في سياق اقتصاد رقمي عالمي يتسارع فيه إدماج الذكاء الاصطناعي داخل سلاسل القيمة، يبرز في تونس بعدٌ أقل تقنية وأكثر عمقًا هو البعد الإنساني.
بين محدودية فرص التشغيل، وارتفاع نسب البطالة في صفوف حاملي الشهادات التي تتجاوز في بعض الفئات 35% وفق مؤشرات وطنية متداولة، وبين توسع منظومة الشركات الناشئة بعد اعتماد قانون الشركات الناشئة، يجد الشباب التونسي نفسه أمام معادلة لا تحسمها المهارات الرقمية وحدها، بل تتداخل فيها العواطف كعنصر حاسم في تحديد اتجاهات تبني التكنولوجيا أو رفضها.
إعادة تشكيل علاقة الشباب بالتكنولوجيا
ينطلق الشباب التونسي من واقع اجتماعي واقتصادي ضاغط، حيث تتسع الفجوة بين التكوين الأكاديمي ومتطلبات سوق عمل رقمي سريع التحول. ويُقبل جزء متزايد من حاملي الشهادات على أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي والتحليل البياني باعتبارها فرصة لتقليص كلفة الدخول إلى عالم ريادة الأعمال، خصوصًا في ظل نمو منظومة الدعم التي أطلقتها تونس منذ 2018 لتعزيز الشركات الناشئة وربطها بالأسواق الدولية.
غير أنّ هذا الإقبال لا يسير بوتيرة موحدة، إذ تتباين المواقف بين الانبهار بالتكنولوجيا الجديدة والخوف من فقدان السيطرة أو الاستغناء عن القدرات البشرية. ويكشف هذا التباين أن القرار الرقمي لا يخضع فقط لمنطق العقل التقني، بل يتأثر بشكل مباشر بدرجات الثقة بالنفس، ومستويات التحفيز، والقدرة على التعامل مع الغموض التكنولوجي.
تفكيك أثر العواطف في تبني الذكاء الاصطناعي
يفرض الذكاء الاصطناعي نفسه كتكنولوجيا غير محايدة في التلقي، حيث تتداخل الاستجابات النفسية مع الخيارات الاقتصادية. ويُظهر الواقع أن الشباب الذين يمتلكون قدرة أعلى على تنظيم عواطفهم يميلون إلى تحويل حالة عدم اليقين إلى فرصة للتجريب، خاصة داخل بيئة ريادة الأعمال الرقمية التي تتسم بالمخاطرة العالية.
في المقابل، يؤدي ضعف الثقة في المهارات الذاتية أو محدودية التعرض العملي للأدوات الرقمية إلى خلق نوع من “المقاومة غير المرئية” تجاه التكنولوجيا، حيث يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة تمكين إلى مصدر تهديد رمزي. ويبرز هذا التفاوت بشكل أوضح في السياق التونسي، حيث ما تزال الفجوة بين التكوين النظري والتطبيق العملي تحد من سرعة الانتقال نحو اقتصاد رقمي متكامل.
تعزيز الذكاء العاطفي كرافعة اقتصادية جديدة
يؤكد التفاعل بين التكنولوجيا والعامل البشري أن الذكاء العاطفي لم يعد عنصرًا ثانويًا، بل أصبح مكونًا إنتاجيًا في حد ذاته ذلك ان الدافعية الذاتية، والقدرة على إدارة الضغط، وبناء علاقات مهنية قائمة على التعاطف والتواصل، تمثل اليوم شروطًا أساسية للنجاح داخل بيئة الشركات الناشئة التونسية التي تعمل في فضاء تنافسي إقليمي ودولي.
وتساهم هذه المهارات في تعزيز قدرة الشباب على العمل الجماعي داخل فرق تطوير المنتجات الرقمية، حيث لا يمكن للذكاء الاصطناعي، رغم تطوره، أن يعوض عناصر الإبداع الإنساني أو ديناميكيات التعاون. ويؤكد ذلك أن القيمة المضافة في الاقتصاد الرقمي لا تنتج فقط عن الشفرة والخوارزميات، بل أيضًا عن جودة التفاعل البشري داخل منظومات الابتكار.
إعادة توجيه منظومة التكوين نحو المهارات المركبة
تتجه تونس، في ظل التحولات الرقمية، نحو إعادة التفكير في نموذج التكوين الجامعي والتقني يحكم ان الاكتفاء بالمهارات البرمجية أو التقنية لم يعد كافيًا في سوق عمل يتطلب قدرات تحليلية وعاطفية في آن واحد. ويُنتظر من الجامعات ومراكز التكوين وحاضنات الأعمال أن تلعب دورًا جديدًا يتمثل في إدماج المهارات الاجتماعية والعاطفية ضمن البرامج الأكاديمية.
وتشير تجارب حديثة داخل بعض برامج دعم الشركات الناشئة إلى أن إدماج التدريب على التواصل، وإدارة الضغط، والعمل الجماعي يرفع من قابلية المشاريع للاستمرار والتوسع، خاصة في بيئة اقتصادية تتسم بتقلبات التمويل وصعوبة النفاذ إلى الأسواق.
عموما، يتجه الاقتصاد الرقمي في تونس نحو مرحلة تتجاوز فيها التكنولوجيا كونها مجرد أداة إنتاج، لتصبح فضاءً لإعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والآلة. وفي هذا السياق، لا يبدو الذكاء الاصطناعي قوة بديلة بقدر ما هو قوة مكملة، يحدد نجاحها النهائي مدى قدرة الشباب على التوازن بين العقل التقني والعاطفة الإنسانية.
ويكشف هذا التحول أن مستقبل الريادة الرقمية في تونس لن يُحسم فقط في مختبرات البرمجة أو منصات البيانات، لكن أيضًا في القدرة على بناء جيل يمتلك ذكاءً مركبًا، يزاوج بين الكفاءة التقنية والنضج العاطفي، بما يسمح بتحويل التحديات الرقمية إلى فرص نمو مستدام داخل الاقتصاد الوطني.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية