آخر الأخبار

رمضان في تونس: حين تلتهم موائد الإفطار مدخرات الأسر

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

في تونس، لا يقتصر شهر رمضان على بعده الديني والاجتماعي، بل يتحول كل عام إلى محطة اقتصادية مفصلية تكشف هشاشة التوازن بين الاستهلاك والادخار الأسري.

وبين موائد الإفطار العامرة وارتفاع وتيرة الشراء، تتصاعد أرقام الإنفاق بشكل لافت، في وقت تشير فيه البيانات الرسمية إلى تراجع متواصل في الادخار الوطني وتآكل القدرة الشرائية، مما يجعل العلاقة بين رمضان والادخار محل تساؤل اقتصادي ملحّ.

تضخم موسمي في الإنفاق الغذائي

تؤكد معطيات استبيانات احصائية أن شهر رمضان يشهد سنويًا ارتفاعًا ملحوظًا في الاستهلاك الغذائي مقارنة ببقية أشهر السنة، حيث ترتفع نفقات المواد الغذائية بنسب تتراوح بين 15 و20 بالمائة حسب السنوات والظرف الاقتصادي العام. ويأتي هذا الارتفاع في سياق تضخمي عام؛ إذ بلغ معدل التضخم في تونس خلال سنة 2023 نحو 9.3 بالمائة كمعدل سنوي، قبل أن يتراجع نسبيًا خلال 2024 إلى حدود 7 بالمائة تقريبًا، وفق المؤشرات الرسمية المنشورة.

وتُظهر تفاصيل سلة الاستهلاك أن اللحوم الحمراء والدواجن والزيوت النباتية والسكر ومشتقات الحبوب تشهد قفزات سعرية ملحوظة خلال رمضان نتيجة زيادة الطلب، وهو ما ينعكس مباشرة على ميزانيات الأسر. كما تشير تقديرات استهلاكية إلى أن الإنفاق الغذائي قد يمثل في هذا الشهر ما يفوق 40 بالمائة من إجمالي المصاريف الشهرية للأسرة متوسطة الدخل، مقارنة بمعدل سنوي يتراوح بين 30 و32 بالمائة.

الادخار الوطني في منحى تنازلي

في المقابل، تكشف بيانات البنك المركزي التونسي أن نسبة الادخار الوطني مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي شهدت تراجعًا لافتًا خلال السنوات الأخيرة، إذ انتقلت من مستويات تفوق 20 بالمائة في بداية العقد الماضي إلى ما دون 10 بالمائة في السنوات الأخيرة، وهو ما يعكس هشاشة القدرة الادخارية سواء على المستوى الكلي او على الصعيد الاسري.

هذا التراجع الهيكلي في الادخار يتقاطع مع السلوك الاستهلاكي الموسمي في رمضان، حيث تميل نسبة هامة من الأسر إلى تمويل مصاريف إضافية عبر اللجوء إلى المدخرات السابقة أو إلى الاقتراض قصير المدى، سواء من البنوك أو عبر آليات غير مهيكلة. وتفيد تقديرات مالية بأن حجم القروض الاستهلاكية يشهد عادة ارتفاعًا في الفترة السابقة لرمضان، في مؤشر واضح على الضغط الذي يمارسه هذا الشهر على السيولة العائلية.

بين العادات الاجتماعية والضغط الاقتصادي

لا يرتبط ارتفاع الاستهلاك فقط بالحاجة الغذائية، بل كذلك بعوامل اجتماعية وثقافية متجذرة في المجتمع التونسي، من بينها الحرص على تنوع الأطباق وتكثيف الدعوات العائلية. وتشير دراسات سلوكية إلى أن نسبة هدر الغذاء ترتفع بدورها خلال رمضان، وهو ما يمثل استنزافًا مضاعفًا للموارد المالية، خاصة لدى الأسر محدودة الدخل.

وتفيد نتائج المسح الوطني حول ميزانية واستهلاك الأسر الذي يشرف عليه المعهد الوطني للإحصاء بأن معدل الإنفاق السنوي للأسرة التونسية تجاوز 20 ألف دينار في آخر تحيين، مع تسجيل تفاوت واضح بين الوسط الحضري والريفي. وفي ظل هذا المستوى من الإنفاق، يصبح أي ارتفاع موسمي إضافي عامل ضغط مباشر على ما تبقى من دخل قابل للادخار.

هذا وتتزامن ذروة الاستهلاك الرمضاني مع سياق اقتصادي يتسم ببطء النمو وارتفاع كلفة المعيشة. فحسب بيانات المعهد الوطني للإحصاء، فإن مؤشر أسعار المواد الغذائية سجّل خلال السنوات الأخيرة زيادات تفوق أحيانًا المعدل العام للتضخم، ما يعني أن العبء الأكبر يقع على محور الغذاء، وهو المحور الأكثر ارتباطًا برمضان.

وتُظهر مقارنات الدخل والإنفاق أن شريحة واسعة من الأسر التونسية تنفق نسبة تقارب أو تتجاوز 90 بالمائة من دخلها الشهري على الاستهلاك، ما يترك هامشًا ضعيفًا جدًا للادخار. وفي شهر رمضان، قد يتقلص هذا الهامش إلى الصفر، بل يتحول إلى عجز يتم تعويضه بالسحب من المدخرات أو بالاقتراض.

هل يتحول استهلاك رمضان إلى مستنزف للمدخرات ؟

عمليًا، يؤدي هذا النسق إلى نتيجة واضحة: بدل أن يشكل شهر رمضان فرصة لإعادة ترتيب الأولويات المالية، يتحول لدى جزء كبير من الأسر إلى فترة استنزاف للمدخرات المتراكمة خلال أشهر سابقة. ويزداد الأمر حدة لدى الأسر ذات الدخل القار أو المحدود، التي لا تملك مرونة مالية تمكّنها من امتصاص الصدمات السعرية.

ومن المهم التأكيد على أن معالجة هذه الظاهرة لا تقتصر على الدعوة إلى ترشيد الاستهلاك فحسب، بل تتطلب أيضًا سياسات عمومية أكثر نجاعة في مراقبة الأسعار، وتحسين العرض، ودعم الثقافة المالية لدى المواطنين، بما يعزز مفهوم الادخار الوقائي تحسبًا للطوارئ والمواسم الاستهلاكية المكثفة.

عموما، يكشف الواقع التونسي أن رمضان، رغم رمزيته الروحية، أصبح شهرًا ذا أثر اقتصادي عميق على ميزانيات الأسر فبين ارتفاع الإنفاق الغذائي بما قد يصل إلى خمس المصاريف الشهرية الإضافية، وتراجع نسب الادخار الوطني إلى مستويات دنيا تاريخيًا، تتكرس معادلة صعبة بين المحافظة على الطقوس الاجتماعية والتوازن المالي.

ويبقى التحدي المطروح أمام الأسر التونسية هو كيفية تحويل هذا الشهر من ذروة استهلاكية ضاغطة إلى فرصة لاعتماد سلوك مالي أكثر وعيًا، يحقق التوازن بين متطلبات العيش الكريم وضرورة الادخار في سياق اقتصادي لا يزال هشًا ومتقلبًا.

اشترك في النشرة الإخبارية اليومية لتونس الرقمية: أخبار، تحليلات، اقتصاد، تكنولوجيا، مجتمع، ومعلومات عملية. مجانية، واضحة، دون رسائل مزعجة. كل صباح.

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

تحقّق من صندوق بريدك الإلكتروني لتأكيد اشتراكك.

تعليقات
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة:
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا