آخر الأخبار

الاقتصاد التونسي يبحث عن محركه الصناعي من جديد

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

في لحظة اقتصادية تتسم بتباطؤ النمو وتزايد الضغوط التمويلية، تجد تونس نفسها أمام معضلة هيكلية تتجاوز التقلبات الظرفية للدورة الاقتصادية.

بعد أكثر من ستة عقود من مسار التصنيع الذي بدأ بعيد الاستقلال، يواجه الاقتصاد الوطني اليوم ما يمكن تسميته بحالة من التصحر الصناعي التدريجي، حيث تتراجع قدرة الصناعة على توليد القيمة المضافة العالية، بينما يتباطأ اندماج البلاد في سلاسل القيمة العالمية، وهو ما يهدد بإطالة أمد ضعف نسق النمو الاقتصادي وإبقاء البلاد أسيرة فخ الدخل المتوسط.

هذا التشخيص لا يأتي من فراغ، فقد أظهر تحليل حديث صادر عن جمعية الاقتصاديين التونسيين أن الاقتصاد التونسي لم ينجح بعد في إعادة تموقع قطاعه الصناعي التحويلي ضمن القطاعات التكنولوجية المتقدمة، وهو ما يفسر محدودية قدرته على تحقيق قفزة نوعية في المستوى الاقتصادي وفي هيكلة الصادرات.

اقتصاد عالق في فخ الدخل المتوسط

تعرف الاقتصادات العالقة في فخ الدخل المتوسط بأنها تلك التي تحقق انتقالًا أوليًا من اقتصاد منخفض الدخل إلى اقتصاد متوسط الدخل، لكنها لا تتكمن لاحقًا من الانتقال إلى اقتصاد مرتفع الدخل بسبب ضعف الابتكار وتباطؤ التحول الصناعي، وهو ما تعكسه المؤشرات الاقتصادية التونسية خلال العقدين الأخيرين.

فعلى الرغم من القرب الجغرافي الاستثنائي من السوق الأوروبية، وما يوفره ذلك من فرص اندماج صناعي وتجاري، ما تزال تونس تعتمد بدرجة كبيرة على صادرات منخفضة أو متوسطة القيمة المضافة. ويشير التحليل إلى أن القطاع الأولي والأنشطة ذات الكثافة التكنولوجية المحدودة ما تزال تحتل موقعًا مهمًا في هيكل الاقتصاد، بينما لم تتطور الصناعات عالية التكنولوجيا بالسرعة الكافية لخلق ديناميكية نمو جديدة.

ويعكس هيكل الصادرات هذا الاختلال إذ تشير بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن المنتجات الصناعية ذات الكثافة العالية في البحث والتطوير لم تمثل سوى نحو 7.7 بالمائة من إجمالي الصادرات الصناعية التونسية سنة 2023، وهي نسبة تقل بأكثر من النصف عن متوسط دول المنظمة الذي يناهز 17 بالمائة.

من التصنيع إلى التصحر الصناعي

في الستينيات والسبعينيات، راهنت تونس على استراتيجية تصنيع قائمة على الصناعات التحويلية الموجهة للتصدير، وهو خيار ساهم في بناء قاعدة صناعية مهمة خاصة في قطاعات النسيج والصناعات الميكانيكية والكهربائية غير أن هذا المسار بدأ يفقد زخمه منذ تسعينيات القرن الماضي.

وتكشف عدة مؤشرات أن البلاد لم تنتقل في الوقت المناسب من نموذج التصنيع منخفض الكلفة إلى نموذج صناعي قائم على الابتكار والتكنولوجيا. ومع اشتداد المنافسة العالمية، خاصة من الاقتصادات الآسيوية، بدأت بعض القطاعات الصناعية التونسية تفقد تدريجيًا قدرتها التنافسية.

هذه التحولات أدت إلى ما يمكن وصفه بظاهرة التصحر الصناعي، حيث لم يعد التراجع يتمثل فقط في إغلاق بعض المصانع أو تقلص الاستثمار الصناعي، بل في فقدان تدريجي للقدرات التكنولوجية والمهارات الصناعية، وهو ما يضعف قدرة الاقتصاد على خلق قيمة مضافة مرتفعة.

محدودية الاندماج في سلاسل القيمة العالمية

يمثل الاندماج في سلاسل القيمة العالمية أحد أهم محركات النمو في الاقتصاد العالمي المعاصر فالدول التي نجحت في تحقيق قفزات تنموية كبيرة خلال العقود الأخيرة، مثل كوريا الجنوبية أو فيتنام، فعلت ذلك عبر التخصص في مراحل إنتاجية عالية القيمة داخل شبكات الإنتاج العالمية.

لكن في الحالة التونسية، ظل هذا الاندماج محدودًا نسبيًا، فرغم نجاح بعض القطاعات مثل مكونات السيارات أو الصناعات الكهربائية في الارتباط بالمصنعين الأوروبيين، فإن الجزء الأكبر من هذه الأنشطة يظل متمركزًا في حلقات إنتاج منخفضة القيمة مثل التجميع أو التصنيع الجزئي.

وبالتالي، لا تزال تونس بعيدة عن السيطرة على مراحل أكثر ربحية من سلاسل الإنتاج مثل البحث والتطوير أو تصميم المنتجات أو التكنولوجيا الصناعية المتقدمة.

التصنيع كرافعة للتعقيد الاقتصادي

تؤكد الأدبيات الاقتصادية الحديثة أن التصنيع لا يمثل مجرد قطاع اقتصادي مثل غيره، بل يشكل محركًا أساسيًا للتحول الهيكلي، فالأنشطة الصناعية عادة ما تولد شبكات واسعة من الروابط مع قطاعات أخرى مثل الخدمات اللوجستية والهندسة والبحث العلمي.

وفي هذا السياق، تبرز تقارير اقتصادية أن إعادة بناء قاعدة صناعية متطورة يمكن أن يساهم في رفع مستوى التعقيد الاقتصادي لتونس، وهو مؤشر يقيس قدرة الاقتصاد على إنتاج سلع متنوعة ومتقدمة تكنولوجيًا.

كما أن التصنيع يمثل قناة رئيسية لنقل التكنولوجيا والابتكار، وهو ما يسمح بما يعرف بعملية “اللحاق التكنولوجي” التي تقلص الفجوة بين الاقتصادات الناشئة والاقتصادات المتقدمة.

كيف يمكن وقف التصحر الصناعي؟

إن مواجهة التصحر الصناعي في تونس تتطلب مقاربة استراتيجية تتجاوز السياسات القطاعية التقليدية فإحياء التصنيع يمر أولًا عبر إعادة توجيه الاستثمار نحو القطاعات الصناعية ذات القيمة المضافة العالية مثل الصناعات التكنولوجية والصناعات الدوائية والصناعات المرتبطة بالاقتصاد الأخضر.

كما يظل تطوير منظومة البحث العلمي والابتكار شرطًا أساسيًا لتحويل المعرفة إلى منتجات صناعية قابلة للتصدير، فالفجوة بين الجامعات والمؤسسات الصناعية ما تزال كبيرة، وهو ما يحد من قدرة الاقتصاد على تحويل الكفاءات العلمية إلى محركات نمو اقتصادي.

ومن جهة أخرى، تمثل البنية التحتية اللوجستية والرقمية عنصرًا حاسمًا في تحسين تنافسية الصناعة التونسية فتكاليف النقل والطاقة والإجراءات الإدارية ما تزال تمثل عوائق أمام جذب الاستثمارات الصناعية الكبرى.

رغم التحديات، تملك تونس عدة نقاط قوة يمكن أن تدعم إعادة إطلاق مسار التصنيع. فالموقع الجغرافي الاستراتيجي على تخوم أوروبا، إلى جانب توفر رأس مال بشري مؤهل نسبيًا، يمثلان عنصرين مهمين لجذب الاستثمارات الصناعية المتقدمة.

كما أن التحولات الجيوسياسية التي يشهدها الاقتصاد العالمي، خاصة إعادة توزيع سلاسل الإنتاج العالمية بعد الأزمات المتتالية، قد تفتح نافذة فرص جديدة لدول قريبة من السوق الأوروبية مثل تونس.

غير أن اغتنام هذه الفرصة يتطلب رؤية صناعية واضحة تقوم على الانتقال من نموذج صناعي قائم على الكلفة المنخفضة إلى نموذج يرتكز على التكنولوجيا والابتكار.

تعليقات
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا