آخر الأخبار

سعر الفائدة والاستثمار : أي تفاعلات في المشهد الاقتصادي التونسي؟

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

يُعدّ سعر الفائدة من أبرز أدوات السياسة النقدية تأثيراً في القرار الاستثماري، إذ يمثّل الكلفة المباشرة لرأس المال المقترض، ويؤثر بالتالي في حسابات الجدوى الاقتصادية للمشاريع.

وتبين الدراسات والتقارير المتخصصة انه كلما ارتفع سعر الفائدة، زادت كلفة التمويل البنكي، وانخفض عدد المشاريع التي تحقق مردودا يفوق هذه الكلفة، وهو ما يقود نظرياً إلى تراجع الاستثمار الخاص. في المقابل، يشجع انخفاض الفائدة على الاقتراض والتوسع، لأن الفارق بين المردود المتوقع وكلفة التمويل يصبح أكثر جاذبية .

غير أن هذه العلاقة، على بساطتها النظرية، لا تتحقق دائماً بصورة آلية في الاقتصادات التي تعاني اختلالات هيكلية أو مناخ أعمال مضطرب. ففي مثل هذه الحالات، يصبح سعر الفائدة عنصراً ضمن شبكة معقدة من المحددات، تشمل مستوى الطلب الداخلي، واستقرار الإطار التشريعي، وتوقعات التضخم، وثقة الفاعلين الاقتصاديين في المستقبل .

تطورات السياسة النقدية وتداعياتها

اعتمد البنك المركزي التونسي خلال السنوات الأخيرة سياسة نقدية تميل إلى التشدد، في سياق سعيه إلى كبح التضخم الذي تجاوز في بعض الفترات 9 و10 بالمائة. وقد تمّ رفع نسبة الفائدة المديرية تدريجياً لتبلغ نحو 8 بالمائة خلال عامي 2023 و2024، قبل أن يتم تخفيضها إلى حدود 7.5 بالمائة مع بداية 2025 في محاولة لتحقيق توازن بين استقرار الأسعار ودعم النمو .

هذا المستوى من الفائدة انعكس مباشرة على نسب الفائدة البنكية المطبقة على القروض الاستثمارية، والتي تراوحت في عديد الحالات بين 9 و11 بالمائة، تبعاً لدرجة المخاطر والضمانات المقدمة. وبالنسبة لمؤسسة صناعية أو خدمية متوسطة الحجم، يمكن أن تعني زيادة بنقطة مئوية واحدة في الفائدة ارتفاعاً في خدمة الدين السنوية بنسبة تتراوح بين 5 و8 بالمائة، وهو عبء إضافي في سياق نمو اقتصادي لم يتجاوز في بعض السنوات 2 إلى 3 بالمائة .

قراءة في مؤشرات الاستثمار

وفق تقديرات منظمة مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، تراجع معدل الاستثمار الإجمالي في تونس من حوالي 19.3 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي سنة 2016 إلى ما يقارب 16 بالمائة خلال الفترة 2020–2024. هذا التراجع بثلاث نقاط مئوية يمثل انخفاضاً ملموساً في تكوين رأس المال الثابت، ويعني عملياً تقلص القدرة الإنتاجية المستقبلية للاقتصاد .

غير أن تفسير هذا التراجع من زاوية سعر الفائدة وحده يبقى قاصراً. فقد تزامنت هذه الفترة مع صدمات كبرى، من تداعيات جائحة كوفيد-19 إلى ارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأولية عالمياً، فضلاً عن متغيرات اخرى أثّرت مناخ الاعمال. كما أن نسبة الادخار الوطني ظلت ضعيفة، إذ تراوحت في بعض السنوات بين 4 و6 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى غير كافٍ لتمويل استثمارات مرتفعة دون الاعتماد المكثف على الاقتراض .

في مثل هذا السياق، تصبح حساسية الاستثمار لسعر الفائدة أكبر، لأن أي زيادة في كلفة التمويل تضاف إلى سلسلة من القيود الأخرى، من ضعف الطلب إلى محدودية السيولة .

الاستثمار الأجنبي: مفارقة النمو في ظل فائدة مرتفعة

على الرغم من ارتفاع الفائدة نسبياً، سجلت تونس تحسناً في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر خلال سنة 2024، حيث بلغت نحو 2.9 مليار دينار، بزيادة تفوق 20 بالمائة مقارنة بسنة 2023، مع استمرار المنحى التصاعدي خلال الأشهر الأولى من 2025 بنسبة نمو قاربت 28 بالمائة على أساس سنوي .

هذه المفارقة تبرز أن قرار المستثمر الأجنبي لا يتحدد أساساً بسعر الفائدة المحلية، إذ غالباً ما يعتمد على تمويل خارجي أو على موارد ذاتية من الشركة الأم، وبالتالي لا يخضع لنفس كلفة الاقتراض البنكي الداخلي. كما يتأثر بعوامل أخرى مثل كلفة اليد العاملة، والموقع الجغرافي القريب من أوروبا، والحوافز الجبائية، وتوفر قطاعات واعدة كالصناعات المعملية والطاقة المتجددة. وهنا يتراجع أثر الفائدة المحلية مقارنة بعوامل التنافسية الهيكلية .

القطاع المحلي : حساسية أكبر للتمويل البنكي

في المقابل، تمثل المؤسسات الصغرى والمتوسطة أكثر من 90 بالمائة من النسيج الاقتصادي في البلاد، وهي تعتمد بدرجة كبيرة على التمويل البنكي الداخلي. لذلك فإن أي ارتفاع في سعر الفائدة يؤثر مباشرة في قراراتها الاستثمارية فعندما ترتفع كلفة الاقتراض، تميل هذه المؤسسات إلى تأجيل مشاريع التوسعة أو تقليص خطط الاستثمار، خاصة في ظل طلب داخلي ضعيف وهوامش ربح محدودة .

لكن حتى في فترات تخفيض الفائدة، لا يتحقق بالضرورة انتعاش قوي في الاستثمار إذا لم تتوافر شروط الاستقرار. فقد أظهرت تجارب سابقة أن التيسير النقدي وحده لا يكفي لإطلاق ديناميكية استثمارية مستدامة، ما لم يترافق مع إصلاحات هيكلية تحسن مناخ الأعمال، وتبسط الإجراءات الإدارية، وتضمن استقرار القواعد الجبائية .

العلاقة المركّبة بين كلفة التمويل والاستثمار

يتأثر الاستثمار الخاص في تونس بشكل فعلي بمستوى سعر الفائدة، لكن هذا التأثر ليس اليا ولا أحادياً. فالفائدة المرتفعة تضغط على كلفة التمويل وتحدّ من عدد المشاريع المجدية اقتصادياً، غير أن القرار الاستثماري يظل رهيناً بعوامل أوسع تشمل توقعات النمو، واستقرار الإطار المؤسسي، ووضوح الرؤية الاقتصادية .

كما انه من الممكن ان يخلق تخفيض الفائدة هامشاً مالياً أوسع للمؤسسات، لكنه لن يكون كافياً وحده لإحداث نقلة استثمارية إذا بقيت بقية المحددات دون إصلاح فالمعادلة في البلاد ليست فقط معادلة سعر، بل معادلة توازن على مستوى مناخ الاعمال. وبين كلفة التمويل وأفق الربح المتوقع، يتحدد المسار الحقيقي للاستثمار، وتُرسم ملامح النمو الاقتصادي .

اشترك في النشرة الإخبارية اليومية لتونس الرقمية: أخبار، تحليلات، اقتصاد، تكنولوجيا، مجتمع، ومعلومات عملية. مجانية، واضحة، دون رسائل مزعجة. كل صباح.

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

تحقّق من صندوق بريدك الإلكتروني لتأكيد اشتراكك.

تعليقات
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة:
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا