انتخابات الكونغرس والاستعداد للأسوأ في الخليج
بقي أقل من شهر على انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، وتشير التوقعات إلى احتمال خسارة الجمهوريين أغلبيتهم في مجلس النواب، وهو ما قد يفرض قيودا أكبر على إدارة ترمب بعد انعقاد الكونغرس الجديد، ويؤثر في حساباتها تجاه إيران.
وفي هذا السياق، تكتسب تصريحات الرئيس دونالد ترمب بشأن احتمال استئناف العمليات العسكرية بعد الانتخابات أهمية خاصة. فقد أشار إلى إمكان استئنافها إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، وهو ما يثير تساؤلا عن صلة توقيت التصعيد بنتائج الانتخابات وما قد يليها.
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 كاتس والضفة.. ردع أم خطة إنهاء؟
* list 2 of 2 ترمب يكثف جولاته الانتخابية للحفاظ على الأغلبية الجمهورية بالكونغرس end of list
يبدأ الكونغرس الجديد عمله في يناير/كانون الثاني 2027، وقد ينظر ترمب إلى الفترة بين إعلان النتائج وانعقاده بوصفها فرصة للتحرك قبل أن تواجه إدارته رقابة أشد وصعوبة أكبر في تأمين الدعم والتمويل لعمليات عسكرية ممتدة، إذا خسر الجمهوريون أغلبيتهم.
وهناك أسباب موضوعية قد تدفع إلى استئناف العمليات العسكرية؛ فالحرب لم تحقق جميع أهدافها الأساسية؛ فقضية البرنامج النووي لا تزال معلقة لم تحسم، وطهران مستمرة في توظيف مضيق هرمز ورقة للضغط، كما ازداد تشدد النظام مع تنامي نفوذ الحرس الثوري في عملية صنع القرار. ومن جانبها، قد تضغط إسرائيل نحو استئناف العمليات، إذ ترى حكومة نتنياهو أن حرب الأربعين يوما لم تضمن إضعاف قدرات إيران على المدى الطويل.
وهناك على الأقل مؤشران يزيدان من احتمالات استئناف العمليات العسكرية بعد الانتخابات: رفض ترمب في 26 سبتمبر/أيلول المقترح الإيراني الذي تضمن فتح مضيق هرمز واستئناف المفاوضات خلال سبعة أيام، وقرار واشنطن إرسال حاملة طائرات ثالثة وقوات إضافية إلى المنطقة.
استعداد دول مجلس التعاون لأسوأ الاحتمالات
وأيا تكن نتيجة الانتخابات وانعكاساتها على سياسة ترمب تجاه إيران، ينبغي لدول الخليج أن تستعد لأسوأ الاحتمالات، وفي مقدمتها استئناف العمليات العسكرية. ويبدأ ذلك بالعمل على تجنب هذا الاحتمال، من خلال بدء التواصل مع إدارة ترمب لحثها على إبقاء باب المفاوضات مفتوحا، ومنح العقوبات وقتا كافيا لإظهار أثرها قبل العودة إلى الخيار العسكري.
وتظل فاعلية العقوبات موضع جدل، لكن يبدو أن العقوبات الحالية بدأت تؤتي ثمارها، بالنظر إلى شموليتها والتركيز على العقوبات الثانوية التي تستهدف الأطراف المتعاملة مع إيران، بما قد يزيد من تأثيرها ويحد من قدرة طهران على الالتفاف عليها. ويمكن النظر إلى طرح إيران مبادرة لفتح مضيق هرمز واستئناف المفاوضات خلال سبعة أيام بوصفه مؤشرا محتملا على أن الضغوط بدأت تؤثر في موقف طهران التفاوضي.
وبالتوازي مع العمل على تجنب الحرب، تحتاج دول الخليج إلى تعزيز استعدادها الدفاعي وقدرات الردع، وحماية المنشآت الحيوية ومرافق الطاقة، ورفع جاهزية الدفاع الجوي والصاروخي، وتحسين الإنذار المبكر وتبادل المعلومات، والاستعداد لاضطراب الملاحة وسلاسل الإمداد.
كما يقتضي هذا الاستعداد معالجة التباينات بين دول المجلس في مواقفها تجاه إيران وسبل التعامل معها، وتجنب إرسال رسائل متعارضة إلى طهران تتيح لها توظيف هذه التباينات لمصلحتها، والعمل على بلورة رؤية مشتركة تحدد المصالح الأمنية الأساسية التي تستوجب موقفا وتنسيقا جماعيا من دول المجلس عند تصاعد الأزمة.
أيا تكن نتيجة الانتخابات وانعكاساتها على سياسة ترمب تجاه إيران، ينبغي لدول الخليج أن تستعد لأسوأ الاحتمالات، وفي مقدمتها استئناف العمليات العسكرية. ويبدأ ذلك بالعمل على تجنب هذا الاحتمال، من خلال بدء التواصل مع إدارة ترمب لحثها على إبقاء باب المفاوضات مفتوحا، ومنح العقوبات وقتا كافيا لإظهار أثرها قبل العودة إلى الخيار العسكري
ما بعد ترمب.. مستقبل الالتزام الأمريكي تجاه دول المجلس
ينبغي أن تنظر دول الخليج إلى مستقبل علاقتها الأمنية مع الولايات المتحدة من منظور يتجاوز الأزمة الحالية ومواقف الرئيس ترمب وتقلباته. فقد يرتبط جانب من هذه المواقف بأسلوبه الشخصي في إدارة السياسة، لكن السؤال الأهم هو ما إذا كانت سياسته الراهنة تعبر عن رؤية شخصية، أم تعكس أيضا تحولا أوسع في السياسة الأمريكية يمكن أن يستمر بعد انتهاء ولايته.
فرغم أن الولايات المتحدة لا تزال الشريك الأمني الرئيس لدول الخليج، فإن إستراتيجيتها خلال السنوات الأخيرة اتجهت إلى تخفيف التزاماتها العسكرية نحو جميع شركائها، فالإستراتيجية الدفاعية الأمريكية لعام 2026 تدعو إلى تحمل الحلفاء مسؤولية أكبر عن دفاعهم سواء في أوروبا أو الشرق الأوسط أو شرق آسيا.
ومن ثم، فقد تصبح السياسة الأمريكية بعد ترمب أقل تقلبا وأكثر قابلية للتوقع، من دون أن يعني ذلك عودة تلقائية إلى مستويات الالتزام الأمني السابقة. وقد يستمر الحضور العسكري والشراكات ومبيعات السلاح، بينما تصبح واشنطن أكثر انتقائية في التدخل المباشر، بحسب طبيعة الأزمة ومدى ارتباطها بالمصالح الأمريكية.
وتقدم تصريحات السيناتور الديمقراطي كريس مورفي خلال زيارته الأخيرة إلى قطر والمملكة مؤشرا على أن هذا النقاش لا يقتصر على إدارة ترمب. فقد تحدث عن الحاجة إلى بلورة "نهج جديد" للسياسة الأمريكية في الخليج. وهذا النقاش ليس جديدا تماما؛ فقد ظهر بصورة مختلفة في عهد أوباما، عندما دعت وزيرة الخارجية آنذاك هيلاري كلينتون إلى إعادة توجيه قدر أكبر من الاهتمام والموارد الأمريكية نحو آسيا، باعتبارها مركزا متزايد الأهمية للمصالح الإستراتيجية الأمريكية.
ولذلك تحتاج دول الخليج إلى رؤية بعيدة المدى لا تجعل الشراكة مع الولايات المتحدة الركيزة الأساسية لترتيباتها الأمنية في بيئة إقليمية دائمة التوتر والأزمات. وهو ما يقتضي العمل على بناء هيكل أمني إقليمي يتيح إدارة الخلافات ومعالجة الأزمات والحيلولة دون تطورها إلى المواجهات العسكرية.
سيظل الاستعداد العسكري ضروريا للردع، لكنه لا يضمن منع عودة التصعيد. كما أن خفض التصعيد قد يظل هشا ما لم يستند إلى قواعد أوسع تنظم سلوك الأطراف المعنية، ولا سيما الأطراف التي ترى أن الترتيبات القائمة لا تعكس مصالحها أو المكانة التي تطمح إليها
من إدارة الصراع إلى بناء هيكل للأمن الإقليمي
إذا لم تنته المواجهة الحالية بتسوية سياسية دائمة، فقد يتحول الصراع إلى مواجهة ممتدة منخفضة الحدة، تتناوب فيها مراحل التصعيد والتهدئة، وتشمل هجمات محدودة وعمليات بالوكالة وضغوطا على الملاحة والطاقة وتهديدا للبنية التحتية.
ويفرض هذا النمط على دول الخليج حالة مستمرة من الترقب والاستعداد، ويستهلك الموارد الدفاعية، ويرفع كلفة حماية المنشآت والممرات البحرية، ويصعّب التخطيط الاقتصادي. كما يستنزف الجهد السياسي والدبلوماسي في أزمات لا تنتهي بحسم، ويبقي المنطقة في توتر دائم.
ويتعارض الصراع الممتد مع أولويات هذه الدول القائمة على التنمية وتنويع الاقتصاد وجذب رأس المال والسياحة، كما يفرض تكاليف أمنية واقتصادية تضغط على خطط ومشاريع البناء والتنمية.
وسيظل الاستعداد العسكري ضروريا للردع، لكنه لا يضمن منع عودة التصعيد. كما أن خفض التصعيد قد يظل هشا ما لم يستند إلى قواعد أوسع تنظم سلوك الأطراف المعنية، ولا سيما الأطراف التي ترى أن الترتيبات القائمة لا تعكس مصالحها أو المكانة التي تطمح إليها. ومن هنا تبرز الحاجة إلى بحث هيكل للأمن الإقليمي يساعد على إدارة الخلافات واحتواء الأزمات وتعزيز الأمن والاستقرار بصورة أكثر استدامة.
وقد طُرحت عدة مبادرات قدمت تصورات مختلفة لبناء ترتيبات للأمن الجماعي، وكان من أبرزها مبادرة "هرمز للسلام" (HOPE) التي قدمتها إيران عام 2019، ودعت إلى عدم الاعتداء وعدم التدخل، والاحتكام للقانون الدولي، وإنهاء الوجود الأجنبي، وتعزيز الحوار وبناء الثقة. كما طرحت روسيا تصورا للأمن الجماعي في الخليج يقوم على بناء نظام تدريجي للأمن والتعاون، يبدأ بإجراءات لبناء الثقة وتسوية النزاعات، ويصل على المدى البعيد إلى منظمة للأمن والتعاون في الخليج.
وقدمت الصين بدورها فكرة بناء هيكل أمني مشترك وشامل وتعاوني ومستدام في الشرق الأوسط والخليج، لكنها ظلت في إطار المبادئ العامة من دون آليات تفصيلية.
تزداد الحاجة إلى الانتقال من إدارة الأزمات إلى العمل الجاد على بناء هيكل أمني إقليمي جديد، قد يشكل الضمانة الأكثر فاعلية للحد من احتمالات المواجهات العسكرية المكلفة ومنع تكرارها
ولم تُبدِ دول مجلس التعاون، وهي المعنية مباشرة بهذه المبادرات، اهتماما يُفضي إلى نقاش جاد بشأنها، ولذلك لم يتطور أي منها إلى حوار إقليمي يقود إلى ترتيبات أمنية مشتركة. وبقيت المنطقة في الوقت نفسه عرضة لأزمات متكررة، وإن كانت أسباب بعضها تأتي من خارج الخليج، كما أظهرت الحرب الأخيرة.
في مارس/آذار 2024 أطلق مجلس التعاون "رؤية مجلس التعاون للأمن الإقليمي"، وتضمنت مبادئ احترام السيادة وعدم التدخل وحسن الجوار، والامتناع عن استخدام القوة أو التهديد بها، وتسوية الخلافات بالوسائل السلمية. كما أكدت أن أمن دول المجلس كل لا يتجزأ، وربطت الأمن بالتنمية والطاقة وحرية الملاحة وعدم الانتشار ومكافحة الإرهاب والأمن السيبراني والأمن الغذائي والمائي. وتنسجم الرؤية مع توجه دول المجلس نحو تجنب الحرب وتسوية الخلافات بالحوار وربط الاستقرار بالتنمية.
لكن الرؤية ورغم أهميتها، ظلت مجرد مبادئ وأهداف عامة دون أن تفصل في آليات تحقيقها، كما أن جانبا كبيرا مما ورد فيها سبق أن ظهر في مواقف وبيانات مجلس التعاون. ومع ذلك، يمكن أن تشكل نقطة انطلاق للانتقال من إعلان المبادئ إلى مناقشة ترتيبات وقواعد وآليات لبناء هيكل أمن جماعي.
لقد حان الوقت لأن تبدأ دول مجلس التعاون حوارا جادا ومستداما حول تأسيس هيكل جديد للأمن الإقليمي، يتناول المبادئ التي يقوم عليها، والقواعد الحاكمة للعلاقات بين أطرافه، وأهدافه، وآلياته، والإجراءات التي يعتمد عليها لمنع الأزمات وإدارتها. كما ينبغي أن يبحث نطاقه وأطرافه: هل يبدأ شاملا، أم يتدرج من إطار يضم دول الخليج وإيران ثم يتوسع ليشمل العراق واليمن وغيرها من الدول المجاورة؟ وكيف تُعالج مسألة مشاركة إسرائيل؟ وما دور القوى الكبرى، وهل تكون جزءا من الهيكل أم داعمة له من خارجه؟ وهذه وغيرها من المسائل تحتاج إلى نقاش خليجي وإقليمي جاد قبل الانتقال إلى صيغة مؤسسية محددة.
قبل عقود انشغلنا بفكرة التعايش بين الحضارات والأديان، بما تقوم عليه من التسامح والقبول بالاختلاف وإدارة الخلافات. واليوم ربما نحتاج إلى طرح مماثل يقوم على فكرة التعايش بين الدول. فالتعايش لا يفترض انتهاء الصراعات، بل ينطلق من حقيقة أن لكل دولة مصالحها، وأن بعض هذه المصالح قد يتعارض مع مصالح غيرها. والمطلوب هو إدارة هذه الخلافات بما يمنع تحولها إلى مواجهات عسكرية مدمرة.
وينسجم هذا الطرح مع السلوك الذي اتبعته دول مجلس التعاون خلال الحرب الأخيرة؛ فتمسكها بالموقف الدفاعي، واكتفاؤها بصد الهجمات الإيرانية التي استمرت أربعين يوما وتجاوز عددها مع الهجمات التي استهدفت الأردن، 7200 هجوم بين طائرة مسيّرة وصاروخ، تعكس طبيعة أولوياتها الإستراتيجية؛ فهي لا ترغب في الدخول في مواجهات عسكرية واسعة تتعارض مع توجهها نحو البناء والتنمية وتحسين سبل العيش لمواطنيها، كما يكشف هذا الموقف عن إدراك محدودية قدرتها على تحمل كلفة صراع عسكري ممتد.
وفي ضوء مواقف القوى الكبرى من صراعات المنطقة، بين الإسهام في نشوب بعضها والتردد في احتوائها، وفي ظل وجود دول مثل إيران وإسرائيل تسعى إلى تغيير البيئة الإقليمية، وما قد يترتب على ذلك من تكرار المواجهات العسكرية، فإن مجرد الاكتفاء بإدارة المواجهة الحالية ليس كافيا؛ فتحول الصراع إلى مواجهة ممتدة منخفضة الحدة يعني بالنسبة إلى دول الخليج خسائر متكررة، وحالة دائمة من الترقب والاستعداد، واستنزافا أمنيا واقتصاديا وسياسيا.
ومن هنا تزداد الحاجة إلى الانتقال من إدارة الأزمات إلى العمل الجاد على بناء هيكل أمني إقليمي جديد، قد يشكل الضمانة الأكثر فاعلية للحد من احتمالات المواجهات العسكرية المكلفة ومنع تكرارها.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.