بقلم د. بدر السماوي، خبير في الحماية الاجتماعية
برزت خلال الأشهر الماضية تشكيات عديدة من الفئات الفقيرة والفئات محدودة الدخل بعد أن وقع حرمانها من الانتفاع ببرنامج الأمان الاجتماعي.
وقد توجه العديد من نواب الشعب بنقد لاذع إلى وزير الشؤون الاجتماعية معتبرين سحب المنح وبطاقات العلاج متناقضا مع الدور الاجتماعي للدولة.
المنشور ” المنشار”
تم سحب الانتفاع بعد صدور منشور وزير الشؤون الاجتماعية عدد 5 في شهر أكتوبر 2025 الذي جاء بإجراءات أكثر صرامة مقارنة مع منشور سابق صدر في أفريل 2024 وقع اعتباره مرنا بطريقة مكّنت عدة أفراد أو اسر غير مستحقة من الانتفاع ببرنامج الأمان الاجتماعي.
ومن أهم المعايير التي تسببت هذه المرة في إعادة النظر في بعض الحالات مجموع الدخل العائلي حيث وقع سحب بعض الفئات بسبب حصول أحد الأبناء على عمل حتى لو كان عملا هشا أو امتلاك الأسرة لسيارة حتى لو كانت قديمة أو مهملة أو امتلاك مسكن ثان حتى لو كان على ملك أحد أفراد العائلة أو كان في حالة رثة أو التصريح بأجور لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي حتى لو كانت الأجور ضعيفة أو غير قارة.
شروط الانتفاع
يُشترط في طالب الانتفاع ببرنامج الأمان الاجتماعي الذي وقع إحداثه سنة 2019 أن يكون عديم الدخل أو أن لا يتجاوز معدل دخله الشهري مبلغا يعادل:
– ثلثي الأجر الأدنى المضمون لمختلف المهن بالنسبة للفرد الواحد
– الأجر الأدنى المضمون لمختلف المهن بالنسبة للأسر التي يساوي عدد أفرادها اثنين
– مرة ونصف الأجر الأدنى المضمون لمختلف المهن بالنسبة للأسر التي يتراوح عدد أفرادها بين ثلاثة وأربع
– مرتين الأجر الأدنى المضمون لمختلف المهن بالنسبة للأسر التي يساوي أو يفوق عدد أفرادها خمسة.
وهناك شروطا إضافية يجب توفرها حتى ينتفع الفرد أو الأسرة بهذا البرنامج وهي التي أثارت عند تطبيقها مؤخرا كل هذا الجدل وهي على سبيل الذكر عدم ملكية مسكن إضافي عند تقديم المطلب وعدم القيام بعمليات شراء أو بيع تفوق مبلغ 30 مرة الأجر الأدنى المضمون خلال الثلاث سنوات السابقة لتاريخ تقديم المطلب وعدم الانتفاع بتغطية اجتماعية في إطار الأنظمة القانونية للضمان الاجتماعي.
المنافع المسداة
تنقسم الفئات المشمولة ببرنامج الأمان الاجتماعي إلى فئتين وهما الفئات الفقيرة والفئات محدودة الدخل. وتنتفع الفئات الفقيرة بتحويل مالي وقع الترفيع فيه منذ بضعة أيام إلى 280 دينار شهريا وبالعلاج المجاني وبمساعدات مالية خلال المناسبات الدينية بينما تنتفع الفئات محدودة الدخل بالعلاج بالتعريفة المنخفضة دون التحويل المالي.
وتشترك الفئتان في الانتفاع بالمنح العائلية التي تبلغ 30 دينارا شهريا عن كل طفل في الكفالة لا يتجاوز 18 سنة من العمر. كما تنتفع الفئتان بدعم مادي ظرفي يتمثل في مصاريف العودة المدرسية والجامعية ومصاريف اقتناء الاشتراكات السنوية للنقل المدرسي والجامعي بما في ذلك الأبناء المسجلين بالأقسام التحضيرية العمومية أو بالكتاتيب. وتمت في السنوات الأخيرة إضافة منافع ذات صبغة خاصة مثل إسناد منح لفائدة الأطفال المصابين بالتوحد بعنوان التكفل بجزء من مصاريف تأهيلهم وإدماجهم ومنح لفائدة الأطفال المصابين بالسكري بعنوان اقتناء آلة قيس السكري دون وخز ومنح لمرضى حساسية دابوق القمح للتكفل بجزء من مصاريف اقتناء المستلزمات الغذائية.
كما وقع ضمن برنامج الأمان الاجتماعي إحداث برنامج للتمكين الاقتصادي لتمويل مشاريع فردية أو مشتركة وذلك في شكل هبة. ويتم في ميزانية الدولة لكل سنة وفي إطار دعم الإدماج المالي والاقتصادي لهذه الفئات تخصيص خطوط تمويل من موارد الصندوق الوطني للتشغيل لمنج قروض دون فائدة مع فترة سداد مريحة لتمويل أنشطة في كل المجالات الاقتصادية.
إجراءات الانتفاع
تعتمد مصالح وزارة الشؤون الاجتماعية على أنموذج تنقيط يستند على مفهوم الفقر متعدد الأبعاد متمثلة في الخصائص الديمغرافية مثل العمر والجنس والحالة المدنية وحجم الأسرة والخصائص الجغرافية مثل الولاية والوسط الحضري والمستوى التعليمي والصحة مثل الإعاقة والوضعية المهنية والاقتصادية وخصائص السكن والقرب من المرافق العمومية الأساسية مثل المدرسة أو المركز الصحي.
ولا تسند المنافع للأفراد أو الأسر الذين تجب نفقتهم بموجب القرابة طبقا لمجلة الأحوال الشخصية إلا في صورة ثبوت ضعف إمكانياتهم لتلبية الحاجيات الضرورية لأصولهم. كما لا تسند التحويلات المالية المباشرة للأفراد والأسر التي يكون فيها رئيس الأسرة أو القرين منتفعا بجراية تقاعد أو شيخوخة أو أيتام أو عجز أو منخرطا بأحد أنظمة الضمان الاجتماعي باستثناء الأسر التي لديها أفراد من ذوي الإعاقة تتطلب نفقات إضافية.
الشمول والإقصاء
تتمثل الإشكالية التي تسببت في عدد من الإقصاءات في مدى التوصل إلى التوفيق بين مبدئي الشمول والإقصاء ذلك أن وزارة الشؤون الاجتماعية من واجبها تمكين كل من تتوفر فيه الشروط من الانتفاع بالبرنامج في إطار الحرص على الحد من الفقر من ناحية وإقصاء من لا يستحق محافظة على المال العام من ناحية أخرى.
ويبدو أن منشور سنة 2024 ذهب في اتجاه تغليب الجانب الاجتماعي على حساب الكلفة المالية في حين ذهب منشور سنة 2025 في اتجاه الترشيد مما قد يكون أثر سلبيا على الجانب الاجتماعي. ومما زاد الطين بلة هذه المرة تقليص دور الأخصائيين الاجتماعيين في النظر في الحالات الخاصة التي لا يقتصر حلها على التطبيقات الإعلامية فقط بل بالتدقيق والاجتهاد.
ثغرات تشريعية
إن الصعوبات المطروحة في تطبيق برنامج الأمان الاجتماعي لا يمكن تجاوزها بمعزل عن الثغرات التي تعاني منها أنظمة الضمان الاجتماعي والتي تدفع بعض الفئات إلى التشبث بالانتفاع ببرنامج الأمان الاجتماعي.
وعلى سبيل المثال نذكر الأجراء في القطاع الفلاحي الذين يعملون أقل من 45 يوما لدى نفس المؤجر خلال نفس الثلاثية حيث لا تتوفر فيهم شروط الانخراط في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وحتى إن توفرت في فترة معينة فذلك بصفة وقتية. فهم يجدون في برنامج الأمان الاجتماعي منافع أفضل بكثير من المنافع التي يوفرها نظام الضمان الاجتماعي أبرزها المنح العائلية دون اعتبار الفارق الشاسع في الاشتراكات. وحتى مرسوم الحماية الاجتماعية للعاملات الفلاحيات الذي تضمن حلا لهذه الإشكالية لم يجد طريقه إلى التنفيذ وبقي منذ صدوره في أكتوبر 2024 حبرا على ورق.
الحد من الفقر
يتطلب هذا الملف الشائك اتخاذ حلول عاجلة وأخرى آجلة. وتتمثل الحلول العاجلة في مراجعة المنشور عدد 5 لسنة 2025 في اتجاه أكثر مرونة مع توسيع صلاحيات الأخصائيين الاجتماعيين واللجان الجهوية للنهوض الاجتماعي. كما أنه من المستعجل إصدار النصوص الترتيبية لصندوق الحماية الاجتماعية للعاملات الفلاحيات.
وحتى تكون التدخلات الاجتماعية أكثر نفعا وأقل كلفة لا بد من تفعيل المجلس الأعلى للتنمية الاجتماعية المحدث منذ سنة 2022 والذي عهد له بتنسيق ومتابعة وتقييم السياسات الاجتماعية للدولة في مجال الإدماج الاجتماعي الهادفة إلى النهوض بالفئات الفقيرة ومحدودة الدخل وكذلك تركيز الوكالة الوطنية للإدماج والتنمية الاجتماعية المكلفة بتنفيذ السياسات الاجتماعية الهادفة إلى التوقي من الفقر والحد منه والارتداد إليه وتوارثه وهما هيكلان نص عليهما القانون الأساسي لبرنامج الأمان الاجتماعي.
أما الحلول الآجلة فتتمثل في إحكام التنسيق بين برنامج الأمان الاجتماعي وأنظمة الضمان الاجتماعي في إطار إصلاح شامل لمنظومة الحماية الاجتماعية يكون هدفها الأساسي شمولية التغطية الاجتماعية من منطلق حقوقي تكريسا لما نص عليه الدستور وتجسيما للدور الاجتماعي للدولة. ويظل دفع التنمية الاقتصادية وخلق الثروة السبيل الأنجع للإدماج الاجتماعي والقضاء على الفقر.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية