يرصدُ مسارُ الاقتصاد التونسي خلال العقود الثلاثة الماضية تحوّلًا بنيويًا عميقًا قاده الانفتاح التجاري والتكامل المتدرّج في الأسواق العالمية، غير أنّ هذا التحول لم يُفضِ إلى توزيع متوازن لعوائده.
فقد أفرزت ديناميات التحديث تباينات متزايدة في الأجور بين فئات اليد العاملة، بما يعكس انقسامًا متصاعدًا داخل سوق الشغل بين العمال المؤهلين ونظرائهم الأقل تأهيلًا. وبينما كانت الرهانات تتمثل في تحفيز النمو وجذب الاستثمار ورفع كفاءة التشغيل، تكشف المعطيات أنّ المكاسب تحققت بصورة انتقائية، مكرّسة تفاوتًا هيكليًا في الدخل.
الانفتاح يعيد تشكيل الطلب على المهارات
يعيدُ توسّع التبادل التجاري توجيه بنية الاقتصاد نحو قطاعات أكثر اعتمادًا على المعرفة والخدمات، حيث بات هذا القطاع يستحوذ على الحصة الأكبر من الناتج والتشغيل. وتبرز داخل هذا النسيج أنشطة مصرفية وتأمينية واتصالية ونقلية وإدارية تتطلب مهارات متقدمة، ما يرفع الطلب على الكفاءات ويُترجم إلى مستويات أجور أعلى. وتعكس زيادات الأجور في بعض الأنشطة، التي بلغت نحو 7% في قطاعات حيوية، انتقالًا واضحًا نحو اقتصاد قائم على المهارات.
في المقابل، يحافظ القطاع الصناعي التقليدي، خاصة في فروع النسيج والجلود، على نمط إنتاج كثيف العمالة غير المؤهلة، حيث تبقى الزيادات في الأجور محدودة ولا تتجاوز في الغالب 3%. ويؤدي هذا التباين إلى تكريس فجوة دائمة بين اقتصادين متوازيين: أحدهما حديث ومندمج ومؤهل، والآخر تقليدي منخفض الإنتاجية والأجر.
رأس المال والتكنولوجيا يعزّزان عدم التكافؤ
يفرضُ تزايد كثافة رأس المال داخل بعض القطاعات إيقاعًا أسرع لارتفاع الأجور، لكن لفائدة فئة محددة من العمال. فكلما ارتفعت الاستثمارات في المعدات والتكنولوجيا، ازداد الطلب على اليد العاملة القادرة على تشغيلها، ما يمنح العمال المؤهلين قوة تفاوضية أكبر في تحديد أجورهم. وتؤكد المؤشرات أن القطاعات الرأسمالية تسجّل فجوات أوسع في الأجور مقارنة بالأنشطة التقليدية.
كما يُعمّق إدخال التكنولوجيا المستوردة هذا الاتجاه، إذ يفرض مهارات دقيقة ويعيد ترتيب هرم القيمة داخل المؤسسات. وفي المقابل، تظل القطاعات منخفضة الكثافة الرأسمالية عاجزة عن تحقيق نفس المكاسب الإنتاجية، ما يُبقي الأجور فيها شبه جامدة ويحدّ من قدرتها على تحسين شروط العمل. وهكذا، يتحول التحديث غير المتكافئ إلى محرّك مباشر لعدم المساواة.
الاختلالات المؤسسية تُفاقم الفجوات
تكشفُ جودة الحوكمة عن دور حاسم في توجيه آثار الانفتاح الاقتصادي، حيث تسهم البيئات المؤسسية الهشة في تضخيم الفوارق بدل تقليصها ذلك ان ضعف نجاعة السياسات العمومية يحدّ من قدرة الاقتصاد على توزيع المكاسب بشكل عادل، ويُضعف مرونة سوق الشغل في مواجهة التحولات.
في السياق ذاته، تبرز البطالة، خاصة في صفوف خريجي التعليم العالي، كعامل بنيوي معقّد، إذ تبلغ مستويات تقارب 30%، ما يخلق اختلالًا في آلية تحديد الأجور ويؤخر اندماج الكفاءات في الدورة الاقتصادية. كما يعاني النمو من محدودية قدرته على خلق وظائف ذات جودة، حيث تظل القطاعات الأكثر إنتاجية غير قادرة على استيعاب العرض المتزايد من اليد العاملة المؤهلة، مقابل استمرار القطاعات كثيفة التشغيل في تقديم أجور ضعيفة.
يُبرزُ التفاعل بين الانفتاح ورأس المال والتكنولوجيا والحوكمة مسارًا اقتصاديًا يتسم بازدواجية متزايدة، حيث تتقدم قطاعات حديثة بوتيرة سريعة، مدفوعة بالاستثمار والمهارات، في حين تتخلف أنشطة تقليدية تفتقر إلى عوامل التحديث. وتفضي هذه الديناميكية إلى توسيع فجوات الأجور بشكل تدريجي، بما يطرح تحديات حقيقية أمام صناع القرار.
ويضع هذا الواقع الاقتصاد التونسي أمام معادلة دقيقة فبينما يظل التحديث خيارًا استراتيجيًا لا رجعة فيه، تصبح مسألة إعادة توزيع ثماره وضمان شموليتها شرطًا أساسيًا للحفاظ على التوازن الاجتماعي وتعزيز الاستدامة الاقتصادية.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية