آخر الأخبار

الإشهار الرقمي: أموال بالملايين تُصرف على فيسبوك ويوتيوب تثير التساؤلات !

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

في تونس، غيّر قطاع الإشهار وجهته بوضوح. إذ تتجه حصة متزايدة من ميزانيات المعلنين نحو المنصات العالمية الكبرى، ولا سيما شبكات التواصل الاجتماعي ومنظومة غوغل، وعلى رأسها يوتيوب. وعلى مستوى السوق، تُقدَّر الكلفة الجملية للإشهار الرقمي اليوم بمئات ملايين الدنانير على الأرجح، مدفوعة بعدد محدود من كبار المعلنين وبالهجرة المتواصلة للميزانيات من وسائل الإعلام التقليدية إلى الفضاء الرقمي.

غير أنّ هذا التحوّل يطرح سؤالا محوريا في السياق التونسي: كيف تنسجم هذه النفقات، التي تُفوَّت غالبا بالعملات الأجنبية، مع مجلة الصرف المعروفة بصرامتها؟

من الناحية التنظيمية، ليس المبدأ جديدا. فالإطار القانوني التونسي يجيز، بشروط، دفع مقابل بعض الخدمات الرقمية المقدّمة من مزوّدين أجانب، من بينها الإشهار على الإنترنت. غير أنّ هذه العمليات تظلّ خاضعة لإجراءات دقيقة، وتمرّ عبر المسالك البنكية المرخّص لها، ويجب أن تكون مدعّمة بوثائق تبريرية واضحة. بمعنى آخر، فإنّ الدفع لفيسبوك أو غوغل أو يوتيوب لا يُعدّ في حدّ ذاته مخالفة، لكنه يظلّ عملية مؤطّرة قانونيا.

وتزداد حساسية الملف عندما يتعلّق الأمر بمبالغ كبيرة، وبتركيبات تعاقدية معقّدة، وبتعدّد الوسطاء، ولا سيما وكالات الاتصال.

في مثل هذه الحالات، تبرز عدّة مناطق مخاطرة.

أولى هذه المخاطر تتعلّق بسعر الصرف. فكلّما ارتفعت المبالغ، ازدادت أهمية مسألة التتبّع والشفافية. إذ يجب أن تكون العقود، والفواتير، وطبيعة الخدمة، والفترة الزمنية، وهوية الجهة المنتفعة، منسجمة تماما. وفي غياب ذلك، قد تُعلَّق العملية أو تُؤجَّل أو يُعاد تكييفها أثناء المراقبة، بما يعرّض المعلن إلى ملاحظات، بل وحتى إلى عقوبات.

الخطر الثاني، وغالبا ما يُستهان به، هو الخطر الجبائي. فالإشهار الرقمي يُعدّ خدمة مورّدة من الخارج، تقدّمها شركات غير مقيمة في تونس لكنها تُستغلّ محليا. وفي هذه الحالة، لا تسقط الالتزامات الجبائية لمجرّد أنّ عملية الشراء تتم عبر منصة آلية أو بواسطة وكالة. وحتى عند إسناد الحملة إلى طرف ثالث، يظلّ المعلن مسؤولا عن احترام القواعد الجبائية الجاري بها العمل، ولا سيما ما يتعلّق بالاقتطاعات والتصاريح. وهو جانب تقني، لكنه قد يكون مكلفا في حال إهماله.

أما الرهان الثالث، وهو أكثر ارتباطا بالبعد السياسي والمؤسساتي، فيتعلّق بالحوكمة والسمعة، خاصة بالنسبة إلى المؤسسات العمومية. فصرف مبالغ هامة بالعملة الصعبة على منصات أجنبية قد يكون قانونيا، لكنه يصبح مسألة حساسة إذا لم تكن الأهداف محدّدة بوضوح، أو إذا لم تُقاس النتائج، أو إذا افتقرت إجراءات الشراء إلى الشفافية. وفي سياق تتسم فيه الموارد بالندرة، يتجاوز النقاش مسألة المطابقة القانونية ليطال النجاعة وحماية المصلحة العامة.

ويبقى السؤال الجوهري: هل يدرك المعلنون التونسيون فعلا حجم هذه المخاطر؟ فكثيرون يفضّلون سهولة الشراء، وسرعة إطلاق الحملات، ودقة الاستهداف التي تَعِد بها المنصات. وغالبا ما يُنظر إلى الجوانب التنظيمية والجبائية والوثائقية على أنّها مسائل ثانوية تُوكَل إلى الوكالات أو إلى المصالح الإدارية. غير أنّ الإشهار الرقمي لم يعد مجرّد شراء مساحة إعلانية، بل أصبح اقتناء خدمة عابرة للحدود، بما يحمله ذلك من تبعات قانونية ومالية ومتعلّقة بالحوكمة.

ومع تواصل انتقال الميزانيات نحو فيسبوك ويوتيوب وبقية عمالقة التكنولوجيا، يبدو من الضروري طرح هذا النقاش بهدوء وموضوعية. فالاستثمار الجيد في الإشهار الرقمي يقتضي أيضا إتقانا أفضل لقواعده.

وفي سوق يُحسب فيه كل دينار، تصبح الشفافية وقابلية التتبع وإثبات النجاعة لا تقلّ أهمية عن أداء الحملات نفسها.

وفي الواقع، وإلى جانب إشكاليات المطابقة والحوكمة، يبرز تساؤل أكثر استراتيجية: ماذا تجني تونس فعلا من حيث القيمة المضافة من وراء هذه الاستثمارات الإشهارية الضخمة على منصات أجنبية؟

صحيح أنّ الإشهار الرقمي يوفّر شهرة أوسع، ويدعم المبيعات، ويستقطب الحرفاء، ويعزّز تنافسية بعض المؤسسات. غير أنّ سلسلة القيمة المتولّدة محليا تظلّ محدودة. فالمنصات التي تستحوذ على الجزء الأكبر من العائدات توجد خارج البلاد، والمداخيل الإشهارية تُحوَّل إلى الخارج، في حين لا تستفيد الجباية المحلية إلا بشكل هامشي من هذه التدفقات.

وفي هذا السياق، يطرح سؤال التناسب نفسه: هل تبرّر العائدات الاقتصادية، من حيث مواطن الشغل، ونقل المعرفة، وتطوير المنظومة الرقمية، أو تحقيق نموّ مستدام، هذه النفقات من العملة الصعبة النادرة، التي تُكتسب بشقّ الأنفس وتخضع لرقابة صارمة من قبل السلطات النقدية؟

ومن دون التشكيك في جدوى الرقمنة، فإنّ هذا الخلل يدعو إلى تفكير أوسع، يهدف إلى تحقيق توازن أفضل بين الأداء التسويقي، وخلق القيمة محليا، وصون السيادة الاقتصادية.

اشترك في النشرة الإخبارية اليومية لتونس الرقمية: أخبار، تحليلات، اقتصاد، تكنولوجيا، مجتمع، ومعلومات عملية. مجانية، واضحة، دون رسائل مزعجة. كل صباح.

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

تحقّق من صندوق بريدك الإلكتروني لتأكيد اشتراكك.

تعليقات
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا