تُسجّل تونس عجزًا طاقيًا هيكليًا يناهز 60%، وهو اختلال يؤثر على توازنات التزوّد بالطاقة ويُثقل كاهل النفقات العمومية.
ومنذ سنة 2010، ما انفكّ هذا العجز يتفاقم، في سياق لا تغطّي فيه الإنتاجية الوطنية من الغاز سوى أقل من 30% من الحاجيات، فيما يتمّ تأمين الباقي عبر التوريد. ولمواجهة هذا الوضع، ترتكز الخطط الوطنية لمجابهة هذه الاوضاع على تطوير الطاقات المتجددة وتحسين النجاعة الطاقية. غير أنّ الطاقات المتجددة لا تمثّل اليوم سوى 1 إلى 2% من الطاقة الأولية، و5 إلى 6% من المزيج الكهربائي.
تنويع مصادر الطاقة
حسب مذكرة صادرة عن وزارة التجارة وتنمية الصادرات، تعمّق العجز الطاقي في تونس بشكل لافت خلال العقد الأخير، إذ تضاعف أربع مرات تقريبًا، منتقلاً من 2,7 مليار دينار سنة 2016 إلى 11,1 مليار دينار مع نهاية سنة 2025. وأصبح هذا العجز يمثّل أكثر من نصف العجز التجاري الإجمالي للبلاد، أي ما يعادل 51,1%، مقابل 21,5% في سنة 2016. ولا تزال بنية العجز التجاري خاضعة لهيمنة المنتجات الطاقية، التي تمثّل مصدره الرئيسي.
وأمام تحدّيات الظرفية الطاقية، بات من الضروري لتونس تنويع مصادر طاقتها والاستثمار في الطاقات المتجددة ذلك ان الانتقال نحو حلول طاقية مستدامة من شأنه ليس فقط تقليص التبعية للتوريد، بل أيضًا الإسهام في تحقيق تنمية اقتصادية أكثر صلابة وقدرة على الصمود.
ضرورة اعتماد استراتيجية استباقية
إنّ الوضع الراهن للميزان التجاري الطاقي في تونس يستوجب تحرّكًا فوريًا ومنسّقًا. فالحاجة إلى استراتيجية استباقية أصبحت أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى لضمان مستقبل طاقي مستدام وآمن للبلاد. وتشهد البلاد عجزًا طاقيًا هيكليًا يتفاقم سنة بعد أخرى، نتيجة تراجع أنشطة الاستكشاف الطاقي، وهو ما يتجلّى في انخفاض عدد الشركات الناشطة في القطاع.
وبناءً على ذلك، تؤثّر النفقات الطاقية بشكل مباشر على توازنات المالية العمومية، مما يزيد من العبء المالي للاعتمادات المخصّصة لضمان مواصلة توريد المواد الأساسية. ويُعدّ قطاع الطاقة من أكثر القطاعات تسجيلًا للعجز منذ سنة 2018، في حين تتّخذ الكلفة المالية الناجمة عن هذا العجز أبعادًا متزايدة، لا سيما بسبب تقلّبات أسعار المنتجات الطاقية في السوق الدولية.
آفاق واعدة
في هذا الإطار، تسعى السلطات المعنية إلى معالجة إشكالية عجز الميزان التجاري عبر جملة من الإجراءات، من بينها تعزيز الاستثمارات في قطاع الطاقات المتجددة بهدف إنتاج الكهرباء والحدّ من انعكاسات التزوّد المكثّف بالوقود والغاز على الميزان التجاري، الذي يسجّل نسب عجز مرتفعة منذ أشهر. وتخطّط السلطات لإنتاج ما لا يقلّ عن 5% من حاجيات البلاد من الكهرباء عبر مشاريع لإنتاج الطاقة الشمسية.
وقد قطعت تونس أشواطًا حاسمة في انتقالها الطاقي خلال سنة 2025، حيث يشكّل الإدماج الواسع للطاقات المتجددة، وتحسين استهلاك الطاقة، وتطوير منظومة الهيدروجين الأخضر، المحاور الثلاثة الأساسية لهذا التحوّل.
ولمواصلة إنجاح هذه المرحلة الانتقالية، يتعيّن على البلاد معالجة عدد من الإشكاليات الجوهرية، من بينها الإدماج التقني للطاقات داخل الشبكة، وتيسير النفاذ إلى العقارات المخصّصة للمشاريع الطاقية الكبرى، وتعبئة موارد المالية اللازمة لإنجاح هذه المساعي. ولن تُحلّ هذه المعادلة المعقّدة إلا من خلال تنسيق نموذجي بين المؤسسات العمومية والقطاع الخاص والشركاء الدوليين بشكل وثيق ومستدام.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية