آخر الأخبار

في سنّ السادسة، هل نتعلّم القراءة أم نتعلّم التخمين؟ إشكالية الكتب المدرسية

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

طفل في السادسة من عمره، يدرس في السنة الأولى ابتدائي، يفتح كتابه المدرسي في اللغة العربية. النص قصير، مصحوب برسوم، ويبدو في الظاهر مطمئنًا.

مصدر الصورة

النص:

«وصل شكري إلى دكان على بابه أطباق منقوشة.
أشار شكري إلى رجل يزيّن طبقًا من نحاس بمنقاش ومطرقة وقال:
– هذا العم رشيد، يا أمي!
– نعم، إنه نقّاش. أتحب أن يعلّمك النقش؟»

مصدر الصورة

ثم يأتي التمرين: الإجابة بـ«نعم» أو «لا» عن سؤال لا تَرِد إجابته صراحة في النص، بل تُستنتج منه:
هل زار شكري دكان العم رشيد سابقًا؟

بعبارة أخرى، لم يعد المطلوب مجرد التعرّف على الحرف «ش» أو ربط صوت بكلمة، بل يُدفع التلميذ إلى القراءة «بين السطور».

ويطرح سؤال بسيط ومقلق: في هذا العمر، هل نعلّم الطفل نطق «ش»، أم ندرّبه على فهم المعنى الضمني؟

فجوة بين الهدف المعلن والهدف الحقيقي

في السنة الأولى، الأولوية البيداغوجية واضحة: ترسيخ الأسس. التعرّف على الحروف، ربط الصوت بالرمز، قراءة كلمات بسيطة، وفهم جملة مباشرة.

لكن عندما يطلب تمرين من الطفل أن يستنتج معلومة ضمنية انطلاقًا من جملة مثل «هذا العم رشيد يا أمي»، فإنه يضطر إلى توظيف مهارات تتجاوز تعلّم صوت «ش»: الاستنتاج، الفهم الاجتماعي، والمنطق السردي. وهي مهارات ليست عديمة الفائدة، لكن إدخالها مبكرًا، دون تمهيد، يخلق خلطًا في الأهداف.

النتيجة: يعتقد الطفل أنه لا يجيد القراءة، في حين أنه يقرأ بشكل صحيح. مشكلته ليست في “المستوى”، بل في غياب “المفتاح الضمني”، وهو ما لا علاقة له بهدف حصة تعلّم الحرف.

كيف تمرّ مثل هذه التمارين عبر لجان المصادقة؟

السؤال الأوسع لا يتعلّق بتمرين واحد فقط، بل بالسلسلة كاملة: كيف يُصادق على محتوى موجّه لأطفال في سن السادسة من قبل اللجان البيداغوجية والرقابية؟

نظريًا، توجد مراحل متعددة: الإعداد، المراجعة اللغوية، التدقيق الديداكتيكي، مطابقة البرنامج، ثم التجريب والتغذية الراجعة الميدانية (على الأقل من حيث المبدأ). لكن عندما تظهر تمارين “تأويلية” في دروس فكّ الشفرة، يحقّ لنا أن نتساءل:

– هل تُطبَّق فعليًا معايير النضج المعرفي حسب العمر؟
– هل تم اختبار التمرين في أقسام حقيقية، بمستويات متفاوتة؟
– هل أُعطيت أولوية لجمال النص على بساطته التربوية؟
– وهل تصل ملاحظات المعلّمين الميدانيين فعلًا إلى دوائر اتخاذ القرار؟

المشكلة ليست في السعي إلى الجودة، بل في الخلط بين الجودة والتعقيد.

توجد تمارين أبسط بكثير لتعليم حرف «ش»

لتعليم صوت «ش» لطفل في السادسة، هناك وسائل فعالة لا تتطلب قراءة ضمنية:

– التعرّف على «ش» في كلمات قصيرة ومألوفة (شمس، شجرة، شاي…).
– ربط الصورة بالكلمة لتعزيز الرصيد اللغوي.
– تحديد الحرف في أول الكلمة ووسطها وآخرها.
– إكمال كلمات بحرف «ش».
– قراءة مقاطع بسيطة (شا – شو – شي).
– تمارين تصنيف: كلمات تحتوي «ش» وأخرى لا تحتويه.
– جمل قصيرة ذات معنى حرفي مباشر.

هذه التمارين تبني الثقة، وتُرسّخ الآلية، وتجنّب الفشل النفسي المبكر.

الآثار على الأطفال: توتر، إحباط، وخوف من “الخطأ”
هذا النوع من الصعوبة “في غير موضعها” يخلّف آثارًا ملموسة:


* الخلط بين القراءة والتخمين
يتعلّم الطفل أن القراءة ليست فكّ الرموز، بل محاولة تخمين ما يريده الكبار.
* الخوف من الخطأ
في سن السادسة، الخطأ مرحلة طبيعية. لكن حين تكون التعليمة غامضة، يصبح الخطأ غير عادل، واللاعدل يثبّط.
* تراجع تقدير الذات
يقول التلميذ: “لا أستطيع”. والسنة الأولى هي التي تتكوّن فيها علاقة الطفل بالمدرسة.
* نقل العبء إلى العائلة
تضطر عائلات كثيرة إلى شرح الدروس في البيت. من يملك دعمًا أسريًا ينجح، ومن لا يملكه يتأخر. وهكذا تتسع الفجوة.
* النفور من القراءة
عندما تصبح القراءة مصدر ضغط، يتجنبها الطفل. وحين يتجنبها، يتراجع مستواه. دائرة خطيرة.

مشكلة أوسع: بيداغوجيا “الفخ”

في عدد من الكتب، تبرز منطقية ضمنية: “يجب أن يفكّر الطفل”. لكن التفكير لا يعني الوقوع في فخ. يجب أن يكون التفكير متدرجًا، موجهًا، ومناسبًا للسن.

محاولة جعل الطفل “يفكّر مثل الكبار” مبكرًا — عبر الإيحاء، والتأويل، والقراءة بين السطور — تؤدي إلى نتيجة عكسية: نفور من المادة، لا لأنها صعبة، بل لأنها غير منسجمة.

ما الذي ينبغي تغييره: معايير واضحة وإصلاح عاجل

أصبح من الضروري العودة إلى الجوهر ووضع معايير واضحة تحترم تطور الطفل. في السنة الأولى، يجب أن يتركز التعلّم على فكّ الرموز، على المعنى المباشر للكلمات والجمل، وعلى القراءة البسيطة التي تبني الثقة والرغبة في التقدم.

أما المعنى الضمني، فلا يُقدَّم إلا تدريجيًا، بوسائط مدروسة ومناسبة للعمر، عندما تكون القواعد راسخة والطفل مستعدًا. كما ينبغي اختبار التمارين في الأقسام قبل تعميمها، وربطها بردود فعل التلاميذ، لتفادي الصعوبات المصطنعة.

ومن الضروري أيضًا أن يتوفر للمعلمين مسار رسمي وواضح لإيصال ملاحظاتهم حول المضامين غير الملائمة، لأنهم الشهود الأوائل على ما يعيشه الأطفال يوميًا. وأخيرًا، ينبغي أن يجيب كل نشاط في كتاب مدرسي عن سؤال أساسي: أي تعلّم دقيق نريد أن نغرسه لدى الطفل؟

إعادة النظر في البرنامج أصبحت ضرورة

الإفراط في تعقيد مدخل القراءة لا يرفع المستوى، بل يضعف القاعدة. وقاعدة ضعيفة تعني سنوات من التدارك، والإحباط، والانقطاع الصامت.

إعادة بناء البرنامج، تبسيط بعض المضامين، ووضع الطفل ذي الست سنوات في قلب العملية التربوية ليست ترفًا، بل ضرورة لحماية المستوى الحقيقي، وقبل كل شيء، حماية الدافعية. لأن طفلًا يفقد رغبته في التعلّم في سن السادسة، قد يحمل أثر ذلك طويلًا.

اشترك في النشرة الإخبارية اليومية لتونس الرقمية: أخبار، تحليلات، اقتصاد، تكنولوجيا، مجتمع، ومعلومات عملية. مجانية، واضحة، دون رسائل مزعجة. كل صباح.

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

تحقّق من صندوق بريدك الإلكتروني لتأكيد اشتراكك.

تعليقات
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا