بعد التحذيرات المتكررة من تنامي ظاهرة وصم الإسلام، في وقت تشهد فيه أعداد المسلمين ارتفاعًا ملحوظًا على نحو paradoxal (وهو ما يُستحسن عدم لفت انتباه اليمين واليمين المتطرف إليه)، وبعد تنبيهات متواصلة، انتقلت المسجد الكبير بباريس إلى مرحلة الفعل باسم العيش المشترك.
فالدين الإسلامي، الذي يُعدّ الديانة الثانية في البلاد، ما يزال يُنظر إليه كجسم غريب رغم عقود من الانخراط في الفضاء الجمهوري، ما يستدعي – في نظر البعض – تقديم المزيد من «ضمانات حسن السلوك». وهي مطالب تُوجَّه دائمًا إلى الفئة نفسها، رغم أن غالبيتها مواطنون فرنسيون كاملوا الحقوق… على الأقل وفق الخطاب الرسمي.
و في محاولة لطمأنة من يثير هذا الدين فضولهم أو مخاوفهم (علمًا أن ذلك لن يهدّئ إريك زمور، ولا قناة CNews، ولا التيارات المتشددة التي تدور في فلكهما)، يصدر المسجد الكبير بباريس غدًا الثلاثاء 10 فيفري كتابًا ضخمًا من 900 صفحة، يهدف إلى «تعزيز قبول أفضل للمسلمين في بلدانهم».
هذا العمل، الذي يحمل عنوان «المسلمون في الغرب»، استغرق إنجازه عامين، وصدر عن دار نشر Albouraq، ويطمح إلى «تفكيك الخطابات الكراهية والنزعات الانعزالية»، وإثبات أن الانخراط في الحياة المدنية «ينسجم تمامًا مع المبادئ الأساسية للإسلام». ويستند الكتاب إلى أعمال لجنتين تناولتا الموضوع بعمق: لجنة دينية تضم أئمة…
أما اللجنة الثانية فهي مدنية، وتتكوّن من 80 شخصية، من بينها المدرب السابق للمنتخب الفرنسي لكرة القدم ريمون دومينيك، والمفكر والكاتب المعروف جاك أتالي، والمؤرخ البارز بنجامين ستورا، وغيرهم. ويتضمن الكتاب ميثاقًا من التوصيات العملية، كما يتطرق إلى قضايا فقهية، من بينها التأكيد على أن ارتداء الحجاب أو عدمه «خيار شخصي يجب احترامه».
و يشدد الكتاب كذلك على أن الزواج المدني «يُعدّ شرطًا مسبقًا للزواج الديني»، ويرفض أي تجريم لمبدأ العلمانية، معتبرًا إياها «فرصة للمسلمين». ويهدف هذا العمل المتعلق بـ«تكييف الخطاب الديني الإسلامي في الغرب» إلى توضيح أكثر من 200 مفهوم، من بينها قضايا لاهوتية دقيقة، مثل الفرق بين روح القرآن ونصه الحرفي، وهوية صحابة النبي، والحياة بعد الموت في الآخرة، وغيرها.
كما يؤكد الكتاب أن مفهوم الجهاد، الذي لا تخلو فرنسا من تبعاته، يعني في جوهره «الاجتهاد وبذل الجهد»، وأن الفتوى «هي رأي فقهي أو ديني»، وليست حكمًا قضائيًا أو إدانة، «خلافًا لما هو شائع».
و تتناول فصول أخرى تساؤلات مرتبطة بالحياة اليومية من زاوية المبادئ الإسلامية، مثل أسباب «التحريم القطعي» لاستهلاك الكحول، وموقف الإسلام من الموسيقى والإجهاض، والمعنى الحقيقي لمفهوم «الحلال»، والدلالة العميقة لشهر رمضان، والإطار التشريعي المنظم له.
من الواضح أن معدّي هذا الكتاب بذلوا جهدًا كبيرًا، وتعاملوا بجدية وعمق مع موضوعات تقنية دقيقة، في محاولة لإقناع من يصدرون أحكامهم على الإسلام دون معرفة حقيقية به.
فهل ينجح هذا العمل حيث أخفقت عقود من التعايش؟ لا شيء يؤكد ذلك. فقد قال الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت في كتابه «خطاب المنهج» إن «العقل السليم هو أكثر الأشياء تقاسمًا بين الناس»، غير أن الواقع يوحي بأنه كان مخطئًا.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية