آخر الأخبار

البرلمان يفتح ملف تنظيم الجمعيات: نقاش موسع حول التمويل والرقابة وحماية الحريات

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

نظّمت الأكاديمية البرلمانية بمجلس نواب الشعب، أمس الأربعاء 15 أفريل 2026، يوما دراسيا خُصّص للنظر في مقترح القانون الأساسي المتعلق بتنظيم الجمعيات، وذلك بإشراف رئيس المجلس إبراهيم بودربالة، وبحضور نائب رئيس المجلس سوسن المبروك، ورئيس لجنة الحقوق والحريات ثابت العابد، والنائبة فاطمة المسدي ممثلة جهة المبادرة، إلى جانب عدد من الخبراء والإطارات السامية وممثلي عدد من الوزارات والمؤسسات الرسمية ومكونات من المجتمع المدني، فضلا عن حضور عدد هام من النواب.

وشارك في هذا اليوم الدراسي ممثلون عن رئاسة الحكومة ووزارات العدل والداخلية والخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج والمالية، إضافة إلى البنك المركزي التونسي ومحكمة المحاسبات والمجلس البنكي والمالي، إلى جانب ممثلين عن أصحاب المبادرة من المجتمع المدني.

بودربالة: قانون الجمعيات يثير أسئلة جوهرية منذ 2011

وأكد رئيس مجلس نواب الشعب إبراهيم بودربالة، في افتتاح أشغال اليوم الدراسي، أن موضوع الجمعيات ظل محل نقاش مجتمعي واسع منذ إحداث الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة وصدور المرسوم عدد 88 لسنة 2011.

وأوضح أن البرلمان ينظر اليوم في هذا الملف، وخاصة في ما يتعلق بمسألة تمويل الجمعيات ومدى مراقبة هذه التمويلات، إلى جانب مستوى اطلاع المجتمع على أنشطة الجمعيات، بالنظر إلى الدور الأساسي الذي تضطلع به في التأطير والمساهمة في الحياة العامة.

كما شدد على أهمية عدم الانحراف عن الأهداف الأصلية للعمل الجمعياتي، لافتا إلى أن السنوات الماضية شهدت، وفق تعبيره، بعض الانحرافات التي تستوجب مزيدا من التوضيح لأهداف الجمعيات وأدوارها داخل المجتمع.

وأشار بودربالة إلى أن مجلس نواب الشعب ما يزال ينتظر مشروع القانون الحكومي المنظم للجمعيات، مبرزا أن مقترح القانون المعروض على لجنة الحقوق والحريات منذ سنتين لم يُحسم فيه بعد، وهو ما دفع مكتب المجلس إلى تنظيم هذا اليوم الدراسي بطلب من جهة المبادرة ووفقا لما يتيحه النظام الداخلي.

تأكيد على حماية المكاسب والحريات

وفي السياق ذاته، شدد رئيس البرلمان على ضرورة الإلمام الكامل بموضوع تنظيم الجمعيات، مع الحرص على دعم المكاسب التي تحققت بعد 14 جانفي، خاصة في ما يتعلق بحرية الإعلام والصحافة والعمل الجمعياتي، وذلك ضمن رؤية جماعية تراعي احترام النظام العام السياسي والاجتماعي والاقتصادي للبلاد.

واعتبر أن الحضور المكثف لممثلي الوزارات والمؤسسات خلال هذا اليوم الدراسي من شأنه أن يثري النقاش ويوفر أرضية أوضح تساعد لاحقا على اتخاذ القرار والتصويت بشأن هذا النص.

لجنة الحقوق والحريات: المسألة لا تختزل في الرقابة المالية

من جهته، أبرز رئيس لجنة الحقوق والحريات ثابت العابد أهمية التداول في موضوع تنظيم الجمعيات، باعتباره يمس في العمق طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع وحدود الحريات وأدوار الفاعلين في الفضاء العام.

وأوضح أن النقاش حول تنظيم الجمعيات لا يجب أن يقتصر على الجانب المالي والرقابي فقط، بل ينبغي أن يشمل أيضا حرية التنظم ودور المجتمع المدني في المشاركة في الحياة العامة وموقعه ضمن المنظومة الديمقراطية.

وذكّر بأن تطور الفكر السياسي المعاصر جاء نتيجة مراجعات عميقة لنماذج الحكم، خاصة مع ما أظهرته الديمقراطية التمثيلية من حدود، مبرزا أن هذه التحولات أفرزت مقاربات جديدة من بينها الديمقراطية التشاركية التي تقوم على وجود مجتمع مدني حر ومستقل كقوة توازن داخل المجتمع.

كما شدد على الدور التاريخي الذي لعبه المجتمع المدني في تونس، لا سيما في الدفاع عن الحريات والإسهام في إنجاح المسار الديمقراطي، مؤكدا أن اللجنة حريصة على ضمان جودة النصوص التشريعية عبر الاستماع إلى مختلف الأطراف والانفتاح على الخبراء ومكونات المجتمع المدني.

فاطمة المسدي: المبادرة تهدف إلى تنظيم القطاع لا المساس بالحقوق

من جانبها، أكدت فاطمة المسدي، ممثلة جهة المبادرة، حرص أصحاب المبادرة على تمرير هذا المقترح إلى الجلسة العامة، خاصة بعد مرور ثلاث سنوات على إيداعه.

وأشارت إلى أن مسار المقترح شهد تعطيلات دفعت جهة المبادرة إلى المطالبة بتسريع تفعيل مساره التشريعي، معتبرة أن النص يهدف إلى تنظيم العمل الجمعياتي والمجتمع المدني، خاصة بعد ما اعتبرته ثغرات تضمنها المرسوم عدد 88 لسنة 2011، وما رافق ذلك من تكاثر في عدد الجمعيات ووجود تجاوزات ارتبط بعضها، وفق قولها، بتمويل الإرهاب.

وأكدت أن المقترح لا يمس بالحقوق والحريات، بل يتضمن بابا كاملا يكرسها ويطورها، مع التركيز في المقابل على الجانب المالي عبر اقتراح رقابة سابقة ولاحقة على التمويل الأجنبي والتثبت من مصادره، إلى جانب التنصيص على آليات تمنح لرئاسة الحكومة أدوات لمراقبة هذه التمويلات.

كما تحدثت عن مسألة تصنيف الجمعيات حسب القطاعات بهدف تنظيم أدوارها وضبط نوعية أنشطتها وتوفير آليات لمراقبة أي نشاط غير قانوني، مؤكدة في المقابل انفتاح جهة المبادرة على كل المقترحات والإضافات التي من شأنها إثراء النص.

محكمة المحاسبات تدعو إلى تدقيق المفاهيم وتبسيط الإجراءات

وفي مداخلته، قدم مراد قسومة، وكيل الدولة بمحكمة المحاسبات، عرضا تناول فيه جملة من النقاط التي تستوجب مزيدا من التوضيح في مقترح القانون، من بينها الفرق بين تأشيرة النظم الأساسية الخاصة بالجمعيات الأجنبية والرخصة المؤقتة، مع ضرورة تحديد الجهة المخول لها اتخاذ القرار في هذا الشأن.

كما دعا إلى الانتباه إلى بعض الأحكام التي لا يمكن أن تنطبق على الجمعيات الأجنبية، على غرار ما يتعلق بالتمويل العمومي، مقترحا أيضا تقديم تعريف أوضح لمفهوم المنفعة المنشئة لحالة تضارب المصالح وبيان ما إذا كانت مادية أو معنوية، مباشرة أو غير مباشرة، وما إذا كانت تخص العضو أو المسير أو تمتد إلى الأشخاص المرتبطين به.

وأكد ممثل محكمة المحاسبات أن المقترح يتضمن توجها إيجابيا نحو تعزيز الشفافية المحاسبية داخل الجمعيات، عبر تدعيم واجبات مسك الحسابات والتثبت منها ونشر القوائم المالية، داعيا إلى الحفاظ على هذا التوجه واعتماد معيار محاسبي يصدر عن وزير المالية ويراعي خصوصية العمل الجمعياتي.

كما أوصى بإرساء إجراءات مبسطة لفائدة الجمعيات التي لا تتجاوز مداخيلها 100 ألف دينار، بما يتلاءم مع حجم نشاطها وتمويلها.

تحفظات بشأن التمويل الأجنبي والتعاون الدولي

وتطرق مراد قسومة أيضا إلى مسألة التمويل الأجنبي في ارتباطه بالمشاركة في برامج التعاون الدولي، موضحا أن اشتراط الموافقة الكتابية المسبقة على كل تمويل أجنبي لا يقتصر أثره على مرحلة تلقي الأموال، بل قد ينعكس أيضا على قدرة الجمعيات على المشاركة في طلبات العروض والمشاريع الدولية.

واعتبر أن تعليق المشاركة أو القبول النهائي على ترخيص إداري مسبق قد يخلق حالة من عدم اليقين القانوني، ويضعف تنافسية الجمعيات التونسية، بل وقد يؤدي عمليا إلى إقصائها من بعض برامج التعاون الدولي.

كما رأى أن أجل الشهرين لقبول الهبات أو التمويلات قد يكون طويلا بالنظر إلى الإكراهات اللوجستية والمادية للمانحين، مقترحا أن تكون لرئاسة الحكومة سلطة تقديرية في إصدار قائمة سنوية للجمعيات المعفاة من هذا الترخيص، مع الإبقاء على التزامات الإفصاح والنشر.

المجلس البنكي والمالي: المشروع يحتاج إلى مزيد من التنسيق القانوني

من جهته، اعتبر الطيب بن سالم، عضو المجلس البنكي والمالي، أن المقارنة بين المرسوم 88 لسنة 2011 ومقترح القانون الجديد تكشف عن تحول نوعي في المقاربة، يتمثل في الانتقال من نظام قائم على التصريح إلى نظام أكثر تأطيرا وخضوعا للإشراف والرقابة، مع آليات معززة للرقابة الإدارية والمالية والمصرفية.

لكنه أشار في المقابل إلى وجود بعض النقائص الهيكلية التي قد تحد من نجاعة المنظومة ومدى توافقها مع المعايير الوطنية والدولية، خاصة في ما يتعلق بتنظيم العلاقة بين الجمعيات والمؤسسات المصرفية، وضبط الإطار القانوني لفتح الحسابات البنكية وشروط منح القروض والضمانات وتحديد التزامات البنوك ومسؤولياتها.

كما دعا إلى مزيد تنسيق الإجراءات والآجال، وتوضيح الوضعية القانونية للحسابات البنكية في حالات تعليق الشخصية القانونية أو الحل أو تجميد الأموال، مع ضرورة إعلام البنوك فوريا بكل قرار يصدر في هذا الاتجاه.

وتوقف كذلك عند مسألة غياب الانسجام مع القانون عدد 52 لسنة 2018 المتعلق بالسجل الوطني للمؤسسات، إلى جانب ما أثاره المقترح بخصوص إحداث منصة رقمية خاصة بالجمعيات، معتبرا أن آليات اشتغال هذه المنصة وعلاقتها بالسجل الوطني للمؤسسات لا تزال غير واضحة بما يكفي.

المجتمع المدني: المطلوب قانون أفضل لا تراجع عن الحريات

أما ممثل المجتمع المدني المنجي مقني، فأكد أن المبادرة التشريعية لا تهدف إلى التراجع عن الحقوق والحريات، بل تسعى إلى إحكام تنظيم العمل الجمعياتي، خاصة في ما يتعلق بتمويل الجمعيات.

ودعا إلى مواصلة الاستماع إلى كل الأطراف المعنية من أجل صياغة قانون يكون أفضل من المرسوم 88 والنصوص التي سبقته، بما يضمن التوازن بين متطلبات التنظيم واحترام الحريات.

إجماع على رفض التضييق والدعوة إلى مقاربة متوازنة

وخلال النقاش العام، أجمع الحاضرون على ضرورة تفادي كل أشكال التضييق على الجمعيات، سواء عبر الرقابة القبلية أو عبر التعقيدات الإجرائية، بما يحافظ على حيوية النسيج الجمعياتي ودوره في دعم العمل العمومي.

وأكد المتدخلون أن هذا المقترح لا ينبغي أن يتحول إلى أداة لمنع الجمعيات أو الحد من نشاطها، بل يجب أن يكون وسيلة لإحكام تنظيم القطاع وسد الثغرات التي أفرزها المرسوم عدد 88، وخاصة في ما يتعلق بتدفق بعض التمويلات الأجنبية المشبوهة.

كما شدد المشاركون على أهمية الأخذ بملاحظات مختلف الجهات المتداخلة من أجل تحسين جوهر المقترح، وتكريس مقاربة تقوم في الآن ذاته على حماية الحقوق والحريات وعلى الشفافية والمسؤولية، مع التذكير بالدور الأساسي للجمعيات كشريك للدولة في التنمية المحلية وتعزيز الحقوق.

وفي ختام التفاعل مع مختلف المداخلات، قدمت جهة المبادرة جملة من التوضيحات العامة، مؤكدة استعدادها لمواصلة النقاش وتلقي المقترحات والتفاعل معها.

اشترك في النشرة الإخبارية اليومية لتونس الرقمية: أخبار، تحليلات، اقتصاد، تكنولوجيا، مجتمع، ومعلومات عملية. مجانية، واضحة، دون رسائل مزعجة. كل صباح.

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

لقد اشتركت بنجاح في نشرتنا الإخبارية.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك

الأكثر تداولا أمريكا إيران اسرائيل

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا