تشهد الاقتصادات النامية لا سيما في القارة الافريقية تحوّلاً عميقاً تقوده التكنولوجيا الرقمية، حيث تتجاوز المنصات دورها التقليدي لتصبح فضاءات للإنتاج والتبادل والتعلّم.
وفي هذا المشهد المتغير، يبرز الشباب التونسي كقوة دافعة تعيد صياغة قواعد النشاط الاقتصادي، كرد فعل على التحديات، من ناحية، وكمبادرة واعية لبناء مسارات جديدة للنمو، من ناحية اخرى. لا يقتصر هذا التحول على كونه استجابة ظرفية، فهو يعكس في الواقع انتقالاً تدريجياً نحو اقتصاد أكثر مرونة، يتداخل فيه الابتكار مع الحياة اليومية، وتتشكل ملامحه خارج القنوات الكلاسيكية، دون أن ينفصل عنها بالضرورة.
من ضغط البطالة إلى ديناميكية المبادرة
تفرض معدلات البطالة المرتفعة، خاصة في صفوف الشباب في تونس، واقعاً اقتصادياً معقداً، لكنها في المقابل تُحفّز روح المبادرة ففي مواجهة محدودية فرص العمل التقليدي، يتجه عدد متزايد من الشباب إلى الفضاء الرقمي كمنصة لإطلاق مشاريعهم الخاصة، ولو بحجم صغير في البداية.
يتحوّل هذا التوجه تدريجياً إلى ثقافة اقتصادية جديدة، تقوم على الاستقلالية والتجريب واكتساب المهارات من خلال الممارسة. وهنا تبرز قيمة الاقتصاد الرقمي كأداة تمكين، تسمح بتقليص الفجوة بين الطموح والإمكانيات.
وتتعدد أشكال الأنشطة الرقمية التي يقودها الشباب في البلاد، من التجارة الإلكترونية البسيطة إلى الخدمات التعليمية عن بعد والتسويق الرقمي. وتعكس هذه المبادرات، رغم تواضعها الفردي، تحوّلاً هيكلياً نحو اقتصاد أكثر تنوعاً، حيث يصبح كل فرد قادراً على لعب دور منتج ومبتكر.
كما تكمن أهمية هذه الديناميكية في قدرتها على خلق شبكة واسعة من الأنشطة الاقتصادية المترابطة، التي تساهم في تنشيط الطلب المحلي وتوسيع قاعدة الإنتاج، ولو خارج الأطر التقليدية في مرحلة أولى.
مرونة مدعومة بإمكانات التطور
تمنح الطبيعة الرقمية لهذه الأنشطة درجة عالية من المرونة، إذ يمكن إطلاقها بسرعة وبتكلفة منخفضة، مع إمكانية التوسع التدريجي. وفي هذا الاطار، تجعل منها هذه الخصائص بيئة مثالية لاختبار الأفكار وتطويرها، خاصة في سياق اقتصادي يتطلب حلولاً مبتكرة وسريعة.
وفي الوقت الذي لا يزال فيه الطابع غير الرسمي طاغيا على جزء من هذه الأنشطة، إلا أنه لا يلغي إمكانات تطورها نحو مزيد من التنظيم، خاصة إذا ما توفرت الأطر الداعمة التي تسهّل الانتقال إلى الاقتصاد المهيكل.
من هنا، يمثل تطوير البنية التحتية الرقمية عاملاً حاسماً في دعم هذا التحول. وقد شهدت تونس خلال السنوات الأخيرة تقدماً ملحوظاً في انتشار الإنترنت وتحسن جودة الخدمات في العديد من المناطق، ما ساهم في توسيع قاعدة المستخدمين والفاعلين الاقتصاديين الرقميين.
ورغم استمرار بعض الفوارق الجغرافية، فإن الاتجاه العام يشير إلى تحسن تدريجي، يفتح المجال أمام تقليص الفجوة الرقمية وتعزيز الاندماج الاقتصادي.
نحو منظومة مالية أكثر انفتاحاً
تُعد مسألة النفاذ إلى حلول الدفع أحد التحديات، لكنها في الوقت ذاته تمثل فرصة إصلاحية ذلك ان تعزيز التكامل بين الأنظمة المالية المحلية والدولية، وتبسيط المعاملات الرقمية، من شأنه أن يفتح آفاقاً أوسع أمام رواد الأعمال الشباب، ويعزز قدرتهم على الوصول إلى الأسواق الخارجية. وتبين المؤشرات ان الاهتمام المتزايد بتطوير هذه المنظومة، سواء من خلال مبادرات عمومية أو شراكات مع فاعلين دوليين، يعكس إدراكاً متنامياً لأهمية الاقتصاد الرقمي في المرحلة القادمة.
هذا وتتجه السياسات العمومية تدريجياً نحو تبسيط الإجراءات الإدارية وتشجيع ريادة الأعمال، وهو ما قد يساهم في تسهيل انتقال الأنشطة الرقمية من الطابع غير الرسمي إلى الرسمي. ولا يهدف هذا التحول فقط إلى التنظيم، بل إلى تمكين هذه المبادرات من النفاذ إلى التمويل والحماية القانونية، بما يعزز استدامتها. كما أن تطور النظرة المجتمعية للعمل الرقمي، خاصة مع تزايد قصص النجاح، يساهم في ترسيخ شرعيته كخيار مهني واقتصادي واعد.
تجارب أفريقية تلهم المسار
تقدم تجارب عدد من الدول الأفريقية نماذج ملهمة يمكن البناء عليها اذ أظهرت أن الاستثمار في الدفع الرقمي، والتكوين، والبنية اللوجستية، يمكن أن يحول المبادرات الفردية إلى منظومات اقتصادية متكاملة. وتملك تونس مقومات مماثلة، من كفاءات بشرية عالية إلى موقع جغرافي استراتيجي، ما يجعلها في موقع مؤهل للاستفادة من هذه التجارب وتسريع وتيرة تحولها الرقمي.
ويكشف الواقع اليوم عن جيل تونسي لا ينتظر الحلول بقدر ما يبتكرها فبين من يطور مشروعاً رقمياً صغيراً ومن يقدم خدمة عبر الإنترنت، تتشكل ملامح اقتصاد جديد، أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع التحولات العالمية.
هذا الاقتصاد، وإن كان لا يزال في طور التشكل، يحمل في طياته إمكانات كبيرة للنمو وخلق القيمة، خاصة إذا ما تم دعمه بسياسات ذكية وبنية تحتية متطورة.
وعموما، لا يمثل الاقتصاد الرقمي الشبابي في تونس مجرد بديل مؤقت، ولكنه بات يشكل أحد مسارات التحول الاقتصادي في البلاد. ولا يكمن التحدي اليوم في إثبات وجوده، بقدر ما يتمحور حول مرافقة تطوره، بما يضمن تحويله إلى رافعة مستدامة للنمو والاندماج الاقتصادي.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية