الكلى، قد يكون رفض تصفية الدم قاتلاً. وبالنسبة إلى مريض القلب، قد يؤدي تغيير غذائي مفاجئ أو التخلي عن المتابعة الطبية إلى تسريع الحادث الصحي الذي كان يعتقد أنه يتجنبه.
لماذا يصدق كثيرون ذلك؟
لأن الطب الحديث يعالج، لكنه أحياناً لا يشرح بما يكفي. ولأن المرضى المزمنين أنهكتهم الوصفات الطبية، والتحاليل، والآثار الجانبية، والمواعيد. ولأن الطبيب الحذر يقول: “الأمر يتوقف على الحالة”، بينما يقول الخطاب الرائج: “هذه هي الحلول”.
تعشق شبكات التواصل الاجتماعي اليقينيات. فهي تفضل الشهادة الفردية على الدراسة، وقصة الشفاء على التدرج، والجملة الصادمة على التوصية الطبية. مريض يقول “تحسنت حالتي” يصبح أكثر إقناعاً من بروتوكول علمي. وفيديو يتم تداوله ألف مرة ينتهي بأن يبدو كأنه دليل.
ويضيف الغلاف الديني قوة خاصة. فكلمة “الطيبات” تمنح النظام عمقاً عاطفياً. فهو لا يخاطب البطن فقط، بل الإيمان والهوية والحاجة إلى النقاء. ومن ثم، تصبح النقد صعباً. فمعارضة النظام قد تُفهم خطأً على أنها معارضة لقيمة دينية، في حين أن الأمر يتعلق فقط بالتذكير بحقيقة بسيطة: كلمة ذات حمولة مقدسة لا تحوّل فرضية غذائية إلى علاج مثبت.
تكشف هذه الظاهرة أيضاً ثغرة أوسع في مجتمعاتنا. فعندما تتراجع الثقة في المؤسسات الطبية، تظهر سلطات أخرى: مؤثرون، فيديوهات، مجموعات فايسبوك، شهادات عائلية، وشخصيات كاريزمية. تتحدث هذه الجهات بلغة أبسط، وتعد بأكثر، ولا تطلب انتظار نتائج دراسة. إنها تمنح الأمل فوراً.
وهنا بالضبط يكمن الخطر.
فنظام “الطيبات” ليس خطيراً لأنه يدعو إلى الأكل بشكل أفضل. بل يصبح خطيراً عندما يخلق وهماً بالاستبدال: استبدال الطبيب بمؤثر، والعلاج بقائمة أطعمة، والحذر باليقين، والعلم بوعد.
بالنسبة إلى تونس، الإشارة واضحة. فما ينتشر في القاهرة أو الإسكندرية يصل بسرعة كبيرة إلى تونس أو صفاقس أو سوسة. فالحدود الصحية لم تعد جغرافية، بل أصبحت رقمية. ويمكن لنصيحة طبية خطيرة أن تعبر البلدان أسرع من تحذير رسمي.
لذلك، لا يتعلق الأمر باحتقار من يتبعون هذا النظام. فكثيرون يبحثون بصدق عن التحسن. وكثيرون منهكون. وكثيرون يريدون أن يصدقوا أن هناك طريقاً أبسط، وأكثر طبيعية، وأخف وطأة من المرض المزمن.
لكن التعاطف لا ينبغي أن يتحول إلى تساهل.
الأكل بشكل أفضل يمكن أن يرافق العلاج، لكنه لا يعوضه. التغذية المتوازنة يمكن أن تساعد مريض السكري، لكنها لا تلغي، بمعجزة، حاجته إلى الأنسولين. ونمط العيش الصحي يمكن أن يحمي القلب، لكنه لا يذيب شرياناً مسدوداً.
هنا يكمن الخط الفاصل. إنه بسيط، لكنه أساسي.
يمكن للصحة أن تستمع إلى التقاليد والإيمان والتجربة والطبيعة. لكن عندما تكون الحياة على المحك، يجب أن تظل مرتبطة بالدليل والتشخيص والمتابعة الطبية.
يعد نظام “الطيبات” بمصالحة الجسد مع ما هو جيد. لكن الأهم ألا ننسى ما ينقذ الحياة.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية