آخر الأخبار

تونس في زمن انقسام النظام النقدي الدولي

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

تدخل البنوك المركزية في العالم اليوم مرحلة مختلفة تماماً في إدارة احتياطياتها، بعد أن أصبحت التوترات الجيوسياسية الخطر الأول الذي يهيمن على قراراتها، متقدمة على التضخم وأسعار الفائدة وحتى على المخاطر التجارية التقليدية. وتكشف هذه النقلة أن العالم المالي لم يعد يتحرك فقط وفق حسابات العائد والسيولة، ولكن حسب منطق الحذر الاستراتيجي وحماية الهوامش السيادية.

وتكتسي هذه التحولات أهمية خاصة بالنسبة إلى تونس، باعتبارها مصدراً إضافياً للقلق، من جهة، وكونها تشكل مؤشراً واضحاً على أن النظام النقدي والمالي الدولي يعاد تشكيله أمام أعين الجميع، من جهة اخرى. وفي مثل هذه اللحظات المفصلية، لا تكون الفرص حكراً على الاقتصادات الكبرى فقط، ولكن يمكن أيضاً للاقتصادات المتوسطة والصغيرة، إذا أحسنت التموقع، أن تستفيد من تغير قواعد اللعبة.

الجيوسياسة والاستقرار النقدي

تؤكد نتائج مسح حديث شمل نحو 100 مؤسسة واجري من قبل “سنترال بانكينغ بابليكيشنز”، بين جانفي ومارس أن نحو 70 بالمائة من البنوك المركزية باتت تعتبر التوترات الجيوسياسية أكبر تهديد مباشر لإدارة الاحتياطيات، بعدما كانت هذه المخاوف في مرتبة أدنى خلال العام الماضي. ويتعلق الأمر بتصاعد النزاعات أو اتساع مناطق التوتر، وكذلك بعودة الاعتبارات السياسية إلى قلب حركة رؤوس الأموال والعملات والأصول السيادية.

وتضع هذه المعطيات تونس أمام حقيقة جديدة يمكن تحويلها إلى عنصر قوة فحين يصبح العالم أقل يقيناً، ترتفع قيمة البلدان القادرة على الحفاظ على حد أدنى من الاستقرار المؤسسي والمالي والنقدي. ومن هذا المنظور، يمكن لتونس أن تعزز جاذبيتها النسبية إذا واصلت ترسيخ صورتها كاقتصاد يعرف ضغوطاً حقيقية، لكنه ما يزال قادراً على إدارة توازناته الأساسية دون انزلاقات حادة.

البنوك المركزية تعيد تعريف معنى “الاحتياطي الآمن”

تغادر المؤسسات النقدية الكبرى تدريجياً الفكرة التقليدية التي تختزل الاحتياطي في كونه مخزوناً من العملات الصعبة يُستخدم فقط لمواجهة الأزمات العابرة. وتتحول إدارة الاحتياطي اليوم إلى ممارسة أكثر عمقاً وتعقيداً، تقوم على توزيع المخاطر، وتقدير سيناريوهات الصدمات، وحماية الاستقلالية المالية في عالم سريع الانقسام.

وتمنح هذه المقاربة تونس درساً بالغ الأهمية ذلك ان قوة الاحتياطي تُقاس بحجمه العددي، وأيضاً بمدى نجاعة طريقة إدارته، وبقدرته على الصمود أمام تقلبات الأسواق والطاقة والتمويل الخارجي. ومن هنا، تبرز الفرصة أمام البنك المركزي التونسي لتطوير مقاربة أكثر ديناميكية ومرونة في إدارة الأصول الخارجية، بما ينسجم مع التحولات الجارية في النظام النقدي العالمي.

العالم يختبر هيمنة الدولار… دون أن يسقطه

يواصل الدولار احتفاظه بموقعه المركزي داخل المنظومة المالية الدولية، لكن الثقة المطلقة التي كانت تحيط به بدأت تتعرض لمراجعة هادئة ومتزايدة. ورغم أن الغالبية الساحقة من مديري الاحتياطيات ما تزال تعتبره العملة الأولى كملاذ آمن، فإن عدداً متنامياً من البنوك المركزية بات يعيد التفكير في درجة الاعتماد المفرط عليه خلال السنوات المقبلة.

ويفتح هذا التحول لتونس هامش تفكير استراتيجي مهم حيث لا يعني ذلك التخلي عن الدولار أو القفز إلى بدائل غير واقعية، ولكن الامر يعني بناء رؤية أكثر توازناً في إدارة التعرض للمخاطر الخارجية، سواء على مستوى تركيبة الاحتياطي أو على مستوى بنية العلاقات التجارية والمالية. وفي اقتصاد مثل الاقتصاد التونسي، تصبح المرونة في التموقع النقدي ميزة ثمينة، خصوصاً عندما يتحول التنويع من خيار تقني إلى ضرورة سيادية.

جاذبية الأصول واكتساب تونس درساً في التحوط الذكي

تسجل السندات الأميركية بدورها تراجعاً نسبياً في مستويات الثقة مقارنة بالسنوات الماضية، في وقت يستعيد فيه الذهب مكانته كأصل استراتيجي بامتياز. ويعكس هذا التحول بحث البنوك المركزية عن أصول أقل عرضة للتقلبات، اضافة الى كشفه رغبتها في امتلاك أدوات تحوط لا ترتبط مباشرة بتوازنات السياسة الدولية.

وتمنح هذه الديناميكية تونس فرصة فكرية ومؤسساتية مهمة باعتبار تجاوز العبرة الأساسية مسالة تقليد سلوك البنوك المركزية الكبرى حرفياً، الى استيعاب المنطق الذي يحكم تحركاتها وهو القائم على التنويع، والتحوط، وعدم الارتهان لمسار واحد. وكلما طورت تونس هذا المنطق في إدارة احتياطياتها وفي قراءتها للأسواق العالمية، كلما تحسن موقعها في مواجهة الصدمات الخارجية.

تونس وفرصة لتحويل الهشاشة إلى كفاءة استراتيجية

تدفع التحولات الجارية إلى إعادة تقييم مفهوم “الهشاشة” نفسه بحكم ان التعرض لتقلبات عالم يسوده عدم اليقين، يضمن بالضرورة نجاح الاقتصادات التي تملك أكبر الموارد فقط، مع تفوق الاقتصادات التي تتقن التكيف السريع، وتدير ندرتها بذكاء، وتبني قراراتها على قراءة دقيقة للمخاطر.

وتملك تونس، رغم ضغوطها المعروفة، عدداً من عناصر المناعة التي يمكن البناء عليها بحكم ان البنك المركزي التونسي راكم خلال السنوات الماضية خبرة معتبرة في إدارة الضغوط على السيولة الخارجية، كما أظهرت السياسة النقدية التونسية قدرة واضحة على الحفاظ على حد أدنى من الانضباط والاتزان في بيئة إقليمية ودولية صعبة.

تحتاج تونس في الظرف الراهن الى اعادة تقييم الاحتياطي من العملة الاجنبية كونه أداة تموقع استراتيجي بغض النظر عن دوره كخط دفاع تقني نظرا الى ان كل تطور في الأسواق الدولية، وكل تحول في مكانة العملات المرجعية، وكل إعادة تسعير للأصول السيادية، يحمل في طياته انعكاسات مباشرة على كلفة التمويل الخارجي، وعلى ثقة المستثمرين، وعلى استقرار التوازنات الكبرى.

وتستطيع تونس أن تستفيد من هذا المشهد إذا أحسنت الجمع بين الحذر والانفتاح علما ان المطلوب يتغطى مسالة حماية الاحتياطي، الى تحسين جودة الرسائل التي يبعثها إلى الأسواق، وإبراز قدرة البلاد على إدارة مخاطرها بكفاءة وواقعية، بما يعزز صدقيتها المالية والنقدية في لحظة عالمية مضطربة.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا