لفترة طويلة، كان جزء من التحاليل الجينية الثقيلة يتطلّب الانتظار أو تكاليف مرتفعة أو إرساله إلى الخارج. واليوم، نجحت تونس في تقليص جزء من هذا الاعتماد. ففي معهد باستور بتونس، تمكّن المخبر الجديد للجينوم البشري من تحقيق أوّل إنجاز وطني، تمثّل في تحليل 96 إكسومًا و48 جينومًا بشريًا في عملية واحدة.
وراء هذه المصطلحات التقنية، يكمن رهان ملموس للغاية. فالإكسوم يمثّل الجزء من الجينوم الذي تتركّز فيه العديد من الطفرات المسؤولة عن الأمراض. أمّا الجينوم، فيوفّر قراءة أشمل بكثير للحمض النووي. ومن شأن القدرة على تحليل هذه المعطيات في تونس أن تختصر مسار التشخيص، خاصة بالنسبة إلى العائلات التي تواجه أمراضًا نادرة، أحيانًا بعد سنوات من المعاناة في البحث عن تشخيص طبي دقيق.
وقد تم تنفيذ هذه العملية بفضل جهاز NovaSeq X Plus، وهو جهاز تسلسل جيني عالي التدفق، يُقدَّم على أنّه فريد من نوعه في تونس. وبلغ أول اختبار استغلال نسبة نجاح تقنية قدرها 100%. ولا يعني ذلك أنّ جميع التشخيصات ستصبح بسيطة بشكل فوري، بل يؤكد أن الأداة تعمل، وأن الفرق التونسية باتت قادرة على معالجة أحجام من البيانات كان من الصعب استيعابها محليًا في السابق.
يُعدّ مجال الأمراض النادرة أوّل القطاعات المعنية بهذا التقدّم. فبالنسبة إلى العديد من المرضى، يمكن أن يتيح تحديد الأصل الجيني للمرض وضع اسم واضح للحالة المرضية، وتوجيه مسار التكفّل الطبي، وإعلام الأقارب، وفي بعض الحالات، تجنّب فحوصات غير ضرورية.
يمثّل علاج السرطان مجالًا رئيسيًا آخر. فالطب يتّجه بشكل متزايد نحو علاجات مكيّفة مع الخصائص البيولوجية لكل ورم. ويمكن أن يساعد التسلسل الجيني في فهم بعض الطفرات بشكل أفضل وتوجيه القرارات الطبية، متى توفّرت البروتوكولات والإمكانات العلاجية اللازمة.
ستُسخّر هذه المنصة أيضًا لخدمة مشروع Genome Tunisia، الذي يهدف إلى فهم الخصوصيات الجينية للسكان في تونس بشكل أفضل. وهو موضوع علمي وحساس في الوقت نفسه؛ إذ يمكن لهذه البيانات أن تطوّر البحث العلمي والسياسات الصحية، لكنها تطرح أيضًا أسئلة عملية تتعلق بحماية المعلومات الجينية وتخزينها واستعمالها.
يرتكز نجاح هذه العملية الأولى على فرق المخبر الجديد للجينوم البشري، والمخابر الشريكة لمعهد باستور بتونس، إلى جانب عدد من المؤسسات الاستشفائية والعلمية التي شاركت في جمع العينات. كما ساهم شركاء تقنيون وصناعيون، من بينهم Illumina وMedibio، في التكوين والدعم التكنولوجي.
بالنسبة إلى تونس، لا يتمثّل الرهان فقط في امتلاك آلة أكثر قوة. بل يكمن التحدي في معرفة ما إذا كانت هذه القدرة الجديدة ستندمج فعليًا في مسارات العلاج: من سيتمكن من الاستفادة منها؟ وبأي كلفة؟ وفي أي آجال؟ وبأي ضمانات لحماية المعطيات الشخصية؟ ومع أي قدرة على التأويل الطبي للنتائج؟
لقد تحقق الإنجاز التقني. ويبقى الآن السؤال الأهم: كيف يمكن تحويله إلى فائدة حقيقية للمرضى، دون إغفال أن هذه البيانات، التي تُعد من بين الأكثر حساسية، يجب أن تُحمى بالصرامة نفسها التي بُذلت لإنتاجها.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية