آخر الأخبار

الحركية المنظمة كفرصة تنموية : آفاق جديدة للعلاقة التونسية الأوروبية

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

تسجّل العلاقة بين تونس والاتحاد الأوروبي مرحلة جديدة من التحول الهادئ، حيث تتزايد أهمية الحركية البشرية باعتبارها أحد أهم محركات التفاعل الاقتصادي بين الضفتين.

وتكشف المعطيات الحديثة عن مغادرة نحو 39 ألف مهندس تونسي خلال السنوات الأخيرة، بالتوازي مع تسجيل أكثر من 38 ألف طلب تأشيرة شنغن مرفوض خلال سنة 2024، وهو ما يعكس ديناميكية معقدة لكنها تعبر أيضاً عن حجم الطلب المرتفع على التنقل والاندماج في الفضاء الأوروبي.

ورغم هذه الأرقام، تتجه القراءة الاقتصادية الكلية بشكل متزايد نحو اعتبار هذه الظاهرة ليس فقط كتحدٍّ، بل كإشارة إلى عمق الترابط بين سوقي العمل في الضفتين، وإلى إمكانية إعادة تنظيم هذه الحركية بما يخدم التنمية المشتركة.

إطار شراكة يحتاج إلى توسيع أدواته

تؤطر العلاقات التونسية الأوروبية اتفاقية الشراكة الموقعة سنة 1995، والتي أرست فضاء تعاون تجاري واقتصادي متقدم غير أن التطورات الاقتصادية والاجتماعية خلال العقود الأخيرة، سواء في تونس أو داخل الاتحاد الأوروبي، تدفع نحو إعادة التفكير في أدوات هذه الشراكة أكثر من إعادة النظر في جوهرها ففي الوقت الذي تواجه فيه تونس تحديات تتعلق بخلق فرص التشغيل ورفع القيمة المضافة، يشهد الاتحاد الأوروبي تحولات ديمغرافية عميقة ونقصاً متزايداً في اليد العاملة، ما يجعل من الحركية المنظمة عنصر توازن محتمل بين العرض والطلب على العمل في فضاء متوسطي واحد.

وتُظهر الاتجاهات الحديثة أن الحركية الدولية تتجه نحو مزيد من الانتقائية الإيجابية، حيث يتم استقطاب الكفاءات العالية في مجالات الهندسة والطب والتقنيات الحديثة، وهو ما يفتح أمام الكفاءات التونسية آفاقاً مهنية أوسع داخل الفضاء الأوروبي. وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى هجرة الكفاءات ليس فقط كخسارة محلية، ولكن أيضاً كامتداد طبيعي لاقتصاد عالمي قائم على تدويل المعرفة، مع إمكانية تحويلها إلى شبكة قيمة مضافة عبر تحويلات مالية، وشراكات علمية، واستثمارات عكسية مستقبلية.

تعاون مشترك في مسار إعادة التوازن

تُبرز سياسات التعاون الأخيرة، خاصة في إطار مذكرة التفاهم لسنة 2023، توجهاً مزدوجاً يجمع بين دعم القدرات الأمنية ومرافقة مسارات التنمية إذ تم تخصيص نحو 105 ملايين يورو تشمل دعم مراقبة الحدود وتعزيز قدرات خفر السواحل، إلى جانب برامج مرتبطة بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية. ورغم التركيز على البعد الأمني، فإن التحدي المستقبلي يتمثل في تعزيز التوازن بين إدارة التدفقات من جهة، ومعالجة جذور الضغوط الاقتصادية من جهة أخرى، بما يسمح ببناء مقاربة أكثر شمولية واستدامة.

هذا وتكشف المؤشرات التجارية عن مستوى متقدم من الاندماج بين تونس والاتحاد الأوروبي، حيث تمثل السوق الأوروبية أكثر من 53% من واردات تونس سنة 2018. هذا الترابط، رغم ما يطرحه من تحديات تتعلق بالهشاشة أمام الصدمات الخارجية، يشكل في الوقت ذاته قاعدة صلبة يمكن البناء عليها لتوسيع سلاسل القيمة الإقليمية وتعزيز التكامل الإنتاجي. وفي هذا الإطار، تبرز فرص حقيقية لإعادة توجيه هذا الاندماج نحو نموذج أكثر توازناً يقوم على الاستثمار المشترك ونقل التكنولوجيا وتطوير الصناعات الموجهة للتصدير.

مسارات الحركية كفرص غير مستغلة بعد

تسجل مؤشرات التشغيل الموسمي تقدماً تدريجياً، حيث تم إصدار 6,664 ترخيص عمل موسمي سنة 2023، ما يعكس وجود قنوات قائمة للتنقل المنظم يمكن توسيعها بشكل أكبر. وتشير التحاليل الاقتصادية إلى أن توسيع هذه المسارات، سواء في الفلاحة أو الخدمات أو الرعاية الصحية، يمكن أن يحول الهجرة من ضغط ديمغرافي إلى آلية توازن سوقي تخدم الطرفين، خاصة في ظل الطلب المتزايد داخل أوروبا على اليد العاملة.

كما تتجه القراءة الاستشرافية إلى اعتبار الحركية التونسية الأوروبية فرصة استراتيجية لإعادة تعريف العلاقة بين التنمية والتنقل فبدلاً من مقاربة تقوم على ضبط التدفقات، يمكن تطوير نموذج يقوم على تنظيمها وتوسيعها وربطها بسياسات التكوين والاستثمار. ويتيح هذا التوجه إمكانية بناء فضاء متوسطي أكثر تكاملاً، حيث تتحول الهجرة من ملف إشكالي إلى أداة لإعادة توزيع الفرص الاقتصادية، وتعزيز رأس المال البشري، ودعم النمو المشترك في الضفتين.

بشكل عام تحيل هذه المقاربة الى أن مستقبل العلاقة التونسية الأوروبية في مجال الحركية لا يرتبط فقط بإدارة التدفقات، بل بقدرة الطرفين على تحويلها إلى رافعة اقتصادية كلية. وبين تحديات الحاضر وإمكانات المستقبل، تبرز الحاجة إلى رؤية أكثر توازناً تجعل من التنقل البشري جزءاً من هندسة جديدة للتنمية، تقوم على التكامل بدل التباين، وعلى الشراكة بدل الاختلال.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا