آخر الأخبار

الكيروسين: الأزمة تهدد الرحلات الصيفية في أوروبا… وتبدأ في إثارة القلق في تونس

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

أصبحت الصورة أكثر وضوحا الآن بفضل ما صدر عن وكالة الطاقة الدولية والأسواق المتخصصة. فبحسب وكالة الطاقة الدولية، كما نقلت عنها رويترز وArgus، لم تتمكن أوروبا حتى الآن سوى من تعويض ما يزيد قليلا على نصف كميات الكيروسين المفقودة القادمة من الشرق الأوسط.

وفي ظل هذه المعطيات، قد تبدأ حالات نقص فعلية في الظهور داخل بعض المطارات الأوروبية بداية من شهر جوان، إذا لم يطرأ تحسن على الوضع.

وقد أصبح جرس الإنذار أشد وقعا يوم 16 أفريل. إذ قدّر فاتح بيرول، المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، أن أوروبا قد لا يتبقى لديها سوى نحو ستة أسابيع من الكيروسين المتاح، إذا استمر اضطراب تدفقات الإمداد.

وبذلك، لم نعد أمام مجرد سيناريو نظري يتعلق بارتفاع الأسعار، بل دخلنا مرحلة بدأ فيها الحديث علنا عن خطر نقص فعلي في الإمدادات.

أوروبا في واجهة الخطر

تبدو أوروبا اليوم واحدة من أكثر المناطق هشاشة في هذا الملف. فقد كانت الرابطة الدولية للنقل الجوي قد ذكّرت منذ شهر مارس بأنها تؤمن ما بين 25 و30 بالمائة من حاجتها إلى الكيروسين من منطقة الخليج الفارسي، وأن أمن الإمدادات فيها يعتمد بدرجة كبيرة على مخزونات تجارية لا تغطي سوى أكثر قليلا من شهر واحد من الطلب.

كما شددت المنظمة على أن الموردين الآسيويين البدلاء غير قادرين بسهولة على تعويض هذا النقص، باعتبار أن 84 بالمائة من النفط الخام الذي يمر عادة عبر مضيق هرمز يكون موجها إلى آسيا، وهو ما يحد من توفر الخام اللازم لتكرير مزيد من وقود الطائرات في مناطق أخرى.

وتجعل أحدث البيانات هذه الصورة أكثر قتامة. إذ تشير Argus إلى أن الخليج كان يمثل، في الظروف العادية، 75 بالمائة من واردات أوروبا من الكيروسين.

وحتى مع وصول شحنات قياسية من الولايات المتحدة، إلى جانب بعض الشحنات الإضافية القادمة من إفريقيا، فإن أوروبا لا تعوض اليوم سوى ما يزيد قليلا على نصف الكميات المفقودة.

مخزونات تتراجع وهامش الأمان يتآكل

هنا تحديدا يبدأ القلق الحقيقي. فقد أفادت Argus بأن مخزونات الكيروسين المستقلة في مركز أمستردام – روتردام – أنتويرب تراجعت إلى 646 ألف طن بتاريخ 8 أفريل، وهو أدنى مستوى لها منذ ثلاث سنوات، بانخفاض نسبته 28 بالمائة على أساس سنوي.

وترى وكالة الطاقة الدولية أن النقص الفعلي قد يبدأ في الظهور عندما تهبط التغطية إلى أقل من 23 يوما. كما تعتبر الوكالة أن نحو 20 بالمائة من المخزونات يجب أن تبقى غير قابلة للمساس، لضمان السير العادي لسلسلة الإمداد.

وفي الوقت نفسه، حذرت رابطة المطارات الأوروبية بروكسيل من أن ضغوطا على إمدادات الوقود قد تصبح واقعا ملموسا في غضون ثلاثة أسابيع فقط في بعض البلدان.

بعبارة أخرى، لم تعد الأزمة مجرد تمرين نظري في النمذجة. بل بدأت تدخل فعليا في السيناريوهات التشغيلية للمطارات وشركات الطيران.

حتى لو أُعيد فتح هرمز، فلن تكون العودة إلى الوضع الطبيعي سريعة

العنصر الآخر المهم، والذي غالبا ما يتم التقليل من شأنه، هو أن السوق لن يتعافى بين عشية وضحاها. فبحسب وكالة الطاقة الدولية، سيستغرق الأمر نحو شهرين لإعادة استقرار الصادرات العابرة عبر هرمز، حتى لو أُعيد فتح المضيق بسرعة.

والسبب بسيط: إذ يجب أولا إخراج السفن المحملة العالقة في المنطقة، ثم إعادة السفن الفارغة، وإعادة بناء برامج الشحن، وإعادة تشغيل بعض قدرات الإنتاج والتكرير، قبل استعادة الوتيرة التجارية الطبيعية.

وفي هذا السياق، كانت وكالة الطاقة الدولية قد أشارت إلى أنه مع بداية النزاع، وجد نحو 390 سفينة، من بينها 210 سفن كانت محملة بالفعل، نفسها عالقة داخل المضيق.

وهذا الاضطراب اللوجستي يفسر لماذا لا يكفي حتى حدوث انفراج جيوسياسي سريع لإنهاء أزمة الكيروسين فورا.

الأسعار لا تزال مرتفعة جدا… ولم ينته الأمر بعد

وقود الطائرات ليس فقط نادرا، بل ما يزال مرتفع الكلفة. فقد أشارت Cirium إلى أن سعر النفط الخام انتقل من نحو 60 دولارا للبرميل في جانفي إلى أكثر من 100 دولار، أي بزيادة تفوق 50 بالمائة، موضحة أن الكيروسين يعاني أكثر بسبب اتساع هوامش التكرير.

كما أفادت المؤسسة أنه علاوة المخاطر مرشحة للبقاء ضمن الأسعار إلى نهاية السنة، حتى لو تراجعت أسعار الخام قليلا.

وبالنسبة إلى شركات الطيران، فإن التأثير قد يكون ضخما. فبحسب Cirium، وهي شركة رائدة عالميا في تحليل بيانات الطيران، تبدأ صناعة الطيران العالمية عموما في فقدان قدرتها على تحقيق الأرباح عندما يستقر سعر النفط بشكل دائم بين 72 و76 دولارا للبرميل.

وفوق هذا المستوى، تتآكل الربحية بسرعة. والحال أن السوق تتحرك اليوم بعيدا عن هذه المنطقة الحرجة.

شركات الطيران ليست متساوية في مواجهة الصدمة

ليست كل الشركات معرضة بالدرجة نفسها. فبحسب Cirium، تكاد شركات الطيران الأمريكية تكون غير مغطاة تقريبا ضد مخاطر الوقود، في حين أن عددا كبيرا من الشركات الأوروبية والآسيوية ما يزال يؤمن بين 45 و85 بالمائة من احتياجاته، على الأقل خلال النصف الأول من سنة 2026.

وهذا يمنحها بعض الهامش، لكنه لا يوفر لها حصانة كاملة، لأن بعض أدوات التحوط ترتبط بالنفط الخام وليس مباشرة بوقود Jet A-1، ما يبقيها معرضة لهوامش التكرير.

بمعنى آخر، سيتم امتصاص الصدمة بسرعات متفاوتة. لكن إذا طال أمد الأزمة، فإن حتى الشركات الأكثر تحوطا ستشعر في نهاية المطاف بثقل السوق الفورية.

أولى التداعيات بدأت تخرج إلى العلن

انتقال الأزمة من ملف الطاقة إلى ملف الطيران بات واضحا بالفعل. فقد حذرت شركات الطيران الأوروبية الاتحاد الأوروبي من أن الموسم الصيفي قد يتعرض للاضطراب. وتفيد رويترز بأن إلغاء الرحلات، وارتفاع الأسعار، بل وحتى إبقاء بعض الطائرات على الأرض، أصبحت كلها ضمن السيناريوهات المطروحة.

وكانت لوفتهنزا قد تحدثت بالفعل عن تخفيضات محتملة في السعة، فيما حذرت EasyJet من أن الحرب تضغط على التكاليف والحجوزات.

وتذهب Cirium في الاتجاه نفسه، إذ ترى أنه إذا استمر النزاع شهرا أو شهرين إضافيين، فإن خطر حصول تأثير كبير على الطلب الجوي سيرتفع بشدة.

وقد ينعكس ذلك أولا على العرض والأسعار، ثم على نسب الامتلاء، وخطط الأساطيل، وفي نهاية المطاف على القيمة الاقتصادية لبعض الطائرات القديمة الأقل كفاءة في استهلاك الوقود.

أزمة قد تعيد أيضا توزيع التدفقات السياحية

يرى القطاع كذلك أثرا آخر محتملا: فقد يسعى جزء من المسافرين إلى تجنب الرحلات التي تتضمن توقفا في بعض مراكز العبور الخليجية، مع تفضيل الرحلات المباشرة أو الوجهات التي تُعتبر أسهل من حيث الوصول.

وتقدّر Cirium أن ذلك قد يمنح بعض الشركات الأوروبية أو الآسيوية أفضلية على بعض الخطوط الطويلة، لكنها تضيف في الآن نفسه أن هذا المكسب قد يتلاشى إذا أدت الزيادة العامة في أسعار الطاقة إلى كبح الطلب على السفر.

وبالتالي، فإن أزمة الكيروسين لا تؤثر فقط على العرض، بل بدأت أيضا في إعادة تشكيل خيارات شركات الطيران والمسافرين والأسواق السياحية.

ما الذي قد يتغير بالنسبة إلى تونس؟

بالنسبة إلى تونس، فإن الخطر ليس نظريا. فحتى وإن كانت التحذيرات العلنية الأقوى موجهة اليوم أساسا إلى أوروبا، فإن البلاد قد تتأثر بشكل غير مباشر عبر عدة قنوات.

أولا: شركات الطيران

قد تتأثر الشركات التي تؤمن الرحلات من تونس وإليها بالارتفاع المستمر في سعر وقود Jet A-1 بثلاث طرق: فاتورة وقود أعلى، ومفاضلات أكثر صرامة في ما يتعلق بتواتر الرحلات، وضغط أكبر على ربحية الخطوط الأقل مردودية.

وإذا استمرت الأزمة إلى قلب الموسم الصيفي، فقد تميل الشركات إلى رفع الأسعار، أو تقليص بعض البرامج، أو إعطاء الأولوية للخطوط الأكثر امتلاء.

ثانيا: السياحة

قد تتأثر تونس بحكم ارتباطها القوي بالتدفقات الأوروبية. فإذا دخلت المطارات الأوروبية في مرحلة توتر على مستوى الوقود، أو خفضت بعض الشركات سعتها، أو ارتفعت الأسعار، فإن السفر إلى تونس قد يصبح أكثر كلفة بالنسبة إلى جزء من الحرفاء الأجانب.

وإذا استمرت أزمة الكيروسين، فقد تصبح شركات الطيران ومنظمو الرحلات الأوروبيون أكثر انتقائية في برمجة موسم الصيف. وهذا لا يعني بالضرورة تراجعا عاما في رحلات “الشارتر” إلى تونس، بل منطق فرز: فالمسارات الأكثر امتلاء وربحية ستُحافظ عليها، في حين قد يتم تقليص الرحلات الأكثر هشاشة، أو التواترات الثانوية، أو البرامج التي تُعتبر أقل أمانا من حيث الجدوى، أو إعادة تعديلها في اللحظة الأخيرة.

وفي سياق وقود أكثر كلفة، تسعى الشركات قبل كل شيء إلى حماية هوامش أرباحها، وهو ما قد يُترجم إلى مرونة تجارية أقل، وعروض سياحية أكثر كلفة، وموسم أكثر توترا بالنسبة إلى الوجهات التي تعتمد بقوة على التدفقات الأوروبية.

وبالنسبة إلى تونس، فإن الخطر لا يتمثل فقط في تراجع آلي لعدد المقاعد، بل أيضا في صيف أكثر عرضة لتحكيمات السعة، وارتفاع الأسعار، وحجوزات أكثر حساسية للعامل المالي.

فالخطر لا يتمثل بالضرورة في انهيار مفاجئ للطلب، بل في صيف أكثر كلفة وتوترا، مع حجوزات متأخرة وحساسية أكبر للأسعار.

أخيرا: التضخم والاقتصاد الداخلي

تندرج أزمة الكيروسين إذا طال أمدها ضمن صدمة طاقية أوسع. وكانت وكالة أسوشيتد براس قد أشارت بالفعل إلى أن التداعيات قد تتجاوز قطاع الطيران وتغذي ارتفاعا أشمل في تكاليف الطاقة.

وبالنسبة إلى تونس، قد ينعكس ذلك بشكل غير مباشر من خلال ضغوط إضافية على النقل، والواردات، وأسعار بعض الخدمات، وعلى القدرة الشرائية بشكل عام.

وإذا بقيت الطاقة مرتفعة الكلفة، وأصبح النقل الجوي الأوروبي أكثر غلاء، فقد يشعر الاقتصاد التونسي في الآن نفسه بأثر سياحي، وأثر تضخمي، وأثر على مستوى العملة الصعبة.

أزمة لم تعد مجرد جرس إنذار

ما تقوله الآن المصادر المتخصصة واضح إلى حد بعيد: أزمة الكيروسين لم تعد مجرد شائعة سوق أو مصدر قلق هامشي.

فهي بصدد الانتقال من مجرد إنذار طاقي إلى خطر تشغيلي فعلي على قطاع الطيران، مع تداعيات اقتصادية أوسع.

وأوروبا تقف اليوم في الخط الأمامي. لكن إذا استمرت التوترات، فإن آثارها ستتجاوز في النهاية المراكز النفطية وجداول السوق، لتطال شركات الطيران، والمسافرين، والوجهات السياحية، والاقتصادات الأكثر اعتمادا على الانفتاح الجوي.

وفي هذا السياق، تبدو تونس معنية بمتابعة هذه الأزمة عن كثب.

اشترك في النشرة الإخبارية اليومية لتونس الرقمية: أخبار، تحليلات، اقتصاد، تكنولوجيا، مجتمع، ومعلومات عملية. مجانية، واضحة، دون رسائل مزعجة. كل صباح.

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

لقد اشتركت بنجاح في نشرتنا الإخبارية.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة:
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك

الأكثر تداولا أمريكا إيران اسرائيل

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا