لم يكتفِ التحرش و القصف و التوغلات المتكررة بذريعة واهية تتمثل في استمرار وجود حزب الله (الذي بات، رغم ذلك، مُنهكًا إلى حدّ بعيد منذ غياب زعيمه التاريخي)، بل أقدمت إسرائيل على خطوة إضافية عبر استخدام مواد كيميائية لاستهداف الإنتاج الزراعي بشكل مباشر.
إنها فضيحة اللحظة و جريمة جديدة تُضاف إلى سجلّ البلطجة الممنهجة التي تشهدها المنطقة منذ 77 عامًا.
فقد أثبتت عينات التربة والمياه التي جمعها الجيش اللبناني وخضعت للتحليل في مختبرات متخصصة، بما لا يدع مجالًا للشك، وجود مبيد أعشاب خطير بتركيزات مرتفعة جدًا، هو الغليفوسات، الذي يثير الإبقاء عليه في أوروبا إلى غاية عام 2033 موجةً واسعة من الجدل والاعتراض.
و أفادت وزارتا الزراعة والبيئة اللبنانيتان بأن بعض العينات أظهرت تركيزًا يفوق المعايير الدولية المسموح بها بما يتراوح بين 20 و 30 مرة.
و أضافت المصادر ذاتها أن هذه المادة «قد تُلحق أضرارًا بالغة بالغطاء النباتي في المناطق المستهدفة، مع تداعيات مباشرة على الإنتاج الزراعي، وخصوبة التربة، والتوازن البيئي».
و ذهبت الوزارتان إلى حدّ وصف ما جرى بـ«الإبادة البيئية»، محذّرتين من «مخاطر صحية وبيئية محتملة قد تطال المياه والتربة والسلسلة الغذائية».
من جهته، ندّد الرئيس اللبناني جوزاف عون، المعروف بمواقفه الصدامية السابقة مع الدولة العبرية، بـ«انتهاك صارخ للسيادة اللبنانية وجريمة بيئية وصحية مكتملة الأركان».
أما قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، فقد ذكرت في بيان صدر الاثنين الماضي أنها أُبلغت، في اليوم السابق، من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي بنيته رشّ «مادة كيميائية غير سامة» قرب الحدود.
و أضافت أن الجيش الإسرائيلي طلب من عناصر القبعات الزرقاء مغادرة المنطقة بدعوى حمايتهم، «ما اضطرهم إلى إلغاء أكثر من عشرة أنشطة ميدانية»، وفق البيان.
و قد ساعدت القوة الأممية الجنود اللبنانيين في جمع العينات. وأعربت اليونيفيل عن أسفها قائلة: «ليست هذه المرة الأولى التي يقوم فيها الجيش الإسرائيلي برشّ مواد كيميائية مجهولة المصدر من الطائرات فوق الأراضي اللبنانية»، معتبرةً هذا التدخل «غير مقبول».
و أضافت : «يثير هذا الأمر مخاوف جدية بشأن تأثير هذه المادة الكيميائية المجهولة على الأراضي الزراعية المحلية، وانعكاساتها على عودة المدنيين على المدى الطويل وسبل عيشهم»، بحسب تأكيد قوات حفظ السلام.
و شبه دُمّرت القرى التي استُهدفت بهذه العملية بشكل كامل، فيما اضطر السكان إلى النزوح. ويهدف الجيش الإسرائيلي، من خلال استخدام هذه المواد الكيميائية، إلى جعل التربة غير صالحة للزراعة لتحويل هذه المناطق إلى شريط عازل على الحدود، تمامًا كما فعل في المنطقة العازلة في الجولان السوري. إنها سياسة استعمارية متواصلة… وأكثر من ذلك، دائمًا المزيد.
و لا يتوارى اليمين المتطرف الحاكم عن تحمّل مسؤولية هذه الأفعال الإجرامية، بل يبررها بذريعة منع حزب الله من الاقتراب من الحدود، ويعمد في هذا الإطار إلى عرقلة إعادة إعمار القرى المتضررة.
و رغم هذا التخريب الواضح، يواصل عدد من السكان التوجه إلى أراضيهم الزراعية في محاولة يائسة لزراعة ما أمكن. إلى متى؟ سؤال يُفترض توجيهه إلى بنيامين نتنياهو، الذي نصّب نفسه «سيّدًا ومالكًا» للمنطقة بأسرها.
إن جعل الأرض غير صالحة للحياة لدفع السكان إلى الرحيل هو أسلوب إسرائيلي قديم. فخلال المواجهات المسلحة مع حزب الله، ألقى الجيش الإسرائيلي قنابل عنقودية واستخدم الفوسفور الأبيض في المناطق ذاتها. وبطبيعة الحال، لن تُعرض هذه الجرائم الحربية يومًا على محكمة دولية، إذ تضمن الولايات المتحدة الإفلات التام من العقاب لنتنياهو ومن معه.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية