كشف تقرير تنفيذ الميزانية التونسية لعام 2025 عن فوارق ملحوظة بين التوقعات الواردة في قانون المالية والإنجازات الفعلية لبعض فئات الإيرادات الضريبية.
تعكس هذه الوضعية تأثير الضغوط الاقتصادية على القدرة الشرائية للأسر التونسية وتحولات السلوك الاستهلاكي، فضلاً عن دلالات على تأثير الأسواق الموازية والسياسات الضريبية المستقبلية.
الاداء على القيمة المضافة: انعكاس تراجع القوة الشرائية
بلغت إيرادات الاداء القيمة المضافة 11,724.5 مليون دينار، وهو مبلغ اجمالي أقل من التوقعات التي كانت في حدود 12,028 مليون دينار. ويعكس هذا الفارق تباطؤاً واضحاً في الاستهلاك نتيجة ضغوط على الدخل المتاح للأسر، وارتفاع الادخار الوقائي في ظل تغيرات الظرف الاقتصادي.
كما تشير البيانات المتعلقة بالأوراق النقدية المتداولة إلى احتمال لجوء جزء من المستهلكين إلى السوق الموازية لتجنب ارتفاع الأسعار وتضخمها في المسالك المهيكلة، وهو ما يشكل تحديا لقاعدة الإيرادات الضريبية ويعكس ديناميكيات الاستهلاك في المنظومات غير المهيكلة في الاقتصاد الوطني. كما ساهم تباطؤ النشاط في قطاعات رئيسية مثل الصناعات الاستخراجية وقطاع البناء والأشغال العامة في انخفاض تعبئة الاداء.
تحول في العادات الاستهلاكية وتنامي السوق الموازية
بلغت القيمة الاجمالية المحصلة بعنوان المعلوم على الاستهلاك وهو أداء غير مباشر يُطبق على سلع محددة غالباً كمالية 4,237.5 مليون دينار مقابل تقديرات بنحو 4,296 مليون دينار، بما يمثل فارقا طفيفا لكنه ذو دلالة حيث يشير إلى تحول في أنماط الاستهلاك نحو منتجات أقل خضوعاً للضرائب، كما يعكس توسع التجارة الموازية للسلع الأكثر ضرائباً مثل التبغ والمحروقات.
ويبرز هذا الفارق العلاقة المباشرة بين القدرة الشرائية والطلب على المنتجات الخاضعة للضرائب، ما يطرح تحديات على فعالية السياسات الضريبية التقليدية ويبرز الحاجة إلى ابتكار أدوات جديدة لتحفيز الالتزام الضريبي.
المعاليم الديوانية: أداء يفوق التوقعات
على صعيد المعاليم الديوانية، تجاوزت الإيرادات التقديرات، حيث بلغت 2,278.9 مليون دينار مقابل توقعات بقيمة 2,111 مليون دينار. ويعود هذا التطور إلى زيادة حجم الواردات، خصوصاً فيما يتعلق بالسلع الاستثمارية والاستهلاكية، لتعويض النقص في الإنتاج المحلي لبعض السلع، وهو ما يظهر بشكل واضح في العجز التجاري المتنامي.
كما ساهم تشديد الرقابة الديوانية ومكافحة التهريب في رفع فعالية تعبئة الموارد الجبائية، بما يعكس قدرة الدولة على التحكم في جزء من الموارد غير المحصلة، لكنه يوضح أن جزءاً من التمويل الضريبي يعتمد على الواردات أكثر من الإنتاج المحلي، وهو عامل يجب أخذه بعين الاعتبار عند صياغة السياسات الجبائية المستقبلية.
تأثيرات على الطلب الكلي والسلوك الاقتصادي
ترتبط الفجوات بين التوقعات والتحصيلات الضريبية بتحولات في الطلب الكلي، إذ أن ضعف إيرادات الاداء على القيمة المضافة والمعلوم على الاستهلاك يعكس تباطؤاً في الإنفاق الاستهلاكي، وهو المكون الأكبر للطلب الكلي في البلاد.
كما يعكس توسع السوق الموازية وارتفاع التهرب الضريبي ضغطاً مزدوجاً على المالية العمومية: من جهة تقل الإيرادات الضريبية، ومن جهة أخرى يتكثف تطبيق الاجراءات الرقابية المكلفة. ويتطلب هذا الوضع ضرورة مراجعة السياسات الضريبية لتكون أكثر مرونة وتكيفاً مع القدرة الشرائية للأسر ولتحفز الاقتصاد المهيكل.
في ذات السياق، تشير هذه الأرقام إلى أهمية توسيع قاعدة الضرائب غير المباشرة لتشمل شريحة أكبر من فروع النشاط الاقتصادي، وهو ما من شانه ان يقلل اعتماد الدولة على قسم محدود من الضرائب، بما في ذلك المعاليم الديوانية. كما تحتاج السياسات الاقتصادية إلى توازن بين الضرائب على الاستهلاك وتحفيز القدرة الشرائية للأسر لضمان استمرار الطلب الكلي، مع تعزيز الرقابة لمكافحة التهرب وتحسين مستوى تعبئة الإيرادات الضريبية.
في ظل هذه التحولات، تصبح الضرائب غير المباشرة أكثر من مجرد أداة لتعبئة الموارد الجبائية؛ فهي مؤشر مباشر على صحة الاقتصاد وتوجهات المستهلكين، بما يجعلها أداة استراتيجية لفهم ديناميكيات الاقتصاد الوطني واتخاذ القرارات المالية المستقبلية.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية